انخرطت الإدارات الديمقراطية والجمهورية الأمريكية في حوار مع المملكة العربية
السعودية منذ عام 2009 بشأن إمكانية إبرام
اتفاق ثنائي يسمح بالتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية بين واشنطن والرياض.
إلا أن تلك المناقشات لطالما تعثرت بسبب ثلاث قضايا رئيسية، وهي: ما إذا كان سيُسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، ومدى استعداد السعودية لتطبيق البروتوكول الإضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فضلا عن تساؤلات بشأن الدور الذي ستلعبه الصناعة الأمريكية في خطط المملكة لبناء مفاعلات نووية كبيرة وصغيرة، وفقا لموقع "
جست سكيورتي" الأمريكي.
شكّلت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد
بن سلمان إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس
ترامب في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر اختراقًا محتملاً للبدء بمسار برنامجها النووي، عندما أصدر البلدان ورقة معلومات تفيد بأنهما استكملا المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية.
إلا أن الورقة لم توضح كيفية معالجة القضايا الثلاث التي أعاقت التوصل إلى اتفاق في السابق، كما ولم يُنشر نص الاتفاق علنًا حتى الآن، رغم إعلان وزارة الطاقة السعودية أن حكومتي البلدين أكملتا المفاوضات المتعلقة بالتعاون بينهما بشأن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
يمتلك الكونغرس دورًا في التعاون النووي الخارجي على خلاف العديد من القرارات المتعلقة بالسياسة الدولية، إذ لا يمكن تنفيذ هذا التعاون إلا عبر اتفاق يُعرف باسم "
اتفاقية القسم 123" بين الكونغرس والسلطة التنفيذية.
التدقيق بشأن توافق الاتفاق مع مصالح أمريكا
ووفقًا لهذا القانون، يجب تقديم جميع اتفاقيات التعاون النووي إلى الكونغرس لمراجعتها، مع إمكانية رفضها.
وهذا يعني أنه عندما يُقدَّم اتفاق 123بين الولايات المتحدة والسعودية إلى الكونغرس، وعلى الأرجح في أواخر شباط/فبراير أو أوائل آذار/مارس، ستكون للسلطة التشريعية فرصة للنظر بدقة فيما إذا كان الاتفاق يلبّي معايير عدم الانتشار التي ينص عليها القانون، وما إذا كان يخدم مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة.
موقع "جست سكيورتي" دعا للتركيز على
قدرة السعودية على التخصيب وإعادة معالجة المواد النووية، فقد عبّرت الرياض باستمرار عن رغبتها في المشاركة في كامل دورة الوقود النووي، انطلاقًا من قناعتها بوجود فوائد اقتصادية كبيرة في امتلاك قدرة محلية على تزويد مفاعلاتها بالوقود النووي، وكذلك في بيع هذا الوقود للتصدير.
كما وتسعى السعودية أيضًا كحال بقية الحكومات إلى المشاركة في نمو الصناعة النووية عبر تطوير خبرات تقنية في المجالات النووية لقواها العاملة.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنها تمتلك سياسة راسخة تهدف إلى
منع انتشار تقنيات التخصيب وإعادة المعالجة، نظرًا لإمكانية استخدامها في إنتاج مواد تدخل في صناعة الأسلحة النووية، ومع هذا لم يكن هناك يومًا نهج واحد موحد للتعامل مع التخصيب وإعادة المعالجة في اتفاقيات 123، إذ يُنظر إلى كل اتفاقية على حدة.
تتضمن بعض الاتفاقيات، مثل تلك الموقعة مع دولة الإمارات، حظرًا قانونيًا ملزمًا على التخصيب وإعادة المعالجة بسبب مخاوف الانتشار النووي، بينما تم الاكتفاء في اتفاقيات أخرى، مثل تلك مع
فيتنام، حيث تكون مخاوف الانتشار أقل، بالتزام سياسي باستخدام الأسواق الدولية لتوفير الوقود النووي.
