ملفات وتقارير

بعد إعلان رئيس المجلس الانتقالي "دولة الجنوب".. ما فرص تحقيق ذلك؟

الزبيدي أعلن مرحلة انتقالية تسبق إعلان دولة الجنوب- سبأ
أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، المدعوم من دولة الإمارات مساء الجمعة، عن بدء مرحلة انتقالية لمدة عامين كخطوة نحو الانفصال مع شمال اليمن، بعد ساعات من إطلاق الحكومة اليمنية عملية عسكرية لاستعادة محافظة حضرموت، التي سيطرت عليها قوات المجلس في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي.

وتزامن إعلان الزبيدي البدء بالمرحلة الانتقالية، مع ما أطلق عليه "الإعلان الدستوري" لإعلان ما يسمى بـ "دولة الجنوب العربي"، على أن يتبع ذلك إجراء استفتاء لتقرير المصير، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام أسئلة عدة، بشأن وجاهة الإعلان وفرص تحقيق ذلك واقعا على الأرض.

وقال عيدروس الزبيدي في خطاب متلفز إنه "انطلاقا من رغبة وإرادة شعبنا الجنوبي في استعادة وإعلان دولتهم، نعلن عن دخول مرحلة انتقالية مدتها سنتان" يجرى خلالها "استفتاء شعبي" حول "حقّ تقرير المصير لشعب الجنوب".

وأكد الزبيدي في كلمته على أن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون "سلمية"، داعيا إلى حوار يرعاه المجتمع الدولي بين الجنوب والشمال.

وقال إن المجلس الانتقالي الجنوبي أنجز وتسلّم "مسؤولية وإدارة" مناطق الجنوب، معتبرا ذلك خطوة "نحو تحقيق تطلعات هذا الشعب في استعادة وإعلان دولته".

وقال رئيس المجلس الانتقالي في بيانه إن "تحقيق تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته يجب أن يتم عبر مسار مرحلي ومسؤول يحفظ للجنوب حقّه المشروع ويجنّب الشمال والمنطقة كلفة صراعات جديدة".

وحذّر من أن هذا الإعلان الدستوري سيعدّ "نافذا بشكل فوري قبل ذلك التاريخ"، في حال لم تتم الاستجابة لدعوة الحوار وتعرّض الجنوب  لأي اعتداءات عسكرية.

ويأتي هذا الإعلان في اليوم ذاته الذي أعلن فيه محافظ محافظة حضرموت، سالم الخنبشي عن إطلاق عملية لاستعادة لاستعادة المواقع التي سيطر عليها المجلس الانتقالي في مطلع ديسمبر الفائت.

وقال الخنبشي، قائد قوات "درع الوطن" في حضرموت، وفق ما نقلت وكالة "سبأ" الحكومية عن إن العملية "سلمية وموجّهة حصرا نحو المعسكرات والمواقع العسكرية".

 إلا أن العملية لم تسر كما جرى الإعلان عنها، فقد اندلعت معارك عنيفة بين قوات "درع الوطن" مسنودة بقوات "الطوارئ" التابعة للجيش اليمني، وقوات المجلس الانتقالي منذ ظهر الجمعة، وبدعم من سلاح الجو السعودي، انتهت باستعادة السيطرة على معسكرات عدة في مدن وبلدات وادي حضرموت، من بينها مدينة سيئون، العاصمة الإدارية للوادي.


بلا أثر قانوني
وتعليقا على إعلان الزبيدي، قال الكاتب والباحث اليمني في الشؤون الدبلوماسية، مصطفى ناجي إن الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي - إضافةً إلى أنه بلا أثر قانوني من منظور القانون الدولي، وليس أكثر من حلقة من حلقات التمرد - فإنّه المسمار الأخير في نعش مجلس الرئاسة بتشكيلته الثمانية.

وأضاف ناجي عبر منصة "إكس" : "سيتوجب على رئيس مجلس القيادة الرئاسي عدم التأخر في إعادة صياغة القيادة بعد أن اخرج بعض أعضائه أنفسهم بأنفسهم".

وبحسب الكاتب والباحث اليمني فإن المجلس الانتقالي "ينتحر سياسياً بإجراءاته هذه"، التي في حقيقتها ليست إلا رقصة أخيرة مُقدَّمة لجمهور اشترى الوهم بأسعار ثمينة وطموحات عالية بلا أساس غير التعبئة حد التحريض والتمييز والاستعلاء خلال سنوات.

وأشار "في التحليل البسيط لهذا الإعلان، الذي يدغدغ رغبة الأنا الانفصالية دون واقعية الانفصال، في لحظة  انحسار جغرافي، وانقسام مجتمعي جنوبي وشرقي حاد"، نجده "تلاعبا سياسياً متواضعاً لا يقدّم خارطة طريق لا للحل السياسي مع الحكومة ولا لمشروع الانفصال".

وقال الكاتب والباحث ناجي إنه هذا الإعلان ما هو إلا "مجرد إجراء أحادي يفتقر للصياغة القانونية الحصيفة بلا توافق ولا أفق سياسي، لكنه مقامرة في دفن المشروع السياسي للمجلس الانتقالي، الذي أضاع إمكانية تمثيله للقضية الجنوبية".

تكرار لسيناريو حميدتي
من جانبه، قال رئيس تحرير صحيفة "أخبار اليوم" ( محلية متوقفة) سيف الحاضري إن إعلان الزبيدي يكرر سيناريو حميدتي… مشروع إماراتي لتقسيم اليمن.

وتابع الحاضري عبر موقع "فيسبوك" بأنه ما أعلنه عيدروس الزُبيدي لا يختلف في جوهره عمّا أعلنه محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، حيث أنه إعلان مقنّع لحكومة موازية وترتيب لفترة انتقالية هدفها النهائي تفكيك الدولة وتقسيمها.

