مستشارة أوكرانية لـ"عربي21": زيلينسكي يمرّ بأصعب مرحلة سياسية منذ توليه السلطة

ميلا ميلينتشوك أكدت أن زيلينسكي مُحاصر بصراعات الداخل والغرب يتهيأ لتسوية لا تشبه وعود الحرب- مواقع التواصل
قالت المستشارة في البرلمان الأوكراني ورئيسة "لجنة حماية الدستور"، ميلا ميلينتشوك، إن بلادها تمرّ اليوم بـ "مرحلة سياسية شديدة التعقيد، تُعدّ الأخطر منذ اندلاع الحرب مع روسيا"، مشيرة إلى أن "الرئيس فولوديمير زيلينسكي يمرّ اليوم بأصعب مرحلة سياسية منذ توليه السلطة، خاصة أنه يواجه تآكلا داخليا في أدوات الحكم، وضغوطا خارجية متصاعدة، في ظل مشهد سياسي بات مفتوحا على صراعات نفوذ غير مسبوقة داخل مؤسسات الدولة نفسها".

وأضافت ميلينتشوك، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "الضغوط على الرئاسة الأوكرانية لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل تتراكم عبر مسارات متوازية تشمل فضائح فساد مرتبطة بآليات التصويت البرلماني، وما يُعرف بـ (فضيحة مينديتش)، إضافة إلى فقدان السيطرة الفعلية على البرلمان الأوكراني، مقابل صعود متسارع لدور الأجهزة الأمنية وهيئات إنفاذ القانون ومؤسسات مكافحة الفساد بوصفها لاعبين سياسيين لا مجرد أدوات قانونية.

وتعود قضية "مينديتش" إلى فضيحة سياسية كُشف عنها نهاية عام 2025، وارتبطت بانفجار فضيحة الفساد بشركة "إنيرغو آتوم" للطاقة (حكومية)، التي تتعلق بضلوع مسؤولين رفيعين، بمن فيهم وزراء وكبار رجال الأعمال ومسؤولين من فريق زيلينسكي وكبار المديرين بالشركة ذاتها، كانوا يتقاضون عمولات كبيرة غير مشروعة من أطراف متعاقدة مع الشركة.

واُتهم بعض المتورطين في القضية بتحصيل "منافع شخصية" من رجل الأعمال تيمور مينديتش الحليف الأهم للرئيس فولوديمير زيلينسكي، والمتهم بتدبير مخطط أدى إلى اختلاس 100 مليون دولار في قطاع الطاقة.

وأوضحت ميلينتشوك أن "الإشكالية الجوهرية تكمن في تحوّل المكتب الوطني لمكافحة الفساد من مؤسسة يُفترض أن تعمل وفق مبدأ الاستقلال والحياد، إلى عنصر نشط داخل معادلة التوازنات السياسية"، لافتة إلى أن "هذا المكتب بات، بحكم الواقع، يتقاطع في أدائه مع مصالح قوى معارضة وكتل برلمانية منفصلة، في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع مؤسسة الرئاسة".


فقدان الثقة بين الرئاسة والبرلمان

وكشفت ميلينتشوك أن "هذا التحول لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتاج مسار تراكمي من فقدان الثقة بين الرئاسة والبرلمان، تفاقم بعد ما عُرف بـ (ثورة الكرتون)، حين خرجت احتجاجات شعبية واسعة نجحت في تعطيل محاولات رسمية لتقليص صلاحيات مكتب مكافحة الفساد، ما شكّل سابقة خطيرة في العلاقة بين الشارع والمؤسسات".

وأضافت أن "تلك الاحتجاجات لم تكن مجرد تعبير عفوي عن الغضب الشعبي، بل عكست أيضا توظيفا سياسيا واعيا لحالة السخط العام، وتمثلت نتائجها المباشرة في وضع عشرات النواب تحت طائلة التحقيق والمساءلة، الأمر الذي أفقد الرئيس قدرته على استخدام أدوات الضغط التقليدية داخل البرلمان".

