تقدمت مؤسسة “هيومينا” الحقوقية
تقريرا مطولا بوصفه قراءة توثيقية وتحليلية شاملة لمسار تقييد الفضاء المدني في
مصر خلال الفترة الممتدة من 3 تموز/يوليو 2013 وحتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، معتبرا أن ما جرى لم يكن نتيجة قرار واحد أو حدث منفرد، بل عملية تراكمية متدرجة أعادت تشكيل شروط المشاركة العامة عاما بعد عام.
ويرى التقرير أن “إغلاق الفضاء العام” في مصر لا يمكن فهمه بوصفه موجة قرارات متفرقة، بل مسارا “مهندسا” جرى بناؤه عبر سياسات متداخلة أثرت مباشرة على حرية التعبير، والحق في التجمع السلمي، وحرية التنظيم وتكوين الجمعيات، وصولا إلى تقويض القدرة على التأثير في الشأن العام.
الفضاء المدني.. “مجال عالي الكلفة”
ينطلق التقرير من فرضية مفادها أن تقييد الحقوق الأساسية لا يطال فئات محددة فقط، بل يترك أثرا ممتدا على المجتمع بأكمله، عبر إعادة تعريف حدود “المسموح” عمليا، وتحويل المشاركة العامة إلى مجال شديد الكلفة، سواء عبر المخاطر القانونية، أو الاستنزاف الإجرائي، أو القيود الإدارية، أو الرقابة الرقمية.
ويؤكد التقرير أن فهم ما جرى في مصر خلال السنوات الممتدة من 2013 إلى 2025 يتطلب النظر إلى العلاقة بين النصوص القانونية والممارسات اليومية، وبين أدوات الضبط المادية والرقمية، وبين القيود العلنية وتلك التي تنتج أثرها عبر مسارات طويلة.
التشريعات.. حجر الأساس في التقليص
على مستوى البيئة التشريعية، يخلص التقرير إلى أن القوانين لعبت دورا محوريا في تقليص مساحة الفضاء المدني بعد 2013، حيث شكلت حزمة من التشريعات إطارا حاكما لإعادة تعريف ما هو مشروع وما هو مجرّم داخل المجال العام.
ويضع التقرير في مقدمة هذه التشريعات قانون تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية رقم 107 لسنة 2013، المعروف إعلاميا بـ”قانون التظاهر”، والذي وصفه التقرير بأنه يفرض قيودا تعسفية على الحق في التجمع والتظاهر السلمي، مشيرا إلى أنه بموجبه “اعتقل مئات المتظاهرين بحجة عدم الحصول على تصريحات من الجهات الأمنية”.
كما يرصد التقرير دور قوانين أخرى في إحكام القبضة، أبرزها:
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
- تشريعات تنظيم العمل الأهلي.
- مجموعة قوانين مكافحة الإرهاب.
ويرى التقرير أن هذه الأطر القانونية استخدمت بصورة تعسفية لتقييد الحقوق والحريات الأساسية، وأفرغت الضمانات الدستورية من مضمونها في التطبيق، فضلا عن تعارضها مع التزامات مصر الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
دستور 2014.. مكاسب على الورق
ويعود التقرير إلى أبرز تغيير تشريعي في ظل النظام الحالي، وهو صدور دستور 2014 في نسختيه الأولى والمعدلة، حيث تضمن – وفق التقرير – مكتسبات عدة، منها الاعتراف بحق تأسيس الجمعيات بالإخطار، وحرية تكوينها وإدارتها، وإقرار الحق في تداول المعلومات، وحرية التعبير، وحظر الرقابة على الصحف.
لكن التقرير يؤكد أن الدستور لم يخل من “ثغرات ومشكلات”، على رأسها عدم حظر المحاكمات العسكرية للمدنيين.
ويتناول التقرير كذلك التعديلات الدستورية اللاحقة التي اعتبر أنها “عصفت بما تبقى من استقلال
القضاء”، عبر منح رئيس الجمهورية حق تعيين رؤساء الهيئات القضائية، والتحكم في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة تنظيم الانتخابات، إلى جانب تعزيز امتيازات المؤسسة العسكرية وتوسيع هيمنتها على السلطات المدنية.
الإعلام.. والسيطرة على المحتوى
على صعيد الحريات الصحفية والإعلامية، يرصد التقرير تحولات بنيوية في خريطة ملكية وسائل الإعلام الرئيسية، إذ أصبحت – بحسب ما ورد – “مملوكة أو خاضعة بشكل مباشر لأجهزة أمنية، أو لمقربين منها”، عبر عمليات شراء نفذتها شركات مرتبطة بالأجهزة أو بشخصيات مقربة من النظام السياسي.
ويؤكد التقرير أن هذه التحولات انعكست بشكل مباشر على استقلالية المحتوى وعلى شروط العمل الصحفي.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن المنصات التي حاولت الحفاظ على استقلاليتها تعرضت لاستهدافات متكررة، شملت حجب مواقع مثل “مدى مصر” و”المنصة”، إضافة إلى ملاحقات قضائية وعمليات توقيف وحبس لصحافيين وقيادات في هذه المنصات، وصلت في بعض الحالات إلى سنوات.
ويضع التقرير هذا كله ضمن سياق أوسع من الضبط المؤسسي للمجال الإعلامي، بما انعكس على الحق في تداول المعلومات وعلى قدرة الجمهور على الوصول إلى تغطيات مستقلة ومتنوعة.
"من ضبط المحتوى إلى ضبط الأشخاص"
ويخصص التقرير مساحة واسعة للفضاء الرقمي باعتباره جزءا لا ينفصل عن منظومة التقييد، موضحا أن السيطرة على ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتخذت شكلا ممنهجا عبر تعقب وحبس أشخاص على خلفية محتوى يتضمن انتقادا لأداء السلطات.
كما يتوقف التقرير عند أنماط تدخل مباشر في الحياة اليومية، من بينها استيقاف مواطنين وتفتيش هواتفهم في الشارع بحثا عما ينشر أو يتبادل من رسائل، معتبرا أن ذلك شكل انتقالا “من مراقبة الفضاء العام إلى مراقبة أدوات التواصل نفسها”، بما يمس حرية التعبير والخصوصية وسلامة التواصل.
"السيطرة المادية على المجال العام"
أما على مستوى التجمع السلمي والاحتجاج، فيخلص التقرير إلى أن السلطات أحكمت السيطرة على المجال العام ماديا عبر قمع أشكال الاحتجاج السلمي، وملاحقة المشاركين أو الداعين إليه.
ويشير التقرير إلى حبس مئات الأشخاص لسنوات بتهم مرتبطة بممارسة الحق في التظاهر السلمي أو حتى الدعوة إليه، ضمن مسار يهدف – وفق التقرير – إلى تقليص إمكانية التجمع والتنظيم والحضور العلني، بما يضعف قدرة الفاعلين على بناء تضامن وحشد سلمي وعلى التعبير الجماعي داخل المجال العام.
الانتخابات.. تدخلات لضمان مخرجات بعينها
ويتناول التقرير المشاركة السياسية والانتخابات بوصفها ساحة مركزية من ساحات الفضاء المدني، مؤكدا أن العمليات الانتخابية خلال السنوات الماضية شهدت تدخلات متعددة لضمان مخرجات محددة.
ويعدد التقرير صورا لهذه التدخلات، مثل: شراء الأصوات، وعرقلة ترشح أشخاص بعينهم، وحبس كوادر أحزاب وحركات سياسية، وإجهاض محاولات تشكيل تحالفات انتخابية، والتلاعب بنتائج العمليات الانتخابية.
ويرى التقرير أن هذه الممارسات ليست حالات منفصلة، بل جزء من بيئة أوسع تضعف التنافسية وتحد من فرص وصول صوت معارض جاد إلى مواقع التمثيل، وتعيد إنتاج الحياة السياسية داخل “حدود مرسومة سلفا”.
التنظيمات السلمية.. تعطيل عبر القانون
وفي ما يتعلق بالتنظيمات السلمية، يرصد التقرير قيودا وتدخلات طالت أحزابا وحركات اجتماعية ونقابات وجمعيات، سواء عبر تعقيد إجراءات التسجيل واكتساب الشخصية القانونية، أو عبر التدخل في الأنشطة، أو التحكم في البنى الداخلية لبعض الكيانات.
ويشير التقرير إلى نماذج من ذلك عبر التأثير في الانتخابات الداخلية لعدد من النقابات وتمكين أطراف بعينها من الوصول إلى مواقع القرار، معتبرا أن القيود هنا لم تكن عبر المنع المباشر فقط، بل عبر إعادة تشكيل شروط الوجود القانوني والاستمرارية، بما يجعل التنظيم السلمي “هشا وقابلا للتعطيل في أي لحظة”.
المدافعون عن حقوق الإنسان..مستهدفون
ويخصص التقرير اهتماما خاصا للمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضا للتقييد والاستهداف خلال الفترة المشمولة بالتقرير.
ويرصد التقرير ملاحقات قضائية طالت منظمات وقادة بارزين، وأحكاما غيابية بالحبس في بعض القضايا، إلى جانب إجراءات إدارية وقضائية تمثلت في المنع التعسفي من السفر، وتجميد الأموال، والإدراج على قوائم الإرهاب بقرارات قضائية، فضلا عن الحبس لفترات متفاوتة على خلفية اتهامات “فضفاضة”.
ويشير التقرير إلى أن السبب الجوهري في حالات عديدة كان مرتبطا بالنشاط الحقوقي نفسه والدفاع عن الحقوق الأساسية، كما يتناول ما يصفه بـ”قمع عابر للحدود” استهدف فاعلين خارج البلاد، ضمن منطق يوسع دائرة الاستهداف لتشمل المجال العام في المنفى والشتات.
ويقدم التقرير تفكيكا لأنماط متكررة في إدارة الفضاء العام خلال 2013–2025، من بينها:
- الردع قبل المنع عبر مسارات ممتدة من الإجراءات بدل قرار واحد.
- الزمن كأداة استنزاف من خلال إطالة التحقيقات والمسارات القضائية.
- الامتداد الرقمي للقيد عبر المراقبة والحجب والملاحقات.
ويؤكد التقرير أن هذه الأنماط لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتراكم وتتداخل حتى تصبح القيود “قاعدة تشغيل مستقرة” للمجال العام، لا استثناء.
الفضاء المدني “مقيّد بشكل كبير”
وخلصت “هيومينا” إلى أن “الفضاء المدني في مصر مقيّد بشكل كبير”، بما يعني تقييد قدرة المواطنين والمواطنات على المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتقليص قدرتهم على التأثير في عمليات اتخاذ القرار وتشكيل السياسات العامة.
ويشير التقرير إلى أن السلطة عززت حضورها الرقابي والقمعي في العالم الافتراضي كما على الأرض، وربما بشكل أكبر، متوقعا ألا يتغير الوضع الحالي للفضاء المدني في المستقبل القريب.
ومع ذلك، ينقل التقرير تأكيدا مفاده أنه “برغم كل ما سبق لا تزال هناك أصوات فردية وجماعية تناضل من أجل انتزاع مساحات للحديث والتأثير واستعادة حرية الفضاء المدني من جديد ولو بشكل جزئي”.
وفي الختام، أوصت “هيومينا” السلطات المعنية والشركاء الدوليين والجهات الدولية ذات الصلة بـ”دعم مقاربات أكثر جدية وقابلية للقياس في التعامل مع وضع الفضاء المدني في مصر”، وربط الشراكات والسياسات بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وبضمانات حماية المدافعين عن الحقوق، وبمتطلبات حرية العمل المدني المستقل.
كما شددت التوصيات على ضرورة “إزالة القيود التشريعية والإجرائية التي تقوض الحقوق الأساسية، ووقف الانتهاكات التي تطال الفاعلين السلميين، ومحاسبة المتورطين في هذه الانتهاكات”، بما يسمح بإعادة فتح الفضاء المدني واستعادته باعتباره مساحة حراك وتأثير للمواطنين وجماعاتهم الديمقراطية.