كيف استعاد النظام الإيراني السيطرة على الاحتجاجات الواسعة في الشوارع؟

منظمة العفو الدولية أحصت 205 أكياس جثث في مقاطع مصورة من مشرحات جنوب طهران- جيتي
نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريرا تناول الطريقة التي تمكن بها النظام الإيراني من استعادة السيطرة على الشوارع عقب موجة احتجاجات واسعة، في وقت أظهرت فيه صور ومقاطع مسربة من داخل إيران بلدا غارقا في الاضطرابات، مع خروج عشرات بل مئات الآلاف من المتظاهرين، وظهور أكياس جثث أمام المشارح، وسماع دوي إطلاق نار في عدد من الشوارع.

وبلغت الاضطرابات ذروتها، خلال الأسبوع الماضي، ما دفع خصوم الجمهورية الإسلامية إلى التكهن بقرب انهيار النظام، وتحدثوا عبر تقارير عن احتمال أن يكون المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يخطط للفرار على غرار ما فعله بشار الأسد الذي غادر سوريا نهاية عام 2024.

وأفاد إيرانيون، عبر خطوط هاتف متقطعة واتصالات إنترنت فضائية سرية، إلى جانب مراقبين دوليين، بعد أيام قليلة، بأن حدة الاحتجاجات تراجعت.

ومع شح المعلومات الموثوقة نتيجة قيود الإنترنت وانتشار المعلومات المضللة، بات من شبه المستحيل تحديد ما جرى بدقة في بلد يضم نحو 90 مليون نسمة.

وكشفت مقابلات هاتفية ورسائل مهربة عبر قنوات اتصال مشفرة أنشأها ناشطون، إلى جانب شهادات جمعها نشطاء حقوق الإنسان، صورة قاتمة لما حدث، حيث عرضت هذه الإفادات مشهدا لاضطرابات عامة اشتبك خلالها متظاهرون ومحرضون مسلحون وقوات أمن حكومية في صراع للسيطرة على الشوارع.

وقدمت الوثائق تفاصيل عن رد فعل عنيف وواسع من جانب النظام، كما عكست لحظات ترقب وقلق من احتمال "اتخاذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراء ما"، بحسب تعبير أحد السكان.

واندلعت الاحتجاجات في أواخر كانون الأول/ديسمبر على خلفية الأوضاع الاقتصادية، بعدما أغلق تجار وسط طهران متاجرهم احتجاجا على الانهيار الحاد للعملة الإيرانية وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتحول سريعا إلى حركة أوسع ضد النظام نفسه، مرددين هتافات "الموت لخامنئي" و"الموت للديكتاتور" في مدن وبلدات عدة.

بدا رد فعل النظام في مراحله الأولى متحفظا نسبيا وفق معاييره، إذ حاول مسؤولون تهدئة المخاوف الاقتصادية.

وقال أستاذ تاريخ تحدث عبر خدمة ستارلينك إن الأعداد كانت تتزايد في الأيام الأولى "لكن لم يكن هناك جو من الخوف"، وبعد أن طلبت الحكومة من الكليات والجامعات إلغاء الدروس مطلع كانون الثاني/يناير، انضم طلابه إلى الاحتجاجات، مضيفا: "لم أر عنفا لا من جانبنا ولا من جانب الحكومة".

وتغير الوضع، بحسب التقرير، عند الساعة الثامنة مساء الخميس 8 كانون الثاني/يناير، عندما خرجت حشود كبيرة إلى الشوارع استجابة لدعوة رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع في ثورة 1979، وعندها قطع النظام الإنترنت والمكالمات الهاتفية الدولية، ومع عزل الإيرانيين عن العالم الخارجي، بدأت حملة القمع، وفقا لشهود عيان ومقاطع فيديو مسربة ومنظمات حقوقية.

قالت منظمة امنستي انترناشونال إن قوات الأمن استخدمت مباني سكنية ومساجد ومراكز شرطة لإطلاق الذخيرة الحية على متظاهرين عزل، "مستهدفة رؤوسهم وأجسادهم".

وأكد ثلاثة أشخاص تحدثوا عبر رسائل صوتية نشرها نشطاء حرية الإنترنت هذه الرواية، وقالت إحدى النساء إنها سمعت دوي إطلاق النار ليلا وصراخ الناس خوفا، وأضافت أنها عادت إلى منزلها بعد غروب الشمس بقليل ومنعت ابنتها من الخروج.

ونقلت الصحيفة عن محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق، قوله إن اشتباكات وقعت بين معارضة مسلحة وقوات الأمن، في وقت حاولت فيه الحكومة التمييز بين ما وصفته بالمشاغبين العنيفين والمتظاهرين السلميين.

وأظهرت شهادات من مواقع الاضطرابات، حصلت "فايننشال تايمز" على بعضها مباشرة، وروايات أخرى خرجت عبر وسطاء، صورة مشوشة للأحداث، حيث اختلط المحرضون بالمتظاهرين السلميين.