أما السعودية، فتُعد حالة معقدة، لكون تصريحاتها تثير مخاوف بشأن رغبتها في امتلاك قدرة على إنتاج أسلحة نووية.
فقد سبق وقال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان علنًا في مقابلة عام 2023 بأنه إذا حصلت إيران على سلاح نووي، فإن المملكة ستحصل على واحد أيضًا، وهو ما يشكّل انتهاكًا مباشرًا لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
المفاوضون الأميركيون طرحوا مجموعة من الحلول الوسط للحد من مخاطر الانتشار النووي مع تلبية رغبة السعودية في المشاركة في الصناعة النووية المدنية.
فقد عرضت واشنطن، وفقًا
للتقارير الصحفية، في عام 2023 إنشاء منشأة تخصيب لليورانيوم على الأراضي السعودية تكون أميركية التشغيل والسيطرة، إضافة إلى إمكانية استثمار السعودية في شركات نووية أميركية.
كما أن هناك حلًّا وسطًا آخر محتملًا، سبق استخدامه في حالات سابقة، يتمثل في تأجيل اتخاذ قرارات بشأن القضايا الحساسة، مثل التخصيب وإعادة المعالجة المحليين، لفترة زمنية محددة بينما يدرس البلدان جدوى الخيارات المختلفة.
مخاوف سعودية بشأن السيادة
يشدد موقع "جست سكيورتي" على ضرورة تركيز الكونغرس أيضا بشأن قضية التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي شروط اتفاقيات الضمانات الشاملة (CSA) بين السعودية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فمن الناحية المثالية، يُفترض أن توقّع السعودية على البروتوكول الإضافي، الذي يمنح الوكالة وصولًا مكمّلًا إلى المنشآت النووية والمواقع المشتبه بأنها نووية، بهدف معالجة الأسئلة المتعلقة بدقة وشمولية إعلانات الدول حول برامجها النووية المدنية.
وقد طبّقت 127 دولة البروتوكول الإضافي حتى الآن، ويكتسب أهمية خاصة في تحقيقات الوكالة المتعلقة بالمواد والأنشطة النووية غير المعلنة أو السرية، كما هو الحال في إيران.
إلا أن السعودية قاومت دعوات التوقيع على البروتوكول الإضافي بسبب مخاوف تتعلق بالسيادة، واعتقادها بأن البروتوكول يمنح الوكالة حق التفتيش في أي مكان داخل البلاد، رغم أن الوكالة يمكنها تفتيش أي منشأة إلا إذا توافرت لديها معلومات قوية تشير إلى نشاط نووي مريب.
وأوضح موقع "جست سكيورتي" أن رفض الحكومة السعودية التوقيع على البروتوكول الإضافي سيعقّد عملية مراجعة الكونغرس.
فقد تضمّن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020 بندًا يقيّد قدرة الرئيس على تقديم "بيان تقييم منع الانتشار النووي" مع أي دولة لم توقّع وتنفّذ البروتوكول الإضافي.
ويُعد البيان جزءًا أساسيًا من عملية مراجعة الكونغرس، إذ يقدّم معلومات مفصلة، سرية وغير سرية، بشأن كيفية امتثال اتفاقية 123 لمعايير عدم الانتشار المنصوص عليها في قانون الطاقة الذرية، وإذا لم يتمكن الرئيس من تقديم البيان إلى الكونغرس، فلا يمكن لعملية المراجعة أن تتقدم.
ومع هذا، يتضمن القانون بندًا يسمح بالإعفاء، إذ يمكن تقديم اتفاقية 123 بعد 90 يومًا من تقديم الرئيس تقريرًا إلى الكونغرس "يصف الكيفية التي ستعزز بها الاتفاقية مصالح الأمن القومي والدفاع للولايات المتحدة، ولن تسهم في انتشار الأسلحة النووية".
منح السعودية إعفاءًا
وقد أُبلغ كاتب التقرير "لويل هـ. شوارتز" في موقع "جست سكيورتي"، بأن إعفاءً قد قُدّم إلى اللجان المختصة في الكونغرس، رغم أنه لم يُعلن للعلن، وقد يفسّر ذلك جزئيًا سبب عدم توقيع اتفاقية 123 خلال زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة.
