يمثل شهر كانون الثاني/ يناير من كل عام محطة زمنية فارقة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، إذ يوافق التاسع من الشهر الجاري الذكرى الـ21 للانتخابات الرئاسية الفلسطينية وانتخاب
محمود عباس "
أبو مازن" رئيسًا للسلطة الفلسطينية في عام 2005.
وخلال عقدين من الزمن جرى حدوث تحول في "المشروع الوطني الفلسطيني" من مرحلة الثورة والكفاح المسلح إلى مرحلة مأسسة "الدولة تحت الاحتلال" والرهان على الدبلوماسية الأمنية والاقتصادية، وتم ذلك وسط انتقادات بأن عهد عباس المستمر عمل على تركيز السلطات وتغييب العملية الديمقراطية، وتحويل السلطة إلى أداة للتنسيق الأمني مع الاحتلال فقط، وتأييد باعتبار أنه نجح في الحفاظ على المؤسسات الفلسطينية من الانهيار الكلي.
ومع دخول عباس عامه التسعين، تصبح قضية الخلافة هي المحرك الرئيس للسياسة الفلسطينية، خاصة مع التطورات الدستورية الأخيرة في عام 2025 التي تهدف إلى هندسة انتقال السلطة في ظل غياب البرلمان وتآكل الشرعيات الانتخابية.
"مهندس الدبلوماسية"
ولد محمود عباس في صفد عام 1935 وهُجّر مع عائلته إلى سوريا، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي الأولي، وتدرج في المناصب القيادية داخل حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، متبنّيًا خطًا فكريًا يميل إلى الحوار والحلول السياسية.
وساهم عباس بشكل جوهري في تأسيس حركة فتح في منتصف الخمسينيات، وكان من القلة التي صاغت انطلاقتها الرسمية في عام 1965، وبصفته عضوًا في اللجنة المركزية للحركة منذ عام 1964، لعب دورًا محوريًا في صياغة استراتيجيات المنظمة، خاصة في مجالات العلاقات الدولية والقومية.
ويرتبط تاريخ عباس بلقب مهندس اتفاقيات أوسلو، وكان هو من مثّل منظمة التحرير في توقيع "إعلان المبادئ" في واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1993، والتوقيع على الاتفاقية الانتقالية في عام 1995، وهو ما وضعه في مقدمة القيادات المقبولة دوليًا وأمريكيًا، خاصة في اللحظات التي كانت فيها القيادة التقليدية برئاسة عرفات تواجه حصارًا سياسيًا وعسكريًا، بحسب وكالة "وفا".
عندما انتُخب عباس رئيسًا في عام 2005، كان التحدي الأكبر هو ملء "الفراغ الكاريزمي" الذي تركه ياسر عرفات. إلا أن عباس اختار بناء شرعية تعتمد على "المؤسساتية الإدارية" والتنسيق الدولي بدلًا من الكاريزما الثورية، ومع ذلك أدى تعاقب الأزمات، وخاصة الانقسام الفلسطيني عام 2007، إلى تحوّل السلطة تدريجيًا نحو نمط حكم يتمحور حول شخص الرئيس، بحسب تقرير لـ"
المركز العربي – واشنطن دي سي".
أهم المناصب
جمع محمود عباس في يده رئاسة أهم ثلاث ركائز للنظام السياسي الفلسطيني: اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة المركزية لحركة فتح، ورئاسة دولة فلسطين والسلطة الوطنية، ما أدى إلى تآكل الفصل بين السلطات، حيث تحولت المؤسسات التشريعية والرقابية إلى هيئات استشارية تابعة للرئاسة.
وعمل عباس على حل المجلس التشريعي عام 2018، وهي خطوة أدت إلى غياب الرقابة البرلمانية كليًا، مما جعل الرئيس يحكم عبر "القرار بقانون"، وهو ما وصفه خبراء قانونيون بأنه تقويض لمبادئ الدستور.
وشهدت سنوات حكم عباس تعديلات واسعة في القضاء، شملت تشكيل المحكمة الدستورية العليا بتركيبة تضمن ولاءها للرئاسة، مما مكّنها من تمرير قرارات مثل حل المجلس التشريعي.
وجرى تحويل ميزانيات وصلاحيات المنظمة تدريجيًا لتصب في قنوات السلطة، مع الإبقاء على المنظمة كـ"شرعية قانونية" تُستخدم عند الحاجة لتجاوز الأطر الانتخابية.
وتُعد قضية غياب الانتخابات منذ عام 2006 الانتقاد الأكثر حدة الموجه لعهد عباس، فبعد صدور مراسيم بإجراء الانتخابات في عام 2021، عاد الرئيس وألغاها، وكان المبرر رفض الاحتلال إجراءها في القدس. إلا أن التحليلات السياسية واستطلاعات الرأي تشير إلى أن السبب الحقيقي كان الخشية من خسارة حركة فتح أمام قوائم منافسة مثل قائمة مروان البرغوثي وناصر القدوة أو أمام حركة حماس.
أزمة الخلافة
مع وصول عباس إلى سن التسعين، لم يعد السؤال "هل يرحل؟" بل "من سيخلفه؟ وكيف"، واتخذ عباس في عامي 2024 و2025 خطوات حاسمة تهدف إلى حسم هذا الجدل لصالح شخصيات مقربة تضمن استمرارية نهجه.