وأسفرت الاشتباكات عن سقوط ضحايا من المدنيين العزل المشاركين في حشود غير منظمة، إضافة إلى قتلى من عناصر الأمن المدججين بالمعدات. وقال أحد المتظاهرين في طهران إن مجموعات من رجال يرتدون ملابس سوداء ويتحركون بسرعة كانوا يشعلون النار في حاويات القمامة ثم ينتقلون إلى أهداف أخرى.

وأفاد شاهد في غرب طهران للصحيفة بأنه رأى نحو 12 رجلا يتمتعون بلياقة بدنية عالية، "يشبهون الكوماندوز"، يرتدون ملابس سوداء متشابهة ويدعون الناس إلى مغادرة منازلهم والانضمام للاحتجاجات، مضيفا أنهم "كانوا منظمين بالتأكيد" دون معرفة الجهة التي تقف وراءهم.

سارع النظام إلى تصوير الاحتجاجات على أنها مدبرة من قوى أجنبية وتنفذها "خلايا" تمولها إسرائيل، وساهم تعاطف غربي مع بهلوي المقيم في الولايات المتحدة، إلى جانب شماتة علنية من سياسيين أمريكيين وإسرائيليين، في تعزيز الرواية الرسمية التي تقول إن حركة الاحتجاج اختطفتها جهات معادية لإيران.

حث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتظاهرين على مواصلة احتجاجاتهم، ووعدهم بأن "المساعدة قادمة"، وهو ما اعتبره محللون إيرانيون ودبلوماسيون غربيون عاملا أقنع عددا متزايدا من المحتجين بأن الولايات المتحدة تستعد لإسقاط النظام.

وفي هذا السياق، قالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس بلندن، إن النظام الذي وصل إلى السلطة عبر انتفاضات شعبية قبل ثورة 1979، وبخبرته الطويلة في قمع الاحتجاجات، "يمتلك استراتيجية منهجية لتطويق حركة الاحتجاج وإرهاقها"، معتبرة أن هذه احتجاجات "يستطيع النظام السيطرة عليها"، وتستخدم لخلق سردية تصورها كأعمال عنف وشغب.

بحلول يوم السبت، لم يعد بإمكان النظام إخفاء أدلة القمع، إذ بث التلفزيون الرسمي الإيراني صورا لصفوف من الجثث في مشرحة جنوب طهران. وأحصت منظمة العفو الدولية 205 أكياس جثث في خمسة مقاطع فيديو أخرى صورها أقارب يبحثون عن ذويهم.

وقال شخص تم التواصل معه عبر ستارلينك إن الجميع يعرف شخصا فقد أحد أفراد عائلته. وتفاوتت التقديرات لعدد القتلى منذ الخميس بشكل كبير، من مئات إلى آلاف، دون إمكانية التحقق من أي رقم.

وأعلن مسؤولون إيرانيون أن مئات من رجال الشرطة والأمن كانوا بين القتلى، وادعوا أن بعضهم قطعت رؤوسهم أو أحرقوا. ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي الاضطرابات بأنها "اليوم الثالث عشر" من حرب دولة الاحتلال التي استمرت 12 يوما ضد إيران في حزيران/يونيو.

وقال مسؤول إيراني إن العملية "خُطط لها لسنوات" وتم خلالها تفعيل "خلايا إرهابية" نفذت أعمال عنف ضد الشرطة والمتظاهرين والعاملين في القطاع الصحي.

وقال صيدلي تحدث عبر ستارلينك، وكان قد طُلب منه التوجه إلى العمل يوميا، إن حالة الارتباك هذه خدمت النظام، مضيفا في رسالة صوتية نشرها ناشط في مجال حقوق الإنترنت: "أنا خائف وعائلتي بأكملها خائفة، لا أصدق إلا ما يقوله لي أهلي وأصدقائي لا شيء غير ذلك"، ووصف شاهد عيان في طهران أجواء المدينة بعد الاحتجاجات بأنها "خانقة".

وأشار التقرير إلى أن كثيرين من الإيرانيين لا يزالون معزولين عن العالم الخارجي، بما في ذلك الأخبار عن مفاوضات غير مباشرة بين ترامب والحكومة الإيرانية حول قضايا مثل احتمال إعدام المتظاهرين.

وذكرت الصحيفة أن الاحتجاجات الشعبية في إيران تاريخيا ما تتأرجح بين النشوة والإرهاق، مشيرة إلى أن ثورة 1979 احتاجت أكثر من عام لتصل إلى ذروتها بعد موجات من الاضطرابات وفترات هدوء.

وقالت سنام وكيل إن النظام قادر على إجراء بعض الإصلاحات، لكنها شددت على أن الأسباب الجوهرية للسخط لا تزال قائمة، في ظل استمرار معاناة الاقتصاد الإيراني من العقوبات الأمريكية والفساد، وتكاليف التنافس الإقليمي مع دولة الاحتلال المدعومة من الولايات المتحدة.

وأضافت: "في نهاية المطاف، هناك حقائق وشكوك حول هذا الاحتجاج تحديدا، لكن ما نعرفه هو أن الاحتجاجات في إيران تتزايد، ومن المحتم أن تعود"، معتبرة أنه لا يمكن التنبؤ بما سيشعلها، "لكن ثمة شيء ما سيحدث".