صحافة دولية

ماريا نسيت شكل الطعام وألوان الفواكه.. صحيفة أمريكية تكشف مثالا لمأساة غزة

مئات الأطفال توفوا نتيجة المجاعة في غزة- لقطة شاشة من المجلة
نشرت مجلة "ذي أتلانتك" مقالا للصحفية غادة عبد الفتاح تناولت فيه المجاعة في غزة وضحاياها وخصوصا من الأطفال.

وقالت إن عامين فترة طويلة في حياة طفلة في السابعة من عمرها، حيث وجدت والدة ماريا الفقي لها دفتر تلوين يحتوي على صور فاكهة. لكنها عالقة في أحد الصفحات و تسأل والدتها: "ما هذا؟" لا تعرف اللون المناسب. تقول والدتها: "أصفر". إنه أناناس.

وخلال العامين الماضيين من الحرب في غزة، قالت والدتها أن ماريا "نسيت ألوان الطعام وحتى أشكاله".

ةحتى أيار/ مايو، استشهد أو جُرح أكثر من 50,000 طفل، وفقا لليونيسف، منذ بدء القصف الإسرائيلي على غزة.

وأعلنت لجنة من خبراء الأمن الغذائي، بدعم من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي عن وجود مجاعة في مدينة غزة والمناطق المجاورة، وأن نصف مليون شخص يواجهون ظروفا "كارثية".

وتتوقع اللجنة أن تنتشر المجاعة جنوبا في الأسابيع المقبلة، إلى مناطق مثل دير البلح، حيث تعيش ماريا وعائلتها في مخيم مع مئات العائلات الأخرى.

وأدى القصف الإسرائيلي إلى إتلاف أو تدمير معظم المساكن في غزة، بما في ذلك منزل ماريا، وانتقلت عائلتها - والدتها، إسلام؛ ووالدها، رامي؛ وإخوتها، بيان، وملك، وفداء - إلى هنا بعد أن فقدوا منزلهم، وهو شقة مستأجرة في مخيم جباليا للاجئين.

وأُنشئ المخيم من قبل الأمم المتحدة عام 1948، وبُني على مدى عقود ليصبح حيا حضريا، قبل أن يُهدم إلى حد كبير في أوائل الحرب.

وهذا الشهر، زارت الصحفية عائلتهم، وبعد وصولها بفترة وجيزة، وفي صباح أحد الأيام، أيقظت إسلام ابنتها فداء، البالغة من العمر 14 عاما.

وقالت إسلام: "يلا، هيا بنا. وصلت شاحنة المياه"، فيما تمتمت فداء قائلة: "كلما حلمتُ أحلاما جميلة، توقظني وتُفسدها. وعندما لا أحلم، لا أحد يوقظني." ومع ذلك، لم تتأخر. ارتدت سترة بقلنسوة وركضت خلف رامي، تحمل وعائين فارغين لتعبئة المياه.

وتقول الكاتبة في مقالها، إنه عندما وصلت فداء إلى الشارع، لم تكن وحيدة، ففي كل اتجاه، امتدت الخيام في المسافة المتربة؛ ويقول الناس إن المزيد من العائلات يصلون باستمرار.

ومن كل خيمة، كان الأطفال حفاة الأقدام يخرجون، ممسكين بأباريق الماء، وقوارير بلاستيكية، وأواني طهي قديمة، ودلاء سُدّت ثقوبها بقطع من البلاستيك التي تم تسخينها.

وسارع الآباء خلفهم، يصرخون بالتعليمات أو يحذرون الأطفال بالبقاء في الطابور، إذ يقوم العديد من الأطفال بهذه المهمة لأنهم أصغر حجما، وأقدر على التسلل بين الحشود، وقد يحصلون على خدمة أسرع من الصنابير.

واندفع بعض الشباب الأكبر سنا، محاولين الوصول إلى الشاحنة أولا. لقد رأت فداء كل شيء من قبل، لكن الألفة لم تجعل المشهد أكثر أمانا أو أقل فوضى. شقت طريقها إلى المصب، وملأت أوانيها، ثم ركضت عائدة إلى الخيمة، حيث أفرغت إسلام وبناتها الأكبر الأواني في خزان أكبر. ودون توقف، ركضت فداء للخارج مرة أخرى.

وضغطت إسلام وعاءين صغيرين في يدي ماريا قائلة: "اذهبي مع أختك"، فيما كانت ماريا أبطأ، فانتظرت على حافة الحشد مع الوعاءين الإضافيين بينما اندفعت فداء جيئة وذهابا لملئها. جرح المقبض البلاستيكي راحتي فداء، ارتجفت ذراعاها. أرادت أن ترتاح للحظة لكنها لم تستطع المخاطرة بمغادرة الشاحنة قبل أن تملأ الخزان.

وأخيرا، ألقت آخر نقلة وانهارت في خيمة عائلتها.

