تتباهى
الحكومة
المصرية بارتفاع
الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 57 مليار دولار
بنهاية أيلول/سبتمبر 2026، باعتباره دليلا على قوة الاقتصاد واستقراره، بينما يظل
الجنيه عرضة للتراجع، وتتزايد أعباء الديون، وتتواصل الضغوط على معيشة المواطنين.
لكن الأخطر من ذلك هو الثمن الذي تدفعه الدولة لتكوين هذا الاحتياطي؛ من استدانة
خارجية، وتسييل للأصول، ومنح حقوق
استثمارية طويلة الأجل في مناطق استراتيجية،
فضلا عن الاعتماد على أموال ساخنة قابلة للهروب في أي لحظة. وهنا يبرز السؤال: هل
أصبح الاحتياطي النقدي وسيلة لحماية الاقتصاد، أم تحول إلى غاية تستنزف موارده
وتضع استقلال قراره الاقتصادي تحت ضغوط الحاجة إلى الدولار؟
من حيث المبدأ، يمثل
الاحتياطي النقدي أحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي، إذ يوفر للدولة القدرة على
تمويل الواردات الضرورية، والوفاء بالالتزامات الخارجية، ومواجهة الصدمات الطارئة.
غير أن الحكم على سلامة الاقتصاد لا يتوقف عند حجم الاحتياطي، وإنما يمتد إلى مصادر
تكوينه، ومدى استدامتها، والالتزامات المقابلة لها. فهناك فرق جوهري بين احتياطي
يتراكم نتيجة فائض الصادرات وتدفقات الاستثمار الإنتاجي، وآخر يرتفع بفعل القروض
والودائع الخارجية واستثمارات المحافظ المالية قصيرة الأجل.
تزداد المشكلة تعقيدا مع أعباء الدين الخارجي، حيث تتطلب أقساط الديون وفوائدها تدفقات دولارية منتظمة، بصرف النظر عن قدرة الاقتصاد على توليد هذه التدفقات من موارده الإنتاجية. وهكذا تدخل الدولة في دائرة مرهقة؛ تقترض لتغطية احتياجاتها، ثم تحتاج إلى مزيد من الموارد الأجنبية لسداد التزاماتها
وهنا تكمن إحدى
مشكلات الاقتصاد المصري؛ إذ إن ارتفاع الاحتياطي لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في
صافي الثروة الخارجية للدولة. فقد تدخل مليارات الدولارات إلى البلاد فتزيد الأصول
الأجنبية، لكنها تقابَل في الوقت نفسه بالتزامات يتعين سدادها مستقبلا، وربما
بفوائد مرتفعة. ومن ثم فإن الاحتفاء بارتفاع الاحتياطي دون النظر إلى طبيعة موارده
وتكلفتها قد يقدم صورة غير مكتملة عن حقيقة الوضع الاقتصادي.
والواقع أن الضغوط
على الجنيه ليست ظاهرة نقدية منفصلة عن بنية الاقتصاد، وإنما تعبير عن اختلال
مستمر بين الطلب على النقد الأجنبي والقدرة الذاتية على توليده. فالاقتصاد المصري
يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلع الوسيطة والرأسمالية ومستلزمات الإنتاج، فضلا
عن احتياجاته الاستهلاكية والاستراتيجية. وكلما ارتفع النشاط الاقتصادي دون زيادة
مقابلة في المكون المحلي، ارتفع الطلب على الدولار، وتحول النمو نفسه إلى مصدر
إضافي للضغط على العملة.
وتزداد المشكلة
تعقيدا مع أعباء الدين الخارجي، حيث تتطلب أقساط الديون وفوائدها تدفقات دولارية
منتظمة، بصرف النظر عن قدرة الاقتصاد على توليد هذه التدفقات من موارده الإنتاجية.
وهكذا تدخل الدولة في دائرة مرهقة؛ تقترض لتغطية احتياجاتها، ثم تحتاج إلى مزيد من
الموارد الأجنبية لسداد التزاماتها، وتضطر إلى الاقتراض مجددا لإعادة تمويل ديون
سابقة.
أما الأموال الساخنة،
التي تتدفق إلى أدوات الدين الحكومية بحثا عن العوائد المرتفعة، فتمثل وجها آخر
لهذه المعضلة؛ صحيح أنها توفر سيولة دولارية وتساعد على تخفيف الضغوط الآنية على
سوق الصرف، لكنها بطبيعتها سريعة الحركة، تدخل حين ترتفع العوائد وتنخفض المخاطر،
وتخرج عندما تتغير الظروف المحلية أو العالمية. ولذلك فإن الاعتماد عليها يجعل
استقرار العملة رهينا بقرارات المستثمرين الأجانب وتحركات أسعار الفائدة في
الأسواق الدولية.
والأخطر أن اجتذاب
هذه الأموال يتطلب غالبا المحافظة على أسعار فائدة مرتفعة، بما يحمله ذلك من تكلفة
مزدوجة؛ فمن ناحية ترتفع أعباء خدمة الدين العام، ومن ناحية أخرى تزيد تكلفة
التمويل على المشروعات الإنتاجية، وتتراجع قدرتها على الاستثمار والتوسع وتوفير
فرص العمل. وهكذا تصبح السياسة النقدية مطالبة بحماية العملة من خلال أدوات قد
تضعف، على المدى الطويل، القاعدة الإنتاجية اللازمة لحمايتها.