في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أصدر عباس "الإعلان الدستوري رقم 1 لسنة 2025"، وهو وثيقة غيّرت مسار انتقال السلطة بشكل جذري، يقضي هذا الإعلان بأن يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير مهام رئاسة السلطة مؤقتًا لمدة 90 يومًا في حال شغور المنصب، مع إلغاء الترتيبات السابقة التي كانت تمنح هذا الحق لرئيس المجلس الوطني.
واستحدث عباس منصب نائب رئيس المنظمة وخصّ به حسين الشيخ، مما يجعله "الخليفة القانوني" المباشر.
حسين الشيخ، يبرز اسمه بوصفه أحد أبرز الأسماء المطروحة لخلافة عباس، مستندًا إلى موقعه الرسمي كأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ونائب رئيس المنظمة والسلطة. وتستند قوة الشيخ السياسية إلى قربه الشديد من عباس، إضافة إلى دوره المركزي في إدارة ملف التنسيق مع إسرائيل والعلاقات مع الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد الداخلي، تشير استطلاعات الرأي إلى تدنٍ حاد في مستوى القبول الشعبي له، إذ لا تتجاوز شعبيته ما بين 1 و2 بالمئة، مع انتشار تصورات واسعة داخل الشارع الفلسطيني تربطه بالتنسيق الأمني واتهامات بالفساد، بحسب "
معهد القدس للاستراتيجية والأمن".
في المقابل، يحظى الشيخ بدعم من واشنطن وتل أبيب، اللتين تنظران إليه كضامن لاستمرار الهدوء والاستقرار، إلى جانب قبول حذر من دول عربية فاعلة مثل الأردن ومصر، التي تضع أولوية الاستقرار الأمني والسياسي في صدارة حساباتها، بحسب ذات المصدر.
مروان البرغوثي، رغم وجوده في سجون الاحتلال الإسرائيلي، يواصل القيادي الفتحاوي الأسير تصدّر المشهد السياسي الفلسطيني بوصفه الشخصية الأكثر شعبية والأوسع إجماعًا. وتُظهر استطلاعات الرأي أنه المرشح الأوفر حظًا في أي انتخابات رئاسية محتملة، بنسبة تفضيل تصل إلى نحو 40 بالمئة، ما يجعله الرقم الأصعب في معادلة الخلافة.
عربيًا ودوليًا، يُنظر إلى البرغوثي باعتباره مصدر قلق بالغ لـ"إسرائيل"، في حين تتعامل القوى الدولية بحذر مع إمكانية دعمه، بسبب ارتباط اسمه بقيادة الانتفاضة الثانية.
ومع ذلك، برزت في السنوات الأخيرة أصوات أوروبية ترى في البرغوثي خيارًا واقعيًا وربما المخرج الوحيد من الأزمة السياسية الفلسطينية المستعصية.
محمد دحلان، يقود القيادي المفصول من حركة فتح ما يُعرف بالتيار الإصلاحي من منفاه في دولة الإمارات، معتمدًا على شبكة علاقات إقليمية واسعة وقدرات مالية كبيرة. ويتمتع دحلان بقاعدة دعم ملموسة داخل قطاع غزة، إضافة إلى حضور مؤثر في بعض مخيمات الضفة الغربية، حيث تشير التقديرات إلى أن شعبيته تتراوح بين 11 و12 بالمئة.
وعلى المستوى العربي، يحظى بدعم قوي من محور إقليمي يضم الإمارات ومصر والسعودية، بينما تنظر إليه أطراف دولية على أنه شخصية قادرة على لعب دور محوري في إدارة قطاع غزة وقيادة جهود إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي آذار/ مارس 2025، أعلن عباس إصدار عفو عام عن جميع المفصولين من حركة فتح، قائلًا خلال كلمته في القمة العربية الطارئة حينها: "حرصًا منّا على وحدة حركة فتح، قررنا إصدار عفو عام عن جميع المفصولين من الحركة، واتخاذ الإجراءات التنظيمية الواجبة لذلك".
ماجد فرج، يُعد رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في الدائرة الأمنية المحيطة بالرئاسة، ويُنظر إليه بوصفه الحليف الأبرز لحسين الشيخ والذراع الأمنية الأساسية لعباس.
ويواجه فرج رفضًا شعبيًا واسعًا، إضافة إلى معارضة قوية داخل اللجنة المركزية لحركة فتح، التي رفضت ضمه رسميًا إلى عضويتها خشية تغوّل الأجهزة الأمنية على القرار السياسي والتنظيمي. في المقابل، يحظى فرج بتأييد واضح من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وكذلك من الموساد الإسرائيلي، باعتباره شريكًا موثوقًا في ملفات مكافحة ما تصفه هذه الأطراف بـ"الإرهاب"، بحسب "
مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية".
الحرس القديم، يمثل كل من محمود العالول وجبريل الرجوب تيار "الحرس القديم" داخل حركة فتح، بوصفهما رمزين للشرعية النضالية والتنظيمية التاريخية للحركة. يشغل العالول منصب نائب رئيس حركة فتح، فيما يتولى الرجوب مناصب قيادية بارزة ويقود تيارًا داخل الحركة يُظهر ميلًا واضحًا نحو المصالحة مع حركة حماس.
ويحظى الاثنان باحترام ملحوظ داخل القواعد التنظيمية لحركة فتح، إلا أنهما يواجهان ضغوطًا سياسية متزايدة من التيار المقرب من الرئاسة، المعروف بمحور "الشيخ–فرج"، والمدعوم مباشرة من عباس، ما يحد من فرصهما في التقدم داخل معادلة الخلافة، بحسب ذات المصدر الأخير.