قالت صحيفة "
لوموند" الفرنسية إن الخوف يخيّم على سكان حي
الشيخ مقصود، ذي الغالبية الكردية في مدينة
حلب، بعد استعادته من قبل القوات الحكومية السورية من أيدي قوات
سوريا الديمقراطية "
قسد".
وأشارت الصحيفة الفرنسية، إلى أن الأهالي يخشون التمييز والملاحقات الأمنية، ويشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم من قبل الأكراد في شمال شرق سوريا.
ونقلت الصحيفة عن سيدة كردية من سكان الحي، وهي في الأربعين من عمرها وأم لأربعة أطفال، قولها إنها عادت إلى منزلها، وهي تحمل ما وصفته "كرة من الخوف في معدتها"، بعد أيام من المعارك التي انتهت السبت الماضي بسيطرة القوات الحكومية.
وأضافت السيدة الكردية، التي كانت تعمل في قسم الصحة التابع للمجلس المحلي المرتبط بما يطلق عليه الـ"الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، أنها تخشى اعتقال موظفي مجلسي الأشرفية والشيخ مقصود.
وأوضحت “لوموند” أن مسؤولي المجالس المحلية وقوات الأمن الداخلي الكردي نُقلوا ضمن قوافل آمنة إلى شمال-شرق سوريا، بينما بقي بعض المقاتلين والموظفين، وذكرت الصحيفة أن السكان تلقوا، قبل سقوط الحي، تعليمات بالبقاء في منازلهم، في حين كان بعض المسؤولين المحليين يُخرجون عائلاتهم سراً.
وقالت السيدة الكردية، إن قوات قسد أطلقت عبر مكبرات الصوت في المساجد دعوة للناس إلى "الاستعداد للقتال حتى الموت"، لكنها أدركت اقتراب المعركة الحاسمة عندما رأت جيرانها يغادرون.
وذكرت "لوموند" أن عدداً من العائلات المرتبطة بـ"الإدارة الذاتية لقسد" حاولت الخروج مع قوافل الإجلاء، لكن القتال اندلع حولها، ما أدى إلى احتراق عشرات السيارات وسقوط قتلى مدنيين، وروى شهود عيان للصحيفة مشاهد وصفوها بالـ"مروعة” لمدنيين احترقوا داخل سياراتهم.
ونقلت الصحيفة عن تاجر يُدعى طارق كردي قوله إن القوات المتقاتلة أطلقت النار وسط سيارات المدنيين، ما أدى إلى احتراق نحو ثلاثين سيارة، وذكرت أن الدفاع المدني في حلب أعلن انتشال 50 جثة، بينما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 105 قتلى، بينهم 45 مدنياً.
وأشارت "لوموند" إلى أن أجهزة الأمن السورية أوقفت عدداً كبيراً من سكان الحي بعد السيطرة عليه، حيث نُقلوا في حافلات إلى مراكز احتجاز مؤقتة. وروى بعض المفرج عنهم أنهم احتُجزوا في ظروف اكتظاظ شديد، لكن من دون تحقيقات قاسية، وأن الإفراج يتم تدريجياً.
وأكدت أن أعداد المعتقلين والمفقودين ما تزال غير واضحة، إذ تحدثت مصادر رسمية عن 300 موقوف بلا أوراق ثبوتية، بينما قدّرت شخصيات كردية أن العدد أكبر بكثير، ونقلت عن المسؤولة الكردية لدى "قسد" إلهام أحمد قولها إن 276 شخصاً يُعدّون في عداد المفقودين أو المحتجزين، وفق أرقام أولية.
كما قالت "لوموند" إن الخوف يتضاعف لدى العائلات التي لديها شبان، خصوصاً من يُشتبه بعلاقتهم بـ"الأسايش" أو بالمجالس المحلية التي كانت تديرها قسد، حيث أشارت الصحيفة إلى قصة أب يبحث عن ابنه القاصر الذي أُصيب خلال المعارك واعتُقل لاحقاً، مؤكداً أنه ليس مقاتلاً.
وأضافت أن معركة الشيخ مقصود كانت عنيفة وقصيرة، واستمرت نحو 24 ساعة من القصف المتواصل، وأسفرت عن مئات الجرحى والقتلى الذين نُقلوا إلى مستشفى خالد فجر. كما تم إجلاء 419 مقاتلاً كردياً، بينهم 59 جريحاً، وفق مسؤول سوري.
ونوهت "لوموند" إلى أن السلطات السورية في حلب تحاول طمأنة السكان الأكراد، إذ أكد محافظ حلب أن المقاتلين الذين ألقوا السلاح "لن يُلاحقوا"، وأن من ارتكب جرائم سيُحاكم من الطرفين. كما شددت وزارة الداخلية على أن هدفها "خدمة الناس لا تخويفهم".
ورغم التطمينات، وصفت السيدة الكردية لصحيفة لوموند، القوات التي دخلت الحي بـ"الأعداء"، واتهمتهم بقتل الأطفال والنساء،كما عبرت عن خوفها من إرسال أبنائها إلى الجامعات والمدارس الحكومية، خاصة بعد تعرض ابنها سابقاً للاعتقال فقط لأنه كان يتحدث الكردية، وفق قولها.
ورغم انتقادها لبعض أفكار عبد الله أوجلان، فإنها تؤكد تمسكها بكل ما "يخدم القضية الكردية"، وتشعر في الوقت نفسه بأن حزبها تخلى عنها واعتبر من بقي في الحي "خائناً".
وذكرت الصحيفة أن أحد أكثر الجروح إيلاماً لدى سكان الشيخ مقصود الأكراد هو شعورهم بأنهم تُركوا وحدهم من قبل أكراد شمال-شرق سوريا، ونقلت عن السيدة الكردية قولها إنهم وُعدوا بالمساندة إذا تعرض الحي لهجوم، لكنها لم ترَ أي دعم أو تعزيزات من "قسد".
وأشارت "لوموند" إلى أن كثيرين في الحي يعتقدون أن اتفاقاً عُقد مع دمشق على حسابهم، وأن "دماء الشيخ مقصود" كانت ثمناً لمفاوضات تتعلق بمستقبل الحكم الذاتي في شمال-شرق سوريا، وهو شعور سيترك، بحسب السكان، جرحاً نفسياً عميقاً لسنوات طويلة.