ويبرز هنا ما
يمكن تسميته "لعنة الاحتياطي"، حين يصبح تعظيم الأرصدة الدولارية هدفا
في ذاته، ولو على حساب موارد الدولة وأصولها الاستراتيجية. فبدلا من زيادة النقد
الأجنبي بالإنتاج والتصدير، يجري اللجوء إلى الاقتراض وتسييل الأصول، كما حدث في
صفقة رأس الحكمة، وما يثار بشأن مشروعات مماثلة على البحر الأحمر. وتمتد التساؤلات
إلى الودائع الخليجية المدرجة ضمن الاحتياطي، ومدى تأثير الحاجة إلى تجديدها في
استقلال القرار السياسي، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالتعاون العسكري وإرسال
القوات إلى الخارج. وهكذا قد ترتفع أرقام الاحتياطي، بينما تتراجع قدرة الدولة على
التصرف بحرية في مواردها وقراراتها، وتصبح السيادة الاقتصادية والسياسية عرضة
لضغوط الحاجة إلى الدولار.
ويأتي خروج
الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين والأسهم المصرية ليزيد المشهد تعقيدا، وهو ما
حذرنا من مخاطره حين طالب الرئيس السيسي رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى بتوفير ما
يصل إلى 200 ألف وحدة سكنية للإيجار تحت مسمى المسؤولية الاجتماعية. فقد أكدنا أن
تحميل المستثمرين التزامات خارج الأطر القانونية والضريبية الواضحة، ولو تحت لافتة
المسؤولية الاجتماعية، يبعث برسالة سلبية إلى المستثمر المحلي والأجنبي، ويقوض
الثقة في استقرار بيئة الاستثمار. فالدولة لها ضرائبها وقوانينها التي تنظم حقوقها
والتزامات المستثمرين تجاهها، أما المطالبات الاستثنائية فتفتح الباب أمام ما يشبه
الإتاوات، وتدفع المستثمر إلى البحث عن بيئة أكثر أمنا واستقرارا. ورغم أن تخارج
بعض الاستثمارات بدأ قبل هذه التصريحات، فإن ذلك لا ينفي خطورة الرسالة التي
تحملها للمستثمرين.
في خضم هذه المعادلة يدفع المواطن المصري الفاتورة الأكبر، فتراجع الجنيه يرفع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج، وينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات، بينما تتآكل القوة الشرائية للأجور والمدخرات
وفي خضم هذه المعادلة
يدفع المواطن المصري الفاتورة الأكبر، فتراجع الجنيه يرفع تكلفة الواردات ومدخلات
الإنتاج، وينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات، بينما تتآكل القوة الشرائية
للأجور والمدخرات. ولا تعوض الزيادات الاسمية في الدخول بالضرورة ما تفقده الأسر
من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. ولذلك فإن قضية سعر الصرف ليست مجرد
أرقام تتغير على شاشات البنوك، وإنما قضية معيشية واجتماعية تمس حياة الملايين.
ولا يعني ذلك أن
الاحتفاظ باحتياطي نقدي مرتفع أمر غير مطلوب، أو أن تحرير سعر الصرف وحده مسؤول عن
الاختلالات القائمة؛ فالاحتياطي ضرورة، ومرونة سعر الصرف قد تكون أداة لامتصاص
الصدمات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأدوات النقدية إلى بديل عن الإصلاح
الاقتصادي الحقيقي، وعندما يصبح تدبير الدولار أكثر أهمية من بناء القدرة على
إنتاجه.
إن المخرج لا يكمن في
مزيد من الاقتراض، ولا في رفع الفائدة لجذب الأموال الساخنة، وإنما في إعادة ترتيب
الأولويات الاقتصادية، وتوجيه الموارد نحو الزراعة والصناعة والأنشطة القادرة على
إحلال الواردات وزيادة الصادرات، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، مع تمكين القطاع
الخاص المنتج، وترشيد الإنفاق العام، وإخضاع المشروعات الكبرى لمعايير الجدوى
الاقتصادية والعائد الحقيقي على المجتمع.
كما يتطلب الأمر
استراتيجية جادة لإدارة الدين العام، تحد من التوسع في الالتزامات الخارجية، وتربط
الاقتراض بقدرة المشروعات على توليد موارد تكفي لخدمته وسداده، بدلا من تحميل
الأجيال القادمة أعباء لا تقابلها طاقات إنتاجية حقيقية.
إن قوة العملة ليست
قرارا إداريا، ولا نتيجة تلقائية لارتفاع الاحتياطي النقدي، بل هي انعكاس لقوة
الاقتصاد الذي تقف وراءه. ولن يتحقق الاستقرار المستدام للجنيه ما دام الاقتصاد
يعتمد على الخارج في تمويل جانب كبير من احتياجاته والتزاماته.
فالجنيه لا يستمد
قوته من مليارات تقترضها الدولة، ولا من أموال ساخنة تستضيفها الأسواق، وإنما من
اقتصاد ينتج ما يستهلك، ويصدر ما يصنع، ويولد من موارده ما يكفي لاحتياجاته
والتزاماته.
x.com/drdawaba
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.