معرض القاهرة للكتاب: احتفاء بـ "محفوظ" وسط ظلال "الإقصاء" وأزمات الناشرين المستقلين

للعام الثاني على التوالي تجد دور نشر نفسها خارج المعرض- جيتي
للعام الثاني على التوالي تجد دور نشر نفسها خارج المعرض- جيتي
شارك الخبر
تستعد العاصمة المصرية لانطلاق الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب في 21 كانون ثاني/ يناير الجاري، وهي الدورة التي ترفع شعار "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا"، محتفيةً بالأديب العالمي نجيب محفوظ كشخصية للمعرض.

وفي حين تزهو الأروقة الرسمية بالتحضيرات لاستقبال دولة رومانيا (ضيف الشرف)، تطلُّ على السطح مجددًا أزمة "القوائم السوداء" واستبعاد دور نشر فاعلة، مما يثير تساؤلات حول سقف الحرية المتاح في واحدة من أكبر التظاهرات الثقافية بالشرق الأوسط.

"المرايا" خارج المشهد للعام الثاني.. الحاضر الغائب

للعام الثاني على التوالي، تجد دار «المرايا» للثقافة والفنون نفسها خارج أسوار المعرض دون إبداء أسباب رسمية، ورغم أن الدار تعد فاعلاً أساسياً في مشهد النشر منذ تأسيسها، وحصدت جوائز من المعرض ذاته في سنوات سابقة، إلا أن محاولات إدارتها لاستيضاح أسباب المنع باءت بالفشل.

وفي تصريحات لـ"عربي21" أكد يحيى فكري، مؤسس الدار ومديرها، أنهم خاطبوا اتحاد الناشرين المصريين وجهات رسمية وأمنية لتذليل العقبات، لكن الردود اقتصرت على "وعود بالمحاولة دون فعل حقيقي"، واصفاً التجربة بأنها "مخاطبة لجدران صمّاء". ويربط مراقبون بين هذا المنع وبين أزمات سابقة، منها مصادرة ديوان «كيرلي» للشاعر أحمد دومة في العام الماضي، وقبلها تنظيم الدار حفل توقيع لكتاب علاء عبد الفتّاح أثناء وجوده في المعتقل.

وتجاوزّا للآثار السلبيّة للحظر يؤكد فكري على أنهم لا يمتلكون الوسائل لإنهاء القرار، لكنّهم سينظمون معرضهم الموازي داخل مقر الدار، وسيعلنون فيه عن فعاليات وأنشطة ثقافية وفنية مثل المناقشات وحفلات التوقيع والحفلات الفنيّة وغيرها، وهو ما فعلته الدار العام الماضي وحققت به نجاحّا وتفاعلاّ كبيرين.

اظهار أخبار متعلقة



رؤية حقوقية: المنع كسياسة ممنهجة

في سياق تفسير هذه الظاهرة، يرى محمد عبد السلام، مدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن ما يحدث مع دور النشر ليس مجرد إجراء إداري عابر. وفي تصريحات لـ «عربي21»، أوضح عبد السلام أن "منطق المنع الأمني والسياسي سمة من سمات السلطة الحالية بامتداد سنوات طويلة وبأشكال وطرق مختلفة".

وأضاف عبد السلام أن معرض الكتاب "ليس أول ولا آخر حالة يتم فيها المنع دون ذكر أسباب"، معتبراً أنها "ممارسة شائعة تمتد للسينما والمهرجانات وملاحقة المبدعين قضائيّاً بدوافع أمنية بعيداً عن الشكل الذي اتخذه المنع". وشدد على أن الهدف النهائي من هذه الممارسات هو "تقييد المساحات ومنع أي صوت مختلف في البلد بشكل نهائي".

تاريخ من الإقصاء.. من "الشبكة العربية" إلى "الكتب خان"

لم تكن "المرايا" الحالة الوحيدة، بل أعادت للأذهان وقائع استبعاد وثقتها تقارير حقوقية وصحفية في الدورات الأخيرة:
مثل الشبكة العربية للأبحاث (2022) التي أُغلقت فروع مكتبتها بالقاهرة والأسكندرية، واعتقل موظفيها لأيام، وصودرت كتبها بتهم إدارية وصفتها الدار بأنها ستار لدوافع سياسية.

وأوضّح الناشر "نواف القديمي" مدير الشبكة لأ "عربي21" قائلاّ : " إدارات معارض الكتب لا تصدر قرارات بالمنع عادة، ولكن تكتفي بعدم الموافقه على طلب دار النشر بالمشاركة بالمعرض".

كما أكد على مشاركة الشبكة في دورات المعرض كافة منذ 2009، حتى منعها فجأة في العام 2022 قائلاّ : "الشبكة العربية تُشارك بانتظام في معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ العام 2009، ولم تتخلف عن المشاركة عاماً واحداً.

لكنها لم تحصل على الموافقة في معرض القاهرة للعام 2022، بدون إبداء أسباب، لكن في تقديري أن الأمر يعود لقرار أمني، لأن الشبكة العربية كان لها مكتبتان في مصر إحداهما في القاهرة والأخرى في الإسكندرية، وتعرضت المكتبتان لحملات تفتيش عدة مرات، وتم احتجاز موظف من كل مكتبة ليومين، وكانت التهم وجود كتب إثارية، رغم أن الكتب التي تم "تحريزها" يتم بيعها وبيع ما هو أجرأ منها في معرض القاهرة كل عام. وبسبب تكرر عمليات التفتيش أدى ذلك لأخذ الشبكة قراراً بغلق مكتباتها في مصر آخر عام 2021.

دار «الكتب خان» و«التنوير» أيضّا واجهتا منعاً مفاجئاً قبل ساعات من افتتاح الدورة السابقة ، ما أثار موجة تضامن واسعة قبل أن تعود "الكتب خان" لاحقاً بعد وساطات.

وهو الأمر الذي حدث على صورة أقسى مع دار «تنمية» التي غابت لسنوات على خلفية سجن صاحبها "خالد لطفي" بسبب نشر كتاب مترجم، قبل أن تعود للمشاركة العام الماضي وسط إحتفاء لافت من الجمهور والمبدعين على حد سواء.

تحديات لوجستية واقتصادية

إلى جانب "المقص الأمني"، يواجه ناشرون آخرون "منعاً اقتصادياً" نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار إيجار الأجنحة، والتي وصلت زيادتها في بعض الفئات إلى 250%. هذه التكاليف تهدد بتغييب الناشرين المستقلين لصالح المؤسسات الكبرى، مما يقلص التنوع الفكري الذي طالما ميز معرض القاهرة.

وأخيرّا يبقى معرض القاهرة الدولي للكتاب مساحة لصراع مستمرّ بين الرغبة في التوسع الاحتفالي، وبين قيود الرقابة والضغوط الاقتصادية، ليكون القارئ هو المتضرر الأول من غياب أصوات أثرت المكتبة العربية لسنوات.
التعليقات (0)