وذكرت أن "هذا الواقع دفع النظام السياسي الأوكراني إلى نمط جديد من الحكم، قوامه التفاهمات غير المعلنة، والمساومات التكتيكية، والقرارات المؤقتة، بدلا من آليات العمل الدستوري المستقر"، محذّرة من أن "استمرار هذا النمط يُضعف بنية الدولة بشدة في وقت تحتاج فيه إلى أعلى درجات التماسك".

ولفتت ميلينتشوك إلى أن "خطورة هذا التفكك المؤسسي لا تقتصر على إدارة الشأن الداخلي، بل تمتد مباشرة إلى ملف مفاوضات السلام"، موضحة أن "البرلمان الأوكراني يُشكّل، دستوريا، حجر الزاوية في أي تسوية سياسية تتعلق بمستقبل البلاد أو أراضيها".

وأشارت إلى أن "الدستور الأوكراني واضح في هذا الشأن؛ إذ تنص المادة 73 على أن أي تغيير في حدود الدولة لا يمكن إقراره إلا عبر استفتاء وطني شامل، فيما تمنح المادة 72 البرلمان وحده صلاحية الدعوة إلى هذا الاستفتاء، ما يجعل أي اتفاق سلام غير مدعوم بغطاء برلماني عرضة للانهيار".
معضلة بنيوية خطيرة

وأكدت أن "الخلاف القائم بين زيلينسكي وقيادة البرلمان بشأن مقاربة مفاوضات السلام لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحوّل إلى معضلة بنيوية خطيرة تهدد إمكانية الوصول إلى تسوية واقعية"، مُشدّدة على أن "أي تحوّل في موازين القوى داخل البرلمان سيكون عاملا حاسما في تحديد شكل ونطاق أي اتفاق محتمل".

وانتقلت ميلينتشوك إلى الشق الاجتماعي، قائلة إن "حالة الإحباط الشعبي داخل أوكرانيا بلغت مستويات مقلقة، لا سيما بسبب الانهيار المتكرر لمنظومة الطاقة"، معتبرة أن "هذا الملف بات رمزا لفشل الدولة في حماية البنية التحتية الحيوية رغم الموارد المالية الضخمة والدعم الدولي الواسع".

ونوّهت إلى أن "الضربات المتكررة التي استهدفت محطات التوليد الحرارية ومحطات التحويل، وما رافقها من انقطاعات طويلة للكهرباء، وارتفاع حاد في التعرفة، ساهمت في تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة، وأضعفت الخطاب الرسمي القائم على الصمود والتضحية".

وأوضحت المستشارة في البرلمان الأوكراني، أن "أزمة الطاقة لم تعد مجرد مشكلة تقنية أو ظرفية، بل تحوّلت إلى مؤشر سياسي خطير على إخفاق الحوكمة في زمن الحرب، حيث بات المواطن يشعر بأن كلفة الصراع تُلقى بالكامل على كاهله، دون رؤية واضحة للنهاية أو أفق للتحسن".

وفي السياق الدولي، قالت ميلينتشوك إن "البيئة الخارجية المحيطة بأوكرانيا تشهد تحولات نوعية"، لافتة إلى أن "الخطاب الأوروبي بدأ يتغير تدريجيا، كما تعكسه تصريحات شخصيات سياسية بارزة مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي أشار إلى ضرورة إعادة التوازن في العلاقات مع موسكو على المدى الطويل".

وأوضحت أن "هذه التصريحات لا تعكس تعاطفا مع روسيا بقدر ما تعبّر عن إدراك أوروبي متزايد بأن القارة غير مهيأة اقتصاديا أو عسكريا أو طاقويا لخوض مواجهة طويلة الأمد، خاصة في ظل الضغوط الداخلية التي تعاني منها معظم الدول الأوروبية".

وأضافت أن "هذا التحوّل يتقاطع مع توترات داخل حلف شمال الأطلسي تفاقمت بسبب تصريحات أمريكية مثيرة للجدل، ما يعزز القناعة داخل الاتحاد الأوروبي بضرورة البحث عن تسوية تفاوضية، حتى وإن جاءت على حساب بعض السرديات المعلنة سابقا".


