لا يقتصر التحريض الإسرائيلي على قوى المقاومة الفلسطينية، بل امتد مؤخرًا الى السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، بزعم أنها مُدرّبة في الخارج، ومُجهّزة بالأسلحة بموجب اتفاقيات أوسلو، وتدرس أساليب جيش الاحتلال، فضلا عن اتهام الحكومة بالتستّر عليها.
بوعاز هعتسني الكاتب اليميني في صحيفة "
يديعوت أحرونوت" العبرية، ذكر أن "إعلان الجيش قبل أيام عن تنفيذ شرطي فلسطيني لعملية إطلاق نار في الضفة الغربية على جنود إسرائيليين ليس الأول من نوعه، رغم تعريف هذه الشرطة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنها "شريكة" يُفترض أن تتعاون معها أمنيًا، ولذلك حرصت في جميع الحالات السابقة على عدم ذكر الحقيقة المرة بأن هؤلاء كانوا أعضاءً في فتح، وبينما دأب المتحدث السابق باسم الجيش، دانيال هيغاري، على نشر أخبار القضاء على مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي و"آخرين"، فقد كانت السلطة الفلسطينية تُقيم جنازات رسمية لهم"، ونُشرت جميع التفاصيل الدقيقة على الإنترنت".
وأضاف في مقال ترجمته "
عربي21" أن "الجهاز الأمني الإسرائيلي دأب طوال سنين ماضية على "التستّر" على عناصر فتح المشاركين في العمليات المعادية للاحتلال، لكن هذا التغيير الجديد قد يكون نتيجة تغيير في قيادة جهاز الأمن العام- الشاباك، وربما يُعزى لتراكم معلومات مُقلقة للغاية نُشرت مؤخرًا حول عمق استعدادات فتح وعناصرها لخوض صراع واسع النطاق، بعد أن اتضح أن لدى "الشرطة الفلسطينية" "لجنة تدريب عسكري عامة".
وأشار أن "الشرطة الفلسطينية أعلنت عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك أن كبار ضباطها يتلقون محاضرات حول "مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وأساليب فهمه، بهدف تحسين قدرات المشاركين القيادية"، و"دراسة نماذج واقعية لأساليب الأمن الإسرائيلي تُمكّن الضباط من فهم المخاطر والتحديات المحيطة"، وبترجمة هذه الدروس عمليًا، يتعلمون كيفية التغلب على الأساليب الإسرائيلية لحماية المستوطنات ومعسكرات الجيش وخط التماس، وكل ذلك يعني الاستعداد للهجوم التالي".
وأوضح أنه "في فيلم وثائقي مثير للقلق عُرض مؤخرًا، يُشاهد أفراد من جهاز الأمن الفلسطيني يتدربون بزيّ تكتيكي مطابق لزيّ مقاتلي جيش الاحتلال، ومسلحين ببنادق يستخدمها الجنود الإسرائيليون، وارتفع عدد أفراد الشرطة التي يفترض أن تضم 18 ألفًا، إلى 60 ألفًا، يتدرب قادتهم في الأردن وباكستان والجزائر، على أساليب قتالية عسكرية تقليدية تشمل تدريبًا منتظمًا للمشاة، واستخدام المدرعات والمدفعية والقناصة والرشاشات الثقيلة والقفز بالمظلات، وتضم وحدات كوماندوز، وأجهزة استخبارات، وأكاديمية عسكرية، وقدرات سيبرانية".
وزعم أن "أفراد الشرطة وأجهزة الأمن الفلسطينية يتلقون أهم تدريب في الأردن، بالتعاون مع الجيش الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية (CIA)، في إطار اتفاقيات أوسلو، وهذه قوة تتطور على أساس نظام التعليم المعادي للاحتلال المتشدد في السلطة الفلسطينية ونظام مكافآت عائلات الأسرى والشهداء، فيما تتعامل دولة الاحتلال مع هذا التهديد، وسمحت مؤخرًا بتزويدهم بمركبات مدرعة وبنادق قنص ورشاشات، وربما حتى صواريخ "آر بي جي" شوهدت بحوزتهم، تم تزويدهم بها بموافقة إسرائيلية".
وأوضح أن "كل هذا التراكم، يشكل جيشًا ضخمًا يهدد مئات المستوطنات خلف الخط الأخضر وداخله، ويبلغ طوله 350 كيلومترًا، وصولًا لمركز الدولة حيث تل أبيب وغوش دان، ولعل أبعد نقطة وصل إليها مقاتلو حماس في هجوم السابع من أكتوبر هي مستوطنة أوفاكيم، البعيدة 23 كيلومترًا في خط مستقيم عن حدود غزة، وهذه المسافة من الخط الأخضر تصل وسط تل أبيب، وتشمل أكبر المراكز السكانية وأهم المرافق الاستراتيجية، بما فيها مطار بن غوريون، وقواعد سلاح الجو، ومعسكرات الجيش، ومرافق أمنية أخرى لا داعي لذكرها".
وزعم أيضا، أنه "في إطار وهم السلام مع الفلسطينيين، وبموافقة الاحتلال ورضاه، نشأ جيش بالغ الخطورة في الضفة الغربية، وهذا سيناريو واقعي للغاية بحدوث نموذج متكرر لهجوم الطوفان على الأطراف الجنوبية الغربية من الدولة، ولعل الحلقة المفقودة الوحيدة لنشر هذه القوة هي الأسلحة الثقيلة، وبكميات كبيرة، ويمكن أن يعزى ذلك لمحاولات التهريب البري على الحدود، والقطار الجوي للطائرات بدون طيار الثقيلة التي تنقل كميات غير مسبوقة من الأسلحة من مصر والأردن".
وأشار أن "الكميات الكبيرة من المدافع الرشاشة وصواريخ آر بي جي، وربما المُسيّرات المتفجرة، تجعل من الممكن تجهيز جيش السلطة والمنظمات الأخرى إلى مستوى سيجعل الاحتلال يفقد السيطرة، كما يتنقل أفراد أمن السلطة الفلسطينية في كل مكان داخل دولة الاحتلال، إما من خلال بطاقات الشخصيات المهمة، أو من خلال عبور السياج بسهولة، كما ظهر في التحقيقات الأخيرة التي أثبت قدرة المسلحين على السفر ذهابًا وإيابًا من نابلس إلى تل أبيب".
وتكشف هذه السطور التحريضية عن تخوف إسرائيلي من تحول القضية الفلسطينية إلى مسألة عالمية متوافق عليها، بالتوازي مع تراجع قيمة المشروع الصهيوني لدى القوى الاستعمارية، إلى حدّ الاعتراف بالمقاومة الفلسطينية التي تأسست للقضاء على الاحتلال، وتتزود بالسلاح والأرض والموارد والشرعية الدولية، فيما يترقب الاحتلال تنفيذ هجوم طوفان جديد من الضفة الغربية هذه المرة.