ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن أجهزة الأمن
العراقية أبدت مخاوف متزايدة من عودة نشاط
تنظيم الدولة، في ظل التطورات المتسارعة في المشهد الأمني داخل
سوريا.
وأوضحت الصحيفة، في
تقرير ترجمته "عربي21"، أن رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري تحدث عن ارتفاع عدد مقاتلي تنظيم الدولة في سوريا خلال السنة الماضية من نحو 2000 مقاتل إلى 10 آلاف مقاتل.
ولفتت الصحيفة إلى أن هذا الرقم لم يتسن تأكيده من مصادر أخرى، من بينها
الجيش الأمريكي، بينما قدر تقرير صادر عن مجلس الأمن الدولي في آب/ أغسطس عدد عناصر التنظيم في سوريا والعراق مجتمعين بنحو 3000 مقاتل فقط، وهي زيادة أقل بكثير مما ذكره الشطري.
ويمثل هذا التطور بحسب الشطري خطرا مباشرا على العراق، فيما يعد تنظيم الدولة في أي مكان من العالم منظمة واحدة، وسيحاول إيجاد موطئ قدم جديد لتنفيذ هجمات.
وقال الشطري إن المسلحين الذين انضموا إلى تنظيم الدولة في سوريا خلال السنة الماضية شملوا رجالا كانوا متحالفين سابقا مع الشرع، قبل أن يعبروا عن استيائهم من توجهه السياسي، مضيفا أن التوترات تصاعدت أيضا بين المقاتلين الأجانب الذين كانوا ضمن قوات الشرع، مع تنفيذ القوات الحكومية اعتقالات في صفوفهم.
وبيّن الشطري أن تقديراته تشمل أيضا منشقين عن تنظيم الدولة قدموا من فصائل مسلحة أخرى مثل جبهة النصرة وأنصار السنة، من دون أن تشمل المتطرفين الذين ما زالوا موالين لتلك الجماعات. ولفت إلى أن التنظيم نجح كذلك في تجنيد أعداد كبيرة من أبناء القبائل العربية، خصوصا في المناطق السنية التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لسيطرة القوات الكردية.
وذكرت الصحيفة أن القيادة المركزية الأمريكية قدرت في عام 2024 وجود نحو 2500 مقاتل من تنظيم الدولة لا يزالون طلقاء في سوريا والعراق، من دون أن تصدر أي تحديثات لاحقة. وأضافت أن متحدثا باسم القيادة المركزية الأمريكية رفض التعليق على التقرير أو تقديم أرقام جديدة، كما امتنع مسؤول في وزارة الخارجية السورية عن التعليق على الأرقام التي طرحها الشطري.
وأوضحت الصحيفة أن هذه المخاوف تأتي في وقت غادرت فيه آخر القوات الأمريكية المتبقية قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار غربي العراق هذا الشهر، منهية انتشارا كان يركز على دعم القوات العراقية في مواجهة تنظيم الدولة.
وبعد التسليم الرسمي للقاعدة، بات الوجود الأمريكي محصورا في قاعدة أخرى بمدينة أربيل في إقليم كردستان شمالي العراق، على أن تنهي القوات مهمتها هناك بنهاية العام، استجابة لمطالب الحكومة العراقية.
وفي وقت سابق، زار الشطري دمشق ثلاث مرات خلال العام الماضي، بصفته المسؤول العراقي عن ملف الأمن السوري، لإجراء محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع.
وأسهمت التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا، حيث شنت القوات الحكومية السورية هجوما الأسبوع الماضي لاستعادة مناطق كانت تسيطر عليها القوات الكردية، في تصاعد القلق من تجدد تهديد تنظيم الدولة.
وأدت العمليات العسكرية إلى فوضى داخل سجون المنطقة التي كانت تضم آلافا من عناصر التنظيم، ما أتاح للمسلحين الفارين الهروب نحو الصحراء، ورغم اعتقال عدد منهم، سارعت الحكومة العراقية إلى نشر آلاف الجنود وعناصر الميليشيات لتعزيز حدودها مع سوريا.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التطورات أعادت إلى العراقيين ذكريات مؤلمة تعود إلى سنوات القتال ضد تنظيم الدولة قبل عقد من الزمن، كما منحت زخما إضافيا للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، التي شاركت سابقا في محاربة التنظيم، وذلك في وقت تتعرض فيه لضغوط أمريكية تطالب بنزع سلاحها.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية للعمليات العسكرية إن آخر عملية مشتركة ضد تنظيم الدولة في العراق نفذت في آذار/مارس، وأسفرت عن استهداف وقتل الرجل الثاني في التنظيم عبد الله مكي مصلح الرفاعي، المعروف باسم أبو خديجة، حيث جاءت العملية في سياق تكثيف الهجمات الأمريكية ضد مسلحي التنظيم عقب هجوم أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين وشرطي سوري.
