أمين حسن عمر لـ"عربي21": أي هدنة مع "الدعم السريع" ستؤدي لتقسيم السودان

الجيش السوداني رفض إعلان هدنة مع "الدعم السريع"- إكس
قال مستشار الرئيس السوداني السابق عمر البشير والقيادي البارز في "التيار الإسلامي العريض"، الدكتور أمين حسن عمر، إن "اتهام التيار الإسلامي بعرقلة الهدنة الإنسانية يتجاهل حقيقة أن هذا الموقف يتطابق مع موقف غالبية الشعب السوداني، الذي يرى في الهدنة المطروحة قبلة حياة لمليشيا الدعم السريع المهزومة".

وحذّر عمر، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، من أن "أي وقف لإطلاق النار بشكل غير مشروط سيفتح الباب عمليا لتقسيم البلاد، كما حدث في تجارب إقليمية سابقة لم تنجح الضمانات الدولية في منع تكريسها على الأرض".

وأضاف أن "الادعاءات بشأن سيطرة الإسلاميين على الجيش السوداني تفتقر تماما إلى المصداقية"، موضحا أن "الجيش مؤسسة وطنية، وأن تدين أفراده لا يعني خضوعهم لتنظيم سياسي، كما أن التيار الإسلامي اليوم ليس سلطة فوق المجتمع، بل مكوّن شعبي يعكس الهوية الدينية والثقافية لغالبية السودانيين، ولا يفرض وصايته على المؤسسة العسكرية أو قرارها الوطني".

وأكد عمر أن "مواقف الرباعية الدولية المعادية للتيار الإسلامي ليست جديدة، ولن تؤثر على علاقته بالشعب السوداني أو على موقفه من الحرب"، لافتا إلى أن "إنهاء الحرب يمر عبر هزيمة المليشيا لا عبر هدنة تُعيد إنتاج الأزمة".

وشدّد مستشار الرئيس السوداني السابق، على أن "السودان يتجه، رغم التضحيات، نحو نصر يحققه الجيش بدعم شعبي واسع، يعقبه مسار إعمار وسيادة لا يقبل التبعية أو التقسيم".


وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

هل تُمثّل التطورات الأخيرة التي جرت في مدينة الفاشر وغيرها تحوّلا في ميزان القوى داخل البلاد؟

إن استيلاء المليشيا على مدينة الفاشر، بعد حصار طويل ومقاومة باسلة امتدت لنحو ثلاثين شهرا، يُعدّ أمرا مؤسفا بلا شك، لكنه لم يُحدث تغييرا حقيقيا في ميزان القوى العسكرية؛ فمدينة الفاشر، التي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، شكّلت تحديا لوجستيا بالغ الصعوبة للجيش، نظرا لقربها من خطوط إمداد المليشيا عبر تشاد والحدود الليبية، في مقابل بُعدها الشديد عن خطوط إمداد الجيش.

وقد ظل الجيش يعتمد على الإمداد الجوي لفترة طويلة، إلى أن حصلت المليشيا - عبر وكلائها الإقليميين - على أجهزة رصد ودفاع جوي عطّلت فعليا حركة الطيران، ما أدى إلى خنق المدينة وإدخالها في مجاعة قاسية، اضطر معها غالبية السكان إلى أكل "الأمباز" المُعدّ أصلا كعلف للحيوانات.

أمام هذا الواقع الإنساني والعسكري القاسي، لم يكن أمام القوات داخل المدينة سوى اتخاذ القرار الصعب بالانسحاب وإعادة التموضع خارجها. غير أن المليشيا، عقب إخلاء المدينة، ارتكبت فظائع ومذابح مروّعة جدا، كشفت للعالم طبيعتها العنصرية المتوحشة والإرهابية. ولئن ظنت هذه المليشيا أن استيلاءها على الفاشر يُمثّل نصرا، فإن ما جرى كان في الحقيقة لحظة كاشفة فتحت أعين كثيرين على إجرامها، وعلى إجرام شركائها الممولين والداعمين لها.

كيف تردون على الاتهامات المباشرة التي تقول إن التيار الإسلامي - أو بعض أجنحته - بات "العقبة الكؤود" أمام إقرار هدنة إنسانية ووقف الحرب في السودان؟

التيار الإسلامي يرفض الهدنة التي تقترحها "الرباعية الدولية"، وهو موقف يتطابق إلى حدّ كبير مع موقف السواد الأعظم من الشعب السوداني، الذي لا يرى في هذه الهدنة سوى "قبلة حياة" لمليشيا مهزومة، ويُدرك الشعب السوداني جيدا أن أي هدنة من هذا النوع ستقود عمليا إلى تقسيم البلاد على أرض الواقع، عبر فصل إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان إلى الأبد.

