يضع التوتر القائم بين
السعودية والإمارات في
اليمن، صانع القرار
المصري في مأزق شديد الخطورة، وخيار قاس وله تبعاته حول أي جبهة من الشريكين الاستراتيجيين والداعمين لنظام عبدالفتاح السيسي منذ 2013، يصطف، وهل تكتفي الرياض وأبوظبي بقيامه بدور الوساطة أم سيطالبه كل طرف بالانحياز الصريح لجانبه.
ماذا يجري في اليمن؟
وشهدت الأيام الأخيرة من عام 2025 وبداية عام 2026 تحولا دراماتيكيا في الملف اليمني، حيث انتقل الخلاف السعودي الإماراتي من تنافس سياسي إلى مواجهة عسكرية مباشرة للمرة الأولى منذ تحالفها المعلن عام 2015، لمواجهة جماعة "أنصار الله الحوثي" المدعومة من إيران، باليمن.
وشهد 2 كانون الأول/ ديسمبر الماضي بداية تفجر الصراع، حينما شنت قوات
المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، هجوما سيطرت خلاله على أجزاء من محافظتي حضرموت والمهرة، ذات التضاريس الصعبة والحدود الطويلة مع السعودية، حيث تسعى الرياض لتأمين ممر نفطي لبحر العرب، بينما ترغب أبوظبي في السيطرة على خطوط الملاحة والموانئ الاستراتيجية.
ومع امتداد سيطرة قوات الانتقالي على معظم مناطق الجنوب اليمني، تصاعدت الأحداث وقررت الرياض في 25 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حشد قواتها على الحدود وإنذار "الانتقالي" للانسحاب من حضرموت.
تفاقمت الأزمة مع رصد الاستخبارات السعودية دخول سفينتين (غرينلاند وسوكوترا) قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي إلى ميناء المكلا وإفراغ شحنة أسلحة وعربات قتالية، ليشهد فجر 30 كانون الأول/ ديسمبر، توجيه القوات الجوية السعودية ضربة استهدفت العربات والشحنات العسكرية في ميناء المكلا.
ليأتي رد الفعل الإماراتي 31 كانون الأول/ ديسمبر، معلنا سحب ما تبقى من وحدات مكافحة الإرهاب الإماراتية من اليمن، ثم إصدار المجلس الانتقالي الجنوبي، الجمعة الماضية، إعلانا دستوريا "لدولة الجنوب العربي".
موقف مصر ومخاوفها
التصاعد السريع للأزمة قابله موقف مصري أقرب للحياد والوساطة، حيث تجنبت القاهرة الانحياز لأي طرف وأعربت عن ثقتها بـ"حكمة القيادتين" لتجاوز الخلاف، وفي حين بدت أقرب للموقف السعودي بإعلانها دعم وحدة اليمن، حافظت على علاقاتها مع الإمارات، شريك السيسي الاقتصادي الأول، وداعمته الأكبر منذ 2013.
تتخوف مصر من حدوث أي صراع قرب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يثير قلق خطوط الشحن والتجارة العالمية ويبعدها مجددا عن المرور بقناة السويس، خاصة وأن حركة مرور التجارة الدولية بدأت تعود للشريان المائي المصري بعد تراجع كبير إثر منع جماعة "الحوثي" اليمنية مرور السفن التابعة للاحتلال الإسرائيلي خلال عامي حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة.
ووفق مراقبين فإن "الأزمة تمثل ضغطا كبيرا على صانع القرار المصري وإحراجا دبلوماسيا له؛ إذ تجد القاهرة نفسها في حيرة بين دعم مواقف الحليف السعودي أو المستثمر الاقتصادي الإماراتي الأضخم".
ويلفتون إلى أن "الخلاف السعودي الإماراتي باليمن يؤثر على ملفات أخرى تهم مصر، أبرزها السودان والصومال، حيث تتعارض مواقف العواصم الثلاث، فبينما تتوافق الرياض والقاهرة بأزمتي الخرطوم ومقديشيو، تقف أبوظبي موقفا مخالفا لمصالح مصر وتدعم مليشيات تضر بأمنها القومي بالبحر الأحمر، ومياه النيل، وسيادتها على حدودها الجنوبية والغربية في السودان وليبيا.
ويرى المحللون أن "مصر هي الطرف الأكثر خسارة من اتساع المسافات بين الرياض وأبوظبي، وأن لديها فرصة للعب دور الوسيط غير المنحاز، كون استقرار الخليج إحدى ضمانات استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي لنظام القاهرة، إلى جانب الدعم الغربي والإسرائيلي".
كفة اقتصادية إماراتية راجحة
وشهدت الاستثمارات السعودية والإماراتية في عهد السيسي وفي السنوات الأخيرة تحولا من الدعم المالي والودائع البنكية عقب انقلاب 2013، إلى الاستحواذ على الأصول العامة والشركات الحكومية والأراضي الاستراتيجية والمشروعات الحيوية والتي تتصدرها الإمارات أكبر مستثمر أجنبي في مصر.