وتعهد هذه هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها مسار الإعفاء، إذ إن كل دولة أبرمت معها الولايات المتحدة اتفاقية 123 منذ عام 2020 كانت من الدول الموقعة على البروتوكول الإضافي.
في نهاية المطاف، سيتعين على الكونغرس أن يقرر ما إذا كان يعتقد أن برنامجًا نوويًا سعوديًا غير مقيّد بالبروتوكول الإضافي يصب بالفعل في مصلحة الأمن القومي والدفاع للولايات المتحدة، وما إذا كانت هناك ضمانات كافية لمنع أي مساهمة في الانتشار النووي.
وقد يكون أحد الخيارات البديلة المحتملة هو ترتيب ثنائي للضمانات بين الولايات المتحدة والمملكة بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأمل هو أن يوفر مثل هذا الترتيب للوكالة ضمانات وتدابير تحقق إضافية تعكس تلك الواردة في البروتوكول الإضافي.
وينبغي أن تسمح هذه التدابير للوكالة بالتحقيق في الأنشطة النووية غير المعلنة، مع معالجة المخاوف السعودية بشأن حق المفتشين في زيارة مواقع حكومية أو ثقافية حساسة، ومن المرجح أن يحتاج مثل هذا الاتفاق إلى موافقة مجلس محافظي الوكالة.
ولذلك على الكونغرس أن يضمن حصوله على فرصة لتحليل أي ترتيبات ثنائية للضمانات تم التوصل إليها مع السعودية خلال مراجعته لاتفاقية 123.
يقول موقع "جست سكيورتي" إن على الكونغرس الأخذ بالاعتبار الفوائد التجارية والدبلوماسية التي قد تجنيها الولايات المتحدة من إبرام اتفاق للتعاون النووي المدني مع المملكة.
وهذه الفوائد ليست جزءًا مباشرًا من معايير تقييم اتفاقية 123، حيث ستلعب الولايات المتحدة في اغلب السيناريوهات دورًا رئيسيًا في بناء المفاعلين النوويين اللذين تتلقى السعودية عروضًا بشأنهما حاليًا، كما ستكون المزوّد المفضل لأي مفاعلات نووية صغيرة قد تطلبها المملكة.
وفي حالة الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، فمن الضروري أن يقوم الكونغرس بدوره في المراجعة والرقابة، وينبغي للكونغرس أن يقيّم بعناية ما إذا كانت اتفاقية 123 التي وقّعتها إدارة ترامب مع السعودية قد حققت أعلى مستوى ممكن من معايير عدم الانتشار.
تساؤلات عن الأسباب؟
يختتم موقع "جست سكيورتي" تقريره بجملة من التساؤلات، ومنها سبب استثناء السعودية من الشرط الخاص بامتلاك القدرة على التخصيب وإعادة المعالجة على خلاف تلك الاتفاقية الموقعة مع الإمارات.
كما تطرق إلى التدابير الإضافية للضمانات والتحقق التي تم تضمينها في الاتفاق الثنائي الموقع مع السعودية من ناحية منع الانتشار، مثل منشآت التخصيب، ومواقع تصنيع الوقود، ومنشآت إعادة المعالجة، متسائلاً كيف يمكن مقارنة هذه التدابير بما هو وارد في اتفاقية بروتوكول إضافي قياسية؟
وأشار أيضا إلى أن ورقة المعلومات التي وقّعها الرئيس ترامب وولي العهد السعودي نصّت على أن الشركات الأمريكية "ستكون الشريك المفضل للمملكة في التعاون النووي المدني".
فهل يعني ذلك أن شركة أمريكية هي من ستتولى بناء المفاعلين النوويين الأولين اللذين تتلقى المملكة عروضًا بشأنهما؟، وهل ستقوم السعودية، في إطار هذه الاتفاقية، بشراء مفاعلات أميركية صغيرة معيارية؟.