ولا يقتنع السودانيون بتطمينات "الرباعية" أو غيرها بأنها لا تعترف – ولن تعترف – بهذا التقسيم؛ إذ يرون بأعينهم كيف تحوّل تقسيم ليبيا إلى واقع قائم، وقبله اليمن والصومال، بينما تعقد دول تتحدث عن "عدم الاعتراف بالكيانات الموازية" اتفاقيات وتقيم علاقات مع دويلة حفتر في شرق ليبيا، ومع دويلة "صوماليلاند".

وبلادنا، بإذن الله، لن تصبح دولةً مُقسّمة، ولن نسمح بذلك أبدا مهما حدث، ولن نقبل بضمانات لا تتجاوز كونها كلمات دبلوماسية عابرة، يطلقها دبلوماسيون من هنا وهناك، ثم تُنسى مع أول اختبار حقيقي.

لكن ماذا عن معاناة أهل السودان؟

كل حرب تنطوي بطبيعتها على معاناة، ولا أحد يستخف مطلقا بمعاناة الناس أو يقلل من حجمها، غير أن المفاضلة تصبح مطروحة عندما يكون البديل معاناة أشد؛ إذ يُضطر المرء حينها إلى اختيار أهون الشرّين، وفي هذا السياق تُعدّ الحرب أهون الشرّين.

فأي توقف أو تهدئة، مهما كانت دوافعها، من شأنها أن تعيد إشعال الحرب مُجددا، طالما أن الأسباب الخارجية التي تغذيها ما تزال قائمة، وكذلك الأسباب الداخلية، في ظل وجود قوة غير نظامية تتسم بالفوضوية وتمارس الإرهاب. لذلك، لا يراهن كثيرون على أن هدنة أو تفاهم مؤقت يمكن أن يقود إلى استقرار حقيقي أو يضع حدا للمعاناة.

قد يكون هذا تقديرا سياسيا، لكن استطلاع آراء غالبية الشعب السوداني يكشف عن قناعة مماثلة، وهو ما يفسر تساؤل البعض عن سبب وجود تأييد شعبي لاستمرار الحرب رغم قسوتها؛ إذ ترى قطاعات واسعة من الناس أن البديل ينطوي على مخاطر أشد.

كيف ترى قول البعض بأن الإسلاميين يسيطرون على الجيش السوداني؟

يقصدون بذلك الزعم بوجود ضباط إسلاميين يعملون في الخفاء ويديرون الجيش، ومن ثم يخلصون إلى اعتبار المؤسسة العسكرية بأكملها ذات طابع إسلامي، وأنها صنيعة نظام الإنقاذ، غير أن هذا الطرح يفتقر تماما إلى الدقة، ولا يستند إلى أسس واقعية، بل إن ذلك كلام فارغ من أي أساس.

هؤلاء يزعمون أن الجيش "إسلامي"، وهذا خطأ وكذب فج؛ فالجيش ليس إسلاميا. كون أن أغلب الجيش مسلم ومتدين لا يعني أنه جزء من منظومة إسلامية. في الماضي كان الجيش معروفا بالفوضى وشرب الخمر، ثم تغير هذا، وأنا دائما أقول إن هذا التغيير قادته الحركة الإسلامية منذ 1976 في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري، حيث مُنع الخمر، وأُنشئت المساجد في سكنات الجيش، وتغير الشعار، وفُرضت دورات تثقيفية.

لكن وجود ضباط متدينين لا يعني أنهم جزء من تنظيم، ومَن يقول هذا متخلف في متابعة المراحل، ونحن تجاوزنا مرحلة التمسك باللافتات والعناوين. الحركة الإسلامية الآن تيار ضمن الشعب السوداني، والشعب السوداني مسلم بطبيعته.

برأيكم، هل أخطأت "الرباعية الدولية" عندما وجّهت بيانها اتهامات مباشرة إلى تيار الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في السودان وسمّتهم بالاسم؟ وما دلالة هذا التوصيف على قراءة القوى الدولية لخريطة الفاعلين في الداخل السوداني؟

الرباعية لم تُخطئ في إعلان موقفها المعادي للتيار الإسلامي؛ فهي تدرك جيدا أننا نعرف موقفها المسبق من هذا التيار، بسبب عدم مسايرته لاتجاهات التبعية والتطبيع المفروضة في المنطقة.

ومواقف دول الرباعية ليست جديدة ولا مجهولة، ولو لم تُعلنها صراحة لقرأناها بوضوح بين السطور.