وتضيف الكاتبة، أنه فوق سريرها، ألصقت أجزاء من حياة أخرى: رسومات ولوحات وصور لفرقتها الموسيقية الكورية المفضلة، بي تي إس.

زقالت لي: "أعرف جميع الأغاني؛ أغنيتها المفضلة هي 'الحياة تستمر'. تقول إن الحياة تستمر، حتى في أصعب الظروف. أشعر وكأنها تتحدث إليّ. نستيقظ، نحضر الماء، نقف في طابور الخبز - وفي اليوم التالي، تبدأ الحياة من جديد. تستمر الحياة".

ولم يكن لدى فداء وقت طويل للراحة. ففي الساعة العاشرة صباحا، أخذت هي وماريا طبقا معدنيا صغيرا إلى المطبخ المجتمعي، حيث يقدم أحد المتطوعين حصصا غذائية ضئيلة - عدس وأرز، وأحيانا معكرونة.

وتنهدت فداء قائلة: "أتمنى لو يصنعون شيئا مختلفا. إنه دائما نفس الشيء. ولا يكفي أبدا" وفق المقال.

وعند عودتها إلى الخيمة، جمعت فداء وماريا بقايا الحطب لإشعال النار. قالت إسلام: "نحرق أي شيء نجده." كانت تُعدّ العجين للخبز الذي يتم خبزه على صفيحة معدنية محروقة فوق النيران. لم يكن الحطب كافيا: كان على فداء الذهاب إلى السوق لشراء المزيد من الحطب.

وفي الطريق، توقفت فداء عند كشك شحن بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن غزة في الأيام الأولى للحرب، وكذلك الوقود لمحطة الطاقة الوحيدة.

ومنذ ذلك الحين، يعتمد الناس في الغالب على الألواح الشمسية المتناثرة للحفاظ على بعض الهواتف المحمولة قيد التشغيل ولشحن بطاريات المصابيح. سلمت فداء هواتف والدتها وأخواتها للرجل الذي يدير كشك الشحن، حيث كانت الهواتف والأجهزة اللوحية مكدسة فوق بعضها البعض، كل جهاز ينتظر دوره للشحن بالتيار المولد من الشمس.

ووصلت فداء إلى كشك خشب حيث عرض عليها صاحبه كيلوغراما مقابل 10 شواكل - ما يقرب من 3 دولارات، كان غالي الثمن، فكرت، ومضت - فقط لتجد كشكا آخر يطلب 11 شيكلا.

عادت وسلمت العشرة على مضض. عند عودتها إلى الخيمة، قالت فداء لأمها، بمزيج من الفخر والاستسلام: "أساوم مرتين فقط. لا أكثر".

وبحلول منتصف النهار، كانت الحرارة لا تُطاق وكانت ماريا، مثل العديد من الأطفال الصغار هنا، تعاني من نتوءات وطفح جلدي على وجهها وجسمها - طفح جلدي صغير ناتج عن الحرارة والأوساخ والعرق.

وقالت إسلام: "تحاول خدشها، لفركها عن بشرتها، لكننا ننصحها ألا تفعل". توسلت للاستحمام، لكن "الماء غير كافٍ".

وعندما خفت حرارة الشمس أخيرا، ارتجلت فداء لعبة. وجدت عجلتين مهجورتين لشاحنة، وفركتهما حتى أشرقتا. قالت: "نظفتهما كما لم ينظفهما أحد من قبل". كدستهما وغطتهما بوشاح والدتها - أصبحا الآن مكتبا في مدرسة وهمية. لاحقا، تجمع الأطفال في الخارج حول نار صغيرة. تسللت ثلاث قطط بالقرب - سيمبا، ومشمش، وغدّوش. كان فراؤهن متشابكا، وأجسادهن نحيلة. ضحكت الفتيات بهدوء بينما كانت القطط تتعثر فوق بعضها البعض لجذب الانتباه، بحسب المقال.

وقالت إسلام إنها تشاهد طفولة بناتها تتلاشى. إما أنهنّ منهكات من مشاغل البقاء، أو يشعرن بالملل فقبل الحرب، كانت ابنتها الكبرى تذهب إلى الجامعة والآن "لا خيارات أمامهن".

كانت فداء طالبة مجتهدة؛ تعلمت الإنجليزية، وتدربت على غناء الراب بالكورية. الآن هي "أيدينا وأقدامنا؛ تحمل العائلة". تشعر إسلام أن ماريا لم تعش طفولة على الإطلاق.

وعندما سمعنا صوت غارة جوية إسرائيلية لأول مرة، لم يكن سوى همهمة منخفضة بعيدة - هدير محرك ثقيل في السماء. جاءت ماريا ووقفت بجانب والدتها. و

مع اقتراب الصاروخ، ازداد الضجيج عمقا، وملأ الهواء بثقل حاد ومندفع. تشبثت ماريا بأمها، وجسدها الصغير يضغط عليها بقوة.

همست إسلام: "تظن أن احتضاني سيُزيل الصوت".