لم يدرك عضو "
الحزب الجيد" المعارض محمد أمين
كوركماز، أن الأوضاع والمزاج العام في
تركيا قد تغير ولم يعد هناك ترحيب بمن يسخر ويتنمر ضد النساء التركيات، إلا بعد فوات الأوان، حيث أحيل إلى التحقيق وطُرد من الحزب بتهمة "تحريض الجمهور على الكراهية والعداء".
كوركماز أثار غضباً عارماً على المستويين الشعبي والسياسي تضامناً مع رئيسة بلدية "ميهالغازي" في ولاية إسكي شهير،
زينب غونيش، عقب تدوينة وُصفت بالمسيئة، نشرها على حسابه بمنصة "إكس" سخر فيها من زيها التقليدي "الشلوار" ومن مكانتها السياسية.
كوركماز وعبر حساب يحمل اسم "MEKorkmazTR"، أرفق مع صورة نشرها لغونيش تعليقًا، جاء فيه: "هل مهمة هذه المرأة التي ترتدي السروال التقليدي هي إدارة مديرية، أم حلب الأبقار في حظيرتها؟.. يبدو أنها أخطأت المكان!".
الحجاب والسراويل الفضفاضة من ثقافات التركيات خلال حرب الاستقلال
على إثر ذلك، دعا الرئيس
أردوغان "زينب غونيش" لحضور اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان حيث جلس بجوارها تعبيرًا عن دعمه لها، ورداً لاعتبارها بعد تعرضها للهجوم من عضو في الحزب المعارض.
وخلال كلمة له، قال أردوغان: أتقدّم بالشكر الجزيل لجميع أخواتي، ولا سيما رئيسة بلدية منطقتنا زينب غونيش، التي حضرت من إسكي شهير، مرتديةً الحجاب الأبيض والسراويل الفضفاضة، تمامًا كما كنّ يفعلن خلال حرب استقلالنا قبل قرن من الزمان".
وأضاف: "أُعرب لهنّ عن امتناني العميق لموقفهنّ الوقور، الذي يعكس نُبل المرأة الأناضولية العريق. واليوم، أُدين مجدداً هذه العقلية الفاشية المتعجرفة والمتغطرسة والدنيئة، وهي من مخلفات أحداث 28 شباط/فبراير".
كما أكد أردوغان "مواصلة النضال حتى النهاية، ضد أولئك الذين اغتصبوا لسنوات حق المرأة في التعليم، والعمل في القطاع العام، والترشح للانتخابات، لمجرد ارتدائها الحجاب"، وأضاف: "لم ولن نتسامح مع عقلية قمعية في هذا البلد".
,لم يقتصر رد الفعل على المستوى الرسمي، حيث انفجرت موجة استنكار واسعة، واعتبر كثيرون الإساءة لزينب نموذجاً لخطاب الكراهية والتمييز على أساس المظهر والانتماء الديني والاجتماعي، وعبر منصات التواصل، انطلقت حملة تضامن رُفعت خلالها شعارات الدفاع عن كرامة المرأة والهوية التركية.
وأكدت تصريحات مسؤولين وشخصيات حزبية أن زمن التشكيك في أهلية النساء لمجرد ارتداء زي تقليدي أو ملتزم قد ولّى، وأن المعيار الوحيد للحكم على أي مسؤول يجب أن يكون أداءه وخدماته لا مظهره.
دعوة لجعل اللباس والهيئة حقًا دستوريًا
أما زينب غونيش، فقالت خلال مقابلة مع قناة محلية إن "التعرض للإهانة بهذه الطريقة أمر محزن للغاية"، مؤكدة أن أكثر ما آلمها لم يكن الاستهداف السياسي، بل اللحظة التي وجدت فيها ابنها هو من يواسيها.
ولم تتمكن "غونيش" من حبس دموعها أثناء حديثها، حيث وجهت رسالة إلى المسؤولين قائلة: "لهذا السبب، أعطونا حقوقنا الدستورية يا سيادة الرئيس، يجب أن يصبح اللباس والهيئة حقًا دستوريًا في هذا البلد، ويجب الانتقال إلى الدستور المدني في أقرب وقت ممكن".