غير أن هذا الموقف لن يغيّر شيئا من واقع علاقتنا المتينة بشعبنا، ولن يمسّ رصيدنا الراسخ في وجدان السودانيين؛ فهذه المواقف ليست جديدة علينا، ولا تثير فينا خوفا أو ارتباكا، ونحن راسخون في ركن ركين من شعبنا، وواثقون في ربنا، وفي أنفسنا، لا يهزّنا إرجاف ولا ترهيب.

في ضوء الانتقادات الدولية الصريحة لدور بعض الإسلاميين في تغذية الحرب، هل لدى التيار خطة لإعادة بناء علاقته مع المجتمع الدولي أم ما زال يفضّل الاحتماء بخطاب "المؤامرة" ورفض الضغوط الخارجية؟

الاتهامات الصادرة عمّن يُسمّون أنفسهم "المجتمع الدولي" – وهم في حقيقتهم تحالف استكباري معاد لشعوبنا – لا تعنينا في شيء. أما مسألة تسعير الحرب، فهم يعرفون تماما مَن أشعلها، ومَن لا يزال ينفخ في نارها.

وأما الحديث عن "نظرية المؤامرة"؛ فلم يعد ما يجري مؤامرة خفية حتى يُجادل حولها، بل هو مُخطط معلن وأحداث مؤسفة تراها كل عين بصيرة، ولا يعمى عنها إلا العملاء أو الجبناء.

إلى أي مدى يمسك التيار الإسلامي فعليا بمفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية؟ وهل يمكن الحديث عن "تحجيم" لخيارات الجيش في ملف الهدنة والسلام بسبب حسابات خاصة بالتيار الإسلامي؟

لا يحتاج التيار الإسلامي إلى فرض موقفه على الجيش في مسألة رفض الهدنة؛ فالجيش يرفضها من موقعه الوطني، ويرفضها معه الشعب الذي يناصره ويدعمه. ذلك أن الجميع يدرك أن الهدنة المطروحة ليست مسعى صادقا نحو سلام عزيز لأهل السودان، بل فخ دولي وإقليمي محبوك، يهدف إلى إنقاذ مليشيا منهزمة ومنحها فرصة لإعادة التقاط أنفاسها.

بعد ثلاثين عاما من حكم الحركة الإسلامية، يعيد البعض جذور الخلل البنيوي في الدولة السودانية إلى تلك المرحلة تحديدا.. فهل يملك التيار الإسلامي اليوم شجاعة الاعتراف بدوره في هذا الخلل وتقديم مراجعات فكرية وسياسية حقيقية؟

الحديث عن وجود خلل بنيوي في الدولة السودانية حديث صحيح في جوهره، غير أن هذا الخلل لم تُنشئه الحركة الإسلامية، بل صنعه الاستعمار منذ نشأة الدولة، عبر تجاهله لدين الشعب وثقافته وحقه في حرية قراره، ولا يزال الاستكبار العالمي يعمل على استدامته حتى اليوم.

فالخلل الحقيقي في الدولة السودانية، كما في كثير من الدول العربية والأفريقية والإسلامية، يتمثل في خلل الارتباط البنيوي بثقافة وسياسة واقتصاد ومعادلة استعمارية تسعى لإبقاء شعوبنا في حالة استتباع وخضوع. التيار الإسلامي رفض هذه المعادلة، وسيظل يرفضها ويقاومها، ولن يرى يوما أن غاية التعقّل هي القبول بأمر واقع بئيس يُراد له أن يستدام.

نعم، قد نخطئ في التقدير أو نقصر في العمل أثناء سيرنا في الاتجاه الصحيح الممانع والمقاوم، وهذا أمر نقرّ به ونراجعه مرة بعد أخرى؛ فنحن ننتمي إلى دين يعلّمنا أن محاسبة النفس على الخطأ والتقصير هدي قويم، ولم نكف يوما عن مراجعة المسيرة، وانتقاد أخطائها، وتصحيح مسارها نحو قبلة يرضاها شعبنا وربنا.

كيف يمكن للتيار الإسلامي أن يقدّم اليوم "رؤية للخروج من الحرب" لا "رؤية لاستمرارها"؟ وما الضمانات التي يمكن أن يقدّمها لبقية القوى السودانية بأن هذه الرؤية لن تكون غطاءً لإعادة إنتاج هيمنته السابقة؟

رؤيتنا لإنهاء الحرب واضحة لا لبس فيها: دحر المليشيا وهزيمة المقاصد التي تقف خلف استخدامها. أعجب ذلك من أعجبه، ولم يعجب مَن لم يعجبه، فذلك لا يعنينا. ما يعنينا هو الانحياز لإرادة الشعب السوداني في السيادة وحرية القرار.