وخاصة عقب صفقة "رأس الحكمة" في شباط/ فبراير 2024، بقيمة 35 مليار دولار، بجانب استحواذات "القابضة" (ADQ) وموانئ دبي وأبوظبي بقطاعات العقارات، والموانئ، والأسمدة، والخدمات المالية.
وتمثل إجمالي الاستثمارات الإماراتية نحو 65 مليار دولار بينها صفقة "رأس الحكمة"، بجانب 7 مليار دولار استحواذات بشركات أبو قير للأسمدة، ومصر للألمنيوم، والبنك التجاري الدولي، وفوري، والإسكندرية لتداول الحاويات، والفنادق التاريخية، وغيرها.
في حين لحقت بها السعودية عبر استحواذ صندوق الاستثمارات العامة، والشركة السعودية المصرية بقيمة 3.5 مليار دولار على شركات: إي فاينانس، وأبوقير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية للحاويات التي تخارجت منها في 2025 محققة مكاسب مالية ضخمة.
في حين أعلنت السعودية نيتها ضخ استثمارات بقيمة 15 مليار دولار بقطاعات الطاقة، والزراعة، والسياحة وبينها مشروع "رأس جميلة" جنوب سيناء، تنوي تحويل ودائعها بالبنك المركزي المصري بقيمة 10.3 مليار دولار، لاستثمارات، فيما تعمل 6 آلاف شركة سعودية بالسوق المصري، باستثمارات 30 مليار دولار.
هذا ما يجب على مصر
وفي رؤيته لموقف مصر من الصراع السعودي الإماراتي في اليمن، وهل تكتفي بالحياد ولعب دور الوسيط أم تنحاز لأحد الطرفين؟، واحتمالات أن تضغط الرياض وأبوظبي عليها طلبا للانحياز وللمساعدة، والخسائر الاقتصادية المحتملة لمصر ونظام السيسي، خاصة مع ما لهما من ودائع واستثمارات واستحواذات، تحدث الأكاديمي المصري الدكتور عصام عبدالشافي.
رئيس "أكاديمية العلاقات الدولية" قال لـ"عربي21"، إن "الحديث عن الموقف المصري من الأزمة الناشبة الآن لا أريد أن أسميها صراعا بين السعودية والإمارات في اليمن ولكن يمكن القول إنها أزمة طارئة، لأن الطرفين عضوين بالتحالف العربي لدعم الشرعية باليمن وبمجلس التعاون الخليجي وبينهما علاقات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة".
وأوضح أن "الأزمة نجمت عن تغلغل الإمارات وسعيها ترسيخ انفصال وانقسام اليمن، ما يشكل تهديدا استراتيجيا للسعودية التي تمثل اليمن عمقا استراتيجيا لها؛ وبالتالي عندما أتحدث عن الموقف المصري هنا فيجب أن يكون منحازا للأمن القومي للدولة المصرية والمصالح الاستراتيجية لها".
وأكد أن "نظام أبوظبي يشكل تهديدا استراتيجيا للأمن القومي المصري بليبيا لأنه يرسخ انقسام وتفتيت جارتها الغربية، ويشكل تهديدا للأمن القومي المصري بالسودان لأنه يدعم المليشيات بمواجهة الجيش ويرسخ تقسيم جارتها الجنوبية لعدة دويلات".
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بعدة جامعات عربية وغربية، أضاف: "النظام الإماراتي كان أيضا شريكا استراتيجيا للنظام الإثيوبي في توغله وتوسعه بالقرن الأفريقي وبالتالي تفكيك الصومال بالاعتراف بانفصال إقليم أرض الصومال، والنظام الإماراتي أيضا شريك استراتيجي بدعم النظام الإثيوبي بملف مياه النيل".
وتابع: "النظام الإماراتي شريك استراتيجي كذلك لكيان الاحتلال في تغلغله وتوغله بالمنطقة العربية، وشريك استراتيجي لقبرص واليونان ويسعى لتعزيز دورهما على حساب المصالح الاستراتيجية المصرية".
ويرى الأكاديمي المصري أنه "لذلك من المهم جدا في هذا السياق أن تنحاز مصر لتحجيم الإمارات في اليمن والسودان والصومال وليبيا؛ لأن النظام الإماراتي يمارس دورا وظيفيا تفكيكيا تدميريا على حساب كل دول المنطقة، ومصر ليست بعيدة عن حسابات التفكيك".