أفادت الصحيفة بأن عددا قليلا من المسؤولين العراقيين يعتقدون أن تنظيم الدولة قادر على استعادة موطئ قدم مهم داخل البلاد، رغم القلق القائم.
ونقلت عن سعيد الجياشي، وهو مسؤول في مجلس الأمن القومي العراقي، قوله إن "القلق موجود بالتأكيد".
وأضاف أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أبلغ المسؤولين العراقيين خلال زيارة إلى بغداد في آذار/مارس من العام الماضي بأن عدد مسلحي تنظيم الدولة في سوريا ارتفع إلى نحو 5000، وذلك بعد أشهر من تولي الحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع السلطة عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وأضافت الصحيفة أن الحكومة العراقية عززت في الوقت نفسه دفاعاتها على امتداد الحدود الصحراوية مع سوريا، البالغ طولها 370 ميلا، وهي المناطق التي كانت تشهد تحركات سريعة لقوافل التنظيم بين الرقة السورية والموصل العراقية، وهما المدينتان اللتان شكلتا مركز الخلافة التي أعلنها التنظيم.
وأشارت إلى أن الحدود جرى تحصينها بحواجز خرسانية وخنادق وأسلاك شائكة، إضافة إلى مئات الكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة التي تنفذ دوريات مراقبة.
وفي محور آخر، أكدت الصحيفة أن التطورات في سوريا تثير قلق شريحة من العراقيين، في ظل اعتماد الحكومة العراقية على ميليشيات شيعية متحالفة مع إيران، كان عدد منها يدعم نظام الأسد قبل سقوطه.
وذكرت أن صعود الشرع، الذي أمضى سنوات في السجون العراقية بتهم تتعلق بالإرهاب، يثير مخاوف واسعة في الداخل العراقي.
ونقلت عن الشطري قوله إن العراق أقام "شراكة جيدة" مع قوات الأمن السورية في محاربة تنظيم الدولة، بينما أبدى مسؤولون أمنيون عراقيون آخرون تحفظات أعمق حيال الوضع.
وأفاد الجياشي بأن تراجع القوات الكردية في شمال شرق سوريا أمام تقدم القوات الحكومية يشكل "كارثة" للأمن العراقي وللرسائل الموجهة إلى شركاء الولايات المتحدة، لافتا إلى أن قوات سوريا الديمقراطية كانت قد تعاونت بشكل وثيق مع الجيش الأمريكي في هزيمة التنظيم، قبل أن تعلن إدارة ترامب توقف دعمها لها في مواجهتها مع الحكومة السورية.
ومع تصاعد الشكوك بشأن أمن السجون التي كانت خاضعة لسيطرة الأكراد في سوريا، وافق العراق الأسبوع الماضي على استقبال 7000 مقاتل من تنظيم الدولة كانوا محتجزين هناك، لمحاكمتهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب العراقية.
وذكرت أن العراق أعاد بالفعل أكثر من 20 ألفا من مواطنيه الذين كانوا محتجزين في سوريا، بمن فيهم أفراد عائلات مقاتلي التنظيم الذين اعتقلوا عند خسارة التنظيم آخر معاقله عام 2019.
وقال الشطري إن برنامج إعادة التأهيل الذي اعتمدته الحكومة العراقية حقق نجاحا إلى حد كبير، لكنه، شأنه شأن مسؤولين عراقيين آخرين، أعرب عن قلقه من تراجع تمويل برامج إعادة الإدماج، بعد أن خفضت إدارة ترامب المساعدات بشكل ملحوظ.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاضطرابات في سوريا والمخاوف المرتبطة بتنظيم الدولة تعقد أيضا جهود الحكومة العراقية للحد من نفوذ الجماعات المسلحة داخل البلاد، ومنها الميليشيات الموالية لإيران، كما تطالب بذلك إدارة ترامب. وذكرت أن هذه الميليشيات تشكل جزءا من قوات الحشد الشعبي، التي تضم نحو 200 ألف عنصر، وتأسست عام 2014 لمواجهة تقدم تنظيم الدولة.
ونقلت الصحيفة عن الشطري، الذي شغل سابقا منصب نائب رئيس الأمن الوطني وشارك في تنظيم الميليشيات لمحاربة التنظيم، قوله إن نزع سلاح الجماعات الخارجة عن سيطرة الدولة يمثل "الأولوية القصوى" لرئيس الوزراء الجديد.
وأضافت أن بعض الميليشيات أبدت استعدادها للتخلي عن أسلحتها المستقلة، في حين رفضت ميليشيات أخرى أكثر قربا من إيران هذا التوجه بشكل قاطع.
وسارعت الميليشيات خلال الأيام الأخيرة إلى التوجه نحو الحدود بالتزامن مع تعزيز الدولة العراقية انتشارها هناك.
ونقلت عن وسام الكعبي، المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء، قوله إن التطورات الأمنية في سوريا خففت من حدة الدعوات المطالبة بنزع سلاح الميليشيات، مؤكدا أن الحاجة إلى المقاومة وسلاحها باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.