في عالم
السياسة، لا بد من قراءة ما هو أبعد من التصريحات، ففهم الخطابات بشكلها المباشر
والسطحي هو نوع من السذاجة؛ فلكل كلمة ثقل، ولكل تصريح غرض، خاصةً عندما يتعلق
الأمر بدولة بحجم
مصر وموقعها الإقليمي.
فالتصريح أو
التلميح بالمشاركة في حرب إقليمية على سبيل المثال ربما يكون هدفه الرئيس هو منع توسّعها؛
لأن الطرف المصري يملك ثقلاً وتقديراً لدى الأطراف اليمنية والإقليمية. وربما تكون
المجاملة المعلنة بالاستعداد الكامل للدفاع عن الأشقاء تجعل الطلب الفعلي للمشاركة
أمراً أكثر حرجاً للطرف الآخر؛ لأنه قد يظهره بمظهر الضعف، أو يُبيّن أن تحالفاته
الأخرى لم تكن مجدية. وفي الوقت ذاته، لو لم تُقدم مصر على مثل هذه التصريحات،
لخرجت الأبواق الإعلامية بالتساؤل واللوم: كيف لمصر ألا ترُدّ الجميل لمن وقفوا
بجوارها؟ لذا، فإن التعامل مع أي تصريح سياسي بشكله المباشر هو قراءة قاصرة للمشهد.
وهذا المنطق
التحليلي لا ينطبق على مناورات السياسة الخارجية فحسب، بل يمتد بذات القدر والعمق إلى
الشأن الداخلي.
فحتى التصريحات
المتعلقة بالدستور والانتخابات التي ظهرت لها عشرات التفسيرات، واعتبرها البعض
رسائل
تاريخية بينما شكك آخرون في صحتها؛ لم يتساءل أحد عن أبعادها الحقيقية: هل هذه الرسائل
في هذا التوقيت مقصود بها الخارج أم الداخل؟ هل هي قطع طريق أمام ترتيبات قادمة؟ هل
هي مبادرة لجمع المعارضة في صف الدولة؟ أم أن إشعال الفتيل مبكراً كان الهدف منه اختبار
ردود الأفعال؟ وكيف ستنعكس تلك التصريحات على مؤسسات الدولة وكيف سيتم التعامل معها؟
مهما كانت الدوافع
الخفية خلف الخطابات والبيانات، فإن الاندفاع العاطفي لتفسيرها بشكل مباشر ومستعجل
هو افتقاد واضّح للنضج السياسي؛ لأن السياسة وإن حسُنت النوايا هي لعبة معقدة واسعة
المجال، لا يمكن الحكم عليها أو فهم أبعادها من منظور أحادي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.