حصيلة الانتخابات في المغرب: الحبل على الجرّار

عادل العوفي
"التدقيق في الأرقام يقودنا لخلاصات مغايرة كلياً "للواجهة الخادعة" التي قد تمليها الإحصائيات النهائية"- عربي21
"التدقيق في الأرقام يقودنا لخلاصات مغايرة كلياً "للواجهة الخادعة" التي قد تمليها الإحصائيات النهائية"- عربي21
شارك الخبر
"الحبل على الجرار"..

لعل هذا أنسب مثل عربي ينطبق على الواقع "الجديد" الذي أفرزته الانتخابات في المغرب؛ سواء إذا تعلق الأمر بوصف رمز الحزب "المتوج" أي "الجرّار"، وأيضاً للنتيجة التي آل إليها السباق الانتخابي والترتيب النهائي الذي يشير إلى احتلال حزب "الأصالة والمعاصرة" للمرتبة الأولى متبوعاً بحزب "التجمع الوطني للأحرار"، وعاد المركز الثالث لحزب "الاستقلال"؛ ما يعني أن الثلاثي الذي شكل الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها هو ذاته المحتكر للمقاعد الأمامية رغم الاختلاف البسيط في الترتيب بين الثنائي المعلوم؛ لهذا فنفس الديباجة ستتكرر وتستمر وإن اختلفت الصيغة وتغيرت الحبكة بفعل "الخدوش" التي لم تلتئم بعد، حين استعرت الحملات الانتخابية فانقلب الأول على الثاني وفضح الأخير "شريكه" ونشر الغسيل الوسخ على الملأ. لكن هل أدى مسلسل "الفضائح" هذا لمعاقبة الفاعلين؟

الحقيقة أن الجواب معقد للغاية، فبالنظر لسلّم النتائج قد يتبادر للذهن أن "التركيبة الثلاثية" نجت بأعجوبة وقفزت على كل المطبات و"انتصرت"؛ لكن التدقيق في الأرقام يقودنا لخلاصات مغايرة كلياً "للواجهة الخادعة" التي قد تمليها الإحصائيات النهائية. ومن هذا المنطلق لا بد أن نعود للنقطة المفصلية التي تهم نسبة المشاركة وعدد المتخلفين والمقاطعين للتصويت والأرقام التي خسرتها ذات الأحزاب رغم تبوئها لكرسي الصدارة.

كارثة الأرقام:
يمكن تصنيف حزب "العدالة والتنمية" بالفائز الأكبر في هذا الاستحقاق الانتخابي ليمحو "كبوة" سنة 2021، حيث انتعش حضوره وحصيلة مقاعده من 13 إلى 54 وليصعد للمركز الرابع، مستفيداً من زلات أحزاب الائتلاف الحكومي التي لا تنتهي

كشفت وزارة الداخلية المغربية أن نسبة المشاركة بلغت 38.02 