ويعتقد أن "أية خسائر اقتصادية محتملة نتيجة تراجع الدعم الإماراتي يمكن تعويضها من أكثر من اتجاه وطرف، ومهما كان حجم الخسائر الاقتصادية في هذه المرحلة لن تكون على حساب الأمن القومي لمصر، وخاصة أن النظام الإماراتي تغلغل بكثير من القطاعات ما من شأنه أن يؤثر سلبا على الأمن القومي للدولة المصرية في المراحل القادمة".
أقرب إلى القطري
من جانبه، أكد الباحث في العلوم السياسية المصري سيف الإسلام عيد، لـ"عربي21"، أنه "إلى الآن ليس هناك موقف مصري واضح من الصراع السعودي الإماراتي باليمن، وإن كان موقف القاهرة أقرب إلى القطري، وهذا واضح في التنسيق عال المستوى بين الدولتين ضمن متغيرات علاقاتهما الجديدة".
وفي رؤيته لوضع مصر من الأزمة، قال إنها "في معضلة كبيرة، ولا تستطيع الانحياز رسميا لطرف، رغم أنها أقرب للإمارات منها إلى السعودية من حيث الاستثمارات والاقتصاد والدعم المالي، كما أنه ومنذ أشهر تفجر خلاف مصري سعودي أعتقد أن جزء منه بسبب تأخر تسليم جزيرتي (تيران وصنافير) للرياض".
ويعتقد الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن "مصر ليس لديها من الوسائل التي تمكنها من دور الوساطة، رغم لعبها هذا الدور بملف غزة كونها الأقرب لها جغرافيا والبوابة الوحيدة للقطاع وتاريخيا لها دور، ولكن في الخليج لم تكن لديها أدوار خلال 15 عاما مضت، بينما كان لها أدوار سابقة في حرب الخليج وتزعمت جزء من الخليج بعهد جمال عبدالناصر".
لذلك يرى أن "الوساطة المصرية غير ممكنة مع وضع معقد، ولا أعتقد أن مصر السيسي منوط بها لعب دور الوسيط الذي لم تلعبه بأزمة (المقاطعة الخليجية 2017) لقطر وتصرفت برعونة وانحازت للكتلة الأكبر والممولة لها، ولكن سياستها الخارجية الآن أقرب للدوحة حتى أن بياني الدولتين حول أزمة اليمن صدرا بذات الوقت".
حجم الضغوط والخسارة
ولفت إلى الضغوط المحتملة على مصر، متوقعا أن "حدوث ضغوط شديدة من الطرفين؛ أكثرها من السعودي الذي يحاول حشد الحلفاء، لكن أعتقد أن الفريقين يعتقدون أن السيسي لن يأخذ جانبا أكثر من (الحياد الظاهري)، لكن في الباطن لا أعتقد أنه ينحاز لطرف دون الآخر وفقا لحسابات الخسائر والمكاسب، خاصة وأن الحليفين أحد أسباب بقاؤه في السلطة من 2013 وحتى الآن بالإضافة لإسرائيل".
ويرى الباحث المصري أن "الخسارة الاقتصادية ستكون أكبر لو انحاز ضد الإمارات لأسباب تكشفها الأرقام وللموانئ التي تسيطر عليها والاستثمارات الأكبر من السعودية وموجة الشراء الأكبر إماراتيا السنوات الماضية للأصول المصرية"، متوقعا أنه "سيحاول التزام الحياد، وينحاز للموقف القطري، حتى يرى أين تسير الدفة، لكنه تحت ضغط أحد الطرفين قد يحدث جديدا".
تطويق مصر والسعودية
وفي قراءته للمشهد، قال الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال، في تحليل عبر "المعهد المصري للدراسات" إن أي كيان مستقل أو شبه مستقل بجنوب اليمن (يعلن انفصاله بتشكيل دولة مستقلة) سيجعل باب المندب والبحر الأحمر ضمن عمقه الاستراتيجي، ما يفسر حساسية هذه الجغرافيا بحسابات السعودية ومصر".
ويرى أن "التحركات الإماراتية، تسعى بدعم إسرائيلي لتطويق مصر والسعودية داخل واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية، تمتد من الشام الكبرى شمالا إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما تمثله من عمق استراتيجي حيوي للدولتين، في إطار مشروع إماراتي–إسرائيلي أوسع، تتجلى ملامحه في التحركات الأخيرة في الجنوب اليمني وأرض الصومال والسودان وإثيوبيا... ".
ولفت إلى أن "هذا المشهد يطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل العلاقة المصرية–الإماراتية، وما إذا كانت المؤسسات السيادية بمصر في إطار الموقف الراهن والتجاوزات الإماراتية ستعيد تقييم طبيعة هذا الارتباط، خاصة في ظل تنامي الهيمنة الإماراتية على مفاصل مؤثرة في الحياة الاقتصادية والسياسية المصرية، ومنافسة الإمارات للمؤسسة العسكرية في مجالات اقتصادية حساسة".