خطة سلام بلا زخم

وفي هذا الإطار، انتقدت ميلينتشوك خطة السلام التي طرحها زيلينسكي، معتبرة أنها "فقدت زخمها السياسي والعملي، خاصة في نسختها الموسّعة التي ضمّت نحو عشرين بندا"، ووصفتها بأنها "أقرب إلى وثيقة خطابية منها إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ".

وأضافت أن "الجمع بين السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والحفاظ في الوقت ذاته على نظام تجارة حرة مع الولايات المتحدة يكشف تناقضا بنيويا مع الإطار الاقتصادي للاتحاد، فيما بقيت الضمانات الأمنية فضفاضة، من دون آليات قانونية ملزمة أو التزامات واضحة".

وأشارت المستشارة في البرلمان الأوكراني، إلى أن "الحديث عن الإبقاء على جيش قوامه نحو 800 ألف جندي طُرح من دون تقديم أي حسابات واقعية لمصادر التمويل أو القدرة على الاستدامة، ما أفقد الخطة مصداقيتها لدى شركاء دوليين كثر".

وكشفت ميلينتشوك أن "الوظيفة الأساسية لهذه الخطة كانت داخلية بالدرجة الأولى؛ إذ هدفت إلى تهيئة الرأي العام لنهاية حرب مؤلمة، بعد سنوات من ضخ توقعات قصوى عن نصر كامل، ومحاكمات دولية، وتعويضات، واستعادة حدود عام 1991".

وأضافت أن "المجتمع الأوكراني لم يُمنح فرصة حقيقية لمناقشة سيناريوهات التسوية، حيث جرى تصوير أي حديث عن تنازلات محتملة بوصفه خيانة أو ضعفا، ما ترك المجتمع غير مستعد نفسيا لتقبّل حلول وسط".

وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة، قالت ميلينتشوك إن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتعامل مع أوكرانيا من منظور السلام بقدر ما ينظر إليها من زاوية المصالح والعائد"، مشيرة إلى أن انتقادات ترامب لزيلينسكي "تنبع من قناعته بأن واشنطن لم تحصل على مقابل كاف لدعمها العسكري والمالي".

وأضافت أن "أوكرانيا باتت تتحول تدريجيا إلى ساحة تنافس على الموارد، في ظل توقيع اتفاقيات طويلة الأمد، والسعي لعقد صفقات معادن استراتيجية، والدفع المستمر نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، ما فتح الباب أمام صراع خفي على الأصول الوطنية".

وأوضحت أن "تصريح زيلينسكي في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، الذي ربط فيه الضمانات الأمنية باستثمارات في استخراج الليثيوم واليورانيوم والتيتانيوم، مثّل اعترافا صريحا بهذا التحول"، مُحذّرة من أن "بيع أصول استراتيجية، مثل احتياطيات التيتانيوم، أضعف الموقف التفاوضي لأوكرانيا".


وأضافت المستشارة في البرلمان الأوكراني، أن "استحواذ شركة أجنبية على أكبر منتج أوكراني للإلمينيت أثار استياء دوائر أمريكية نافذة، وعمّق الشكوك حول قدرة كييف على إدارة مواردها السيادية في سياق الصراع الدولي المحتدم".

وخلصت ميلينتشوك إلى أن "أوكرانيا تنتقل تدريجيا من موقع الفاعل في الحرب والمفاوضات إلى موقع الموضوع في صراع دولي على الموارد، في ظل ضعف المؤسسات، وتفكك البرلمان، وتضارب مراكز القرار داخل القطاع الأمني".

وأكدت في ختام حديثها أن "الرهانات التكنولوجية التي يلجأ إليها زيلينسكي، والتغييرات في هرم السلطة، تعكس استعدادا لصراع طويل الأمد أكثر مما تعكس توجها نحو سلام قريب"، محذّرة من أن "الفشل في إدارة العلاقة مع ترامب قد يدفع الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة وأقل قابلية للاحتواء".

ومنذ 24 شباط/ فبراير 2022، تشن روسيا هجوما عسكريا على جارتها أوكرانيا تشترط لإنهائه تخلي كييف عن الانضمام لكيانات عسكرية غربية، وهو ما تعتبره كييف "تدخلا" في شؤونها.