سلطت قراءة تحليلية غريية الضوء على التحول الحاد في المقاربة الأمريكية للجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، محذرة من أن تصعيد واشنطن العسكري والأمني، منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب إلى البيت الأبيض، يقوم على فهم قاصر لطبيعة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وقد يقود إلى نتائج عكسية تعمق نفوذ هذه الشبكات بدل تقويضها.
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز"
مقالا مشتركا لأستاذي السياسة والعلاقات الدولية البرازيليين، ماتياس سبيكتور وأوتو مونتانييه، تناولا فيه التحول الذي طرأ على مقاربة واشنطن للجريمة المنظمة في الأمريكيتين منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه، حيث أعادت الإدارة الأمريكية توصيف هذه
الجريمة بوصفها تهديدا مباشرا للأمن القومي، وهي مقاربة بلغت ذروتها باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأوضح الكاتبان أن تصوير المداهمة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس على أنها عملية إنفاذ قانون ضد "شبكة إرهابية مرتبطة بالمخدرات" وفر للإدارة الأمريكية تبريرا جديدا وأكثر عدوانية لاستخدام القوة بشكل أحادي، وهو تبرير سبق أن لمح ترامب إلى إمكان توسيعه ليشمل أهدافا في دول أخرى مثل المكسيك وكولومبيا.
وحذرا من أن المضي في هذه الاستراتيجية قد يحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة اختبار لعقيدة تدخل أمريكية جديدة وعنيفة، مؤكدين أنها لن تحقق أهدافها، لأن الاعتماد على القوة الغاشمة في مواجهة الكارتلات يستند إلى فهم خاطئ لطبيعة عمل المنظمات الإجرامية الحديثة، التي باتت اليوم من أكثر القوى السياسية العابرة للحدود تأثيرا في المنطقة.
وأشار المقال إلى أن أقوى العصابات في العالم لم تعد مرتبطة بإقليم أو ميناء واحد، بل أصبحت مندمجة في سلاسل إمداد غير مشروعة على مستوى عالمي، تجمع بين التجارة والتمويل والتكنولوجيا، وتمتد عبر القارات، وقادرة على الصمود بغض النظر عن تغيير الحكومات.
وفي أمريكا اللاتينية، تلعب جماعات مثل "برايميرو كوماندو دا كابيتال" في البرازيل، و"ترين دي أراغوا" في فنزويلا، و"كارتل خاليسكو الجيل الجديد" في المكسيك، دورا متزايدا في تحديد من يسيطر على الأحياء والسجون والاقتصادات المحلية، لكنها لم تعد محصورة ضمن حدود بلدانها، إذ تعمل اليوم على نطاق عالمي.
ولفت الكاتبان إلى أن تحقيقات أمريكية وأوروبية كشفت عن تنسيق هذه الشبكات مع عصابات البلقان في مدينة أنتويرب، وعن عمليات غسل ذهب عبر مراكز مالية في دبي، إضافة إلى الحصول على المواد الأولية للمخدرات الاصطناعية من مصنعين في الصين.
واعتبر المقال أن السياسة في المنطقة فشلت في مواكبة هذا الواقع، إذ يعتمد قادة اليمين على حملات قمع قاسية غالبا ما تخلّف قتلى دون المساس الجدي بالبنية المالية للكارتلات، فيما يميل قادة اليسار إلى تقليل استخدام القوة وطرح برامج اجتماعية تستطيع شبكات الجريمة المنظمة الالتفاف عليها بسهولة، في ظل غياب حلول لدى الطرفين لمواجهة خصوم أغنى من بعض الدول وأكثر مرونة من كثير من البيروقراطيات الحكومية.
وأوضح الكاتبان أن صعود الجريمة العابرة للحدود هو في جوهره أزمة حوكمة، لا مجرد تفلت أمني، مشيرين إلى أن التجارة غير المشروعة، بخلاف الاقتصاد النظامي، تفتقر إلى المحاكم والعقود وآليات إنفاذ القانون، ما يدفع الشبكات الإجرامية إلى بناء ترتيبات ظل تحل محل هذه الآليات، رغم ما يرافقها من هشاشة ومخاطر دائمة.
وضرب المقال مثالا بعصابة "بي سي سي" البرازيلية، التي تدير عملياتها في باراغواي بشكل مباشر من داخل سجون ساو باولو، بينما تعمل في أجزاء واسعة من أوروبا كشريك تجاري مع شبكات راسخة مثل منظمة "ندرانغيتا" الإيطالية، التي تسيطر على الموانئ وشبكات النقل والقنوات المالية، وتستفيد من حماية مسؤولين فاسدين.
وبيّن أن العصابات العالمية تتكيف مع البيئات المحلية، فتستخدم القوة حيث تغيب الشراكات الموثوقة، وتتقاسم النفوذ بهدوء حيث تتوافر، مع اعتمادها في الحالتين على منظومة غير مرئية من القواعد التي تتيح التعاون عبر الحدود.
وانتقد المقال النهج الأمريكي الحالي، معتبرا أنه يخطئ الهدف عندما يتعامل مع الجريمة المنظمة كعدو عسكري يمكن هزيمته عبر تدمير مراكز جغرافية أو تصفية قادة، مؤكدا أنه لا يمكن قصف سلسلة إمداد تمتد من كاليفورنيا إلى غوانغدونغ، وأن الضربات العسكرية غالبا ما تزيد من أرباح الأسواق الإجرامية عبر رفع علاوة المخاطر.
وأشار إلى أن تجارب سابقة أظهرت أن الضغط العسكري لا يقضي على الإنتاج بل يعيد توجيهه، كما حدث عندما انتقلت زراعة الكوكايين من كولومبيا إلى بوليفيا وبيرو، ومع تطور أساليب الإنفاذ تتغير أنماط الإنتاج دون أن تختفي.
وفي المقابل، رأى الكاتبان أن الطابع العالمي للجريمة المنظمة يجعلها أكثر عرضة للاختراق، لأن أي شبكة عابرة للحدود تعتمد على ثقة هشة ومعلومات ناقصة وخوف دائم من الخيانة، ما يفتح المجال أمام تفكيكها من الداخل عبر تعطيل الشحنات وإشعال الشكوك المتبادلة.
وتتطلب مواجهة هذه الشبكات بناء تحالف استخباراتي دولي متكامل، يربط بين البيانات المالية وسجلات الشحن والتحقيقات عبر الحدود، مع توسيع تجارب ناجحة مثل شبكات الاستخبارات المالية الأوروبية وفرق التحقيق المشتركة.
وشدد الكاتبان على أن الولايات المتحدة ليست طرفا بعيدا عن هذه الشبكات، بل تمثل أحد أكبر أسواقها، وأن الهدف يجب أن يكون جعل التنسيق بين الجماعات الإجرامية مستحيلا عبر استغلال هشاشته الداخلية، محذرين من أن تحويل أميركا اللاتينية إلى ساحة حرب لن يضعف الجريمة العابرة للحدود، بل سيجعلها أكثر خفاء وصعوبة في التتبع والإيقاف.