وأشار إلى أن هذا مشروع إماراتي خالص، جرى نقله حرفيًا من السودان إلى اليمن بعد تعثره هناك، مع اختلاف الساحة وتشابه الأدوات، موضحا أن الزبيدي لا يتحرك كفاعل يمني مستقل، بل كأداة تنفيذ لمخطط إقليمي يستهدف وحدة اليمن وسيادته.

وقال رئيس تحرير صحيفة "أخبار اليوم" اليمنية إن ما أعلنه الزبيدي يمثّل عمليًا "إعلان حكومة موازية للشرعية، وخارطة طريق تمهّد لإعلان الانفصال خلال عامين تحت مسمى "مرحلة انتقالية"، لافتا إلى أن هذا الإعلان لا يختلف عن الصيغة ذاتها التي استُخدمت لتفجير الدولة السودانية من الداخل.

إن الإصرار الإماراتي على تقسيم اليمن لم يعد خافيًا، ولم يعد يحتمل المجاملة أو الصمت، بل يجب أن يُواجَه بسياسة أكثر صرامة وردعًا، سياسيًا ودبلوماسيًا وأمنيًا.

محاولة للهروب
وبموازاة ذلك، أكد تجمع القوى المدنية الجنوبية في بيان صادر له مساء الجمعة، رفضه لإعلان الزبيدي، واعتبره محاولة للهروب من تفجير الأوضاع في حضرموت والمهرة.

وقال بيان تجمع القوى الجنوبية : تابعنا وما زلنا نتابع التطورات الحالية على الساحة الجنوبية وحالة الفوضى والقتال الدائر رحاها على الأرض الجنوبية، والتي بدأت بخطوة اقتحام دولة الإمارات لمحافظة حضرموت بواسطة أداتها المجلس الانتقالي، التي أخذت الجنوب إلى حالة اقتتال داخلية (جنوبية جنوبية) لا تخدم إلا أعداء الجنوب وخصوم قضيته....والتي اختتمها "الزبيدي اليوم الجمعة الثاني من يناير 2026م بإعلانه الهروب من مسؤوليته عن الدماء الجنوبية التي تراق على الأرض الجنوبية لخدمة مشاريع غير جنوبية".

وأعرب البيان عن إدانته "كل تلك الخطوات غير المسؤولة" معبرا أيضا عن رفضهم للخطوة المنفردة لإعلان الزبيدي المزعوم، ونعتبره خطابًا وتوجهًا يمثل "الزبيدي وجماعته ومن يقف خلفهم إقليميًا" ولا يمثل "أبناء الجنوب وقواه الوطنية".

وبحسب تجمع القوى المدنية في جنوب اليمن فإن الزبيدي أراد وجماعته من خلال خطوتهم هذه "الهروب من المسؤولية القانونية والأخلاقية التي تلاحقهم جراء تفجيرهم للأوضاع في حضرموت وغيرها من المناطق الجنوبية"، مؤكدا أنه اختار التواري خلف عدالة القضية الجنوبية ومشروعيتها هاربًا من مسؤوليته عن الفوضى التي تعم مناطق الجنوب، والتي ذهب ويذهب ضحيتها المئات من أبناء الجنوب من كافة أطراف الصراع.

وشدد على أن هذا الإعلان يمثل "حالة هروب واضحة"، تحاول الجماعة الانتقالية من خلالها التنصل من مسؤوليتها، وهي حالة خاصة بالزبيدي وجماعته ولا تمثل الجنوب.


ورقة سياسية
من جهته، قال المحامي والناشط الحقوقي اليمني، توفيق الحميدي إن الإعلان الذي أعلنه الزبيدي يظل في جوهره "ورقة سياسية مجردة من القوائم والمرتكزات القانونية الملزمة".

وأضاف الحميدي متسائلا عبر موقع "فيسبوك"، عن كيفية التعاطي معه سياسيا في المرحلة المقبلة.

وتابع بأن مرحلة ما بعد حضرموت تبدو مرشحة لأن تكون مفصلية، ليس فقط في إعادة ترتيب موازين القوى، بل في طريقة إدارة الأوراق السياسية ذاتها، وفق منطق قانوني وسياسي عقلاني، لا بمنطق ردود الأفعال أو التسويات المؤقتة.

وأوضح المحامي والناشط اليمني أن الخطر الحقيقي يكمن في اللحظة التي تتحول فيها هذه "الأوراق السياسية" من أدوات ضغط تفاوضي إلى أوراق مقايضة، ثم تنزلق تدريجيا نحو فعل أمر واقع، مؤكدا على أن ذلك نقلة نوعية لا تمثل مجرد تصعيد سياسي، بل خطوة متقدمة وخطيرة في مسار تقويض الدولة وإعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة.

وقال الحميدي إن الجغرافيا، حتى اللحظة، ما زالت أثقل وزنا من النصوص والبيانات، وأكثر قدرة على فرض إيقاعها من أوراق السياسة نفسها.

وأردف : "وهي جغرافيا لا تكتفي بإعادة تشكيل الداخل، بل تتجاوز اليمن إلى فضاءات إقليمية أوسع"، حيث تتقاطع المصالح وتشتبك الحسابات، بما يجعل أي "استهانة بعامل المكان والتوازنات المحيطة مغامرة تتجاوز حدود السياسة إلى حافة المخاطر المفتوحة".

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات شنّ هجوما في مطلع كانون الأول/ديسمبر سيطر خلاله على معظم محافظتي حضرموت والمهرة. وطالبت السعودية التي تدعم الحكومة اليمنية الإمارات والمجلس بسحب قواتهما فورا، إلا أن رفض ذلك.