أما الشق الثاني من السؤال، فلن أكرمه بإجابة.

في حال فُتح مسار سياسي جاد يفضي إلى انتخابات حرّة، هل يقبل التيار الإسلامي الدخول في هذا المسار وفق قواعد شفافة تتيح تداول السلطة فعليا أم ما زال هاجس "التمكين" هو المحدد الأساسي لسلوكه السياسي؟

التيار الإسلامي قبل دائما، وسيظل يقبل، بالانتخابات معيارا وحيدا لتولي الحكم. أما الحديث عن "التمكين" وكأن الإسلاميين حكموا بغير إرادة أو قبول من الشعب، فهو يعكس موقفا متحيزا أو خطابا ببغائيا يردد ما تروّجه وسائل إعلام معادية لا أكثر.


كيف تنظرون إلى شرط استبعاد الإسلاميين من المشهد السوداني؟

استبعاد الإسلاميين شرط غير قابل للتحقق مطلقا، ولذلك لا ننشغل به. هو كلام يُقال في الخارج، من الدوائر ذاتها التي اعتادت استبعاد أصوات الممانعة والمقاومة للتبعية والانصياع. لا يقلقنا هذا الخطاب، فهو غير قابل للتنفيذ، وإن أراد أصحابه تسلية أنفسهم بترديده، فلا نمانع.

من وجهة نظركم، هل يمكن معالجة الأزمة الواضحة بين الإمارات وتيار الإسلام السياسي في المنطقة والتي تنعكس بدورها على الأوضاع في السودان؟

لا توجد أزمة بالمعنى السياسي، وإنما يوجد استهداف. فإن كُفّ هذا الاستهداف، يمكن أن تستقيم العلاقة.

هل يمكن أن تنتهي الحرب قبل نهاية العام الجاري؟

الحديث عن موعد مُحدد لإنهاء الحرب ضرب من الهذيان. تنتهي الحرب عندما ييأس مَن أشعلها وسعّر نارها من تحقيق مقاصده. ونحن نقترب سريعا من سوقه إلى تلك اللحظة، في ظل تحولات إقليمية باتت عاملا مساعدا لم نكن نتوقعه، لكننا نحمد الله عليه.

وبلا شك ستشهد المرحلة المقبلة معارك، ولا يمكن الجزم بالمدة التي ستستغرقها؛ فلا يُتوقع أن تكون قصيرة كما يعتقد البعض، ولا طويلة بالقدر الذي يتصوره آخرون، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت قائما.

وتتمثل نقطة الضعف الأساسية لدى قوات الدعم السريع حاليا في فقدانها للتجانس؛ إذ بات جزء كبير من عناصرها يتكوّن من مرتزقة ينتمون إلى دول متعددة. كما أن التحالف القائم بين قوات عبد العزيز الحلو والميليشيا يواجه تعقيدات ومشكلات عميقة، إلى جانب صراعات قبلية معروفة بين بعض المكونات. ومن شأن هذا الواقع أن يقود، في مرحلة ما، إلى حالة من الانكسار.

ما فرص نجاح المبادرة السعودية - الأمريكية في وقف الحرب؟ وما موقفكم الرسمي منها؟

حتى هذه اللحظة، لم يُطرح حديث واضح عن مبادرة ثنائية متكاملة، وما يُتداول لا يخرج عن كونه تكرارا لطرح هدنة غير مشروطة. والأعجب أن يشترط متطفل لم تدعه أصلا ليكون وسيطا ألا يكون لك أي شروط فيما تقبل أو ترفض.

نحن لا تعنينا أقوال لا تحترم حقنا السيادي في القبول والرفض، ونتجاهلها فحسب.

إلى أين يتجه السودان في ظل التطورات الميدانية الراهنة؟

تتجه الأمور، بإذن الله، سواء تسارعت أو تباطأت، نحو نصر يحققه الجيش والشعب الذي يناصره، إما باستسلام المليشيا وكفّها عن العدوان وفق خارطة الطريق التي قدّمها السودان للأمم المتحدة، أو بإلزامها بذلك بالقوة الجبرية.

ومهما ظن بعض مَن تشربت نفوسهم روح الانهزام أن هذا طريق وعر؛ فنحن نراه طريق الكرامة والسيادة، ولا نرى طريقا آخر يفضي إليهما سواه.

السودان ماضٍ بقوة في معركة تحرير، وحتما سينتصر بإذن الله، بأقل الخسائر الممكنة، ثم تبدأ رحلة الإعمار، ونحن نؤكد أن الظروف العسكرية والإقليمية الآن لصالح الشعب السوداني مُمثل في جيشه والمقاومة الشعبية والقوات المشتركة.