وأضافت أن ما حدث يتجاوز شخصها، معتبرة أن الهجوم على اللباس هو مساس مباشر بالكرامة والحرية الشخصية، مشددة على ضرورة حماية هذا الحق بشكل واضح وصريح.
طرد من الحزب وإلقاء قبض
من جانبه، أعلن المتحدث باسم الحزب الجيد، بوغرا كافونجو، أن محمد كوركماز الذي استهدف رئيسة بلدية ميهالغازي زينب غونيش من خلال ملابسها قد طُرد من الحزب، وتحت وطأة الانتقادات والحملة المتصاعدة ضده، أغلق كوركماز حسابه على منصة "إكس" في محاولة للهروب من موجة الغضب العام.
وفي السياق، تحركت السلطات القضائية سريعًا، حيث أعلن وزير العدل يلماز تونج أن مكتب المدعي العام في إسكي شهير فتح تحقيقًا فوريًا مع كوركماز بموجب المادة 216 من قانون العقوبات التركي، الخاصة بالتحريض على الكراهية والعداء.
كما أكد الوزير إلقاء القبض على المشتبه به، مشددًا على أن "هذا الخطاب التمييزي الذي يمس شرف المرأة ومعتقداتها سيواجه عواقب وخيمة أمام القانون"، في رسالة واضحة بأن حرية التعبير لا تبرر خطاب الكراهية.
ما قصة حظر الحجاب؟
بدأت مشكلة الحجاب لأول مرة في تاريخ تركيا في عهد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، حيث أُدرجت ضمن سلسلة من المحظورات، بيد أن حظر الحجاب لم يتحول إلى قانون سارٍ إلا عقب انقلاب الجنرال كنعان إيفرين عام 1980، حيث شمل منع المحجبات من العمل في مؤسسات الدولة والدخول إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية.
وبين عامي 1989 و1990، حاولت حكومة تورغوت أوزال أن توسع دائرة الحريات في البلاد بما يشمل حرية ارتداء الحجاب في الدوائر الحكومية والجامعات، وذلك بتعديل اللوائح والقوانين، ولكن المحكمة الدستورية ألغت تلك التعديلات بطلب من أحزاب المعارضة اليسارية.
وبعد أحداث 28 شباط/فبراير 1997 التي أجبرت رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان على الاستقالة، وتبعها جملة من الإجراءات شملت تشديد حظر الحجاب، حتى شهدت قبة البرلمان طرد النائبة الشهيرة مروة قاوقجي عام 1999 بسبب حجابها.
العدالة والتنمية والوعد الانتخابي
عاد جدل الحجاب إلى المشهد السياسي في تركيا مع تسنّم حزب العدالة والتنمية السلطة في 2002، لا سيما أن حل هذه المشكلة كان على قائمة الوعود الانتخابية للحزب، إلا أنه لم يتمكن من اتخاذ أي خطوة في البداية.
وبدأ حزب العدالة والتنمية عام 2008 أولى محاولاته، عندما تمكن بالاتفاق مع حزب الحركة القومية من تمرير تعديل بندين في قانون الخدمة المدنية ينظم عمل الموظفين لضمان حرية ارتداء الحجاب في الدوائر الحكومية بشكل عام؛ ولكن المحكمة الدستورية ألغت مجددًا التعديلات بطلب من المعارضة.
وعام 2010، أصدر رئيس مجلس التعليم العالي يوسف ضياء أوزجان قرارًا يمنع أساتذة الجامعات من طرد المحجبات من قاعات الجامعات، واللافت أن ردود فعل أحزاب المعارضة على التعميم لم تسجل اعتراضًا على غير المعتاد.
وفي عام 2013، أقر حزب العدالة والتنمية الحاكم حزمة من التعديلات والقوانين الهادفة لتوسيع الديمقراطية، وشملت حرية ارتداء الحجاب وحقوق الأقليات، وتعديل القوانين الانتخابية والجنائية.
وفي الـ8 من تشرين الأول/أكتوبر 2013 ألغت تركيا حظر ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة ما عدا القضاء أو الجيش، منهية بذلك حظرًا دام نحو 90 عامًا، وفي 27 آب/أغسطس 2016 قررت الحكومة السماح للشرطيات بارتداء الحجاب الإسلامي تحت غطاء الرأس الرسمي، على أن يكون من نفس لون البدلة ولا يحتوي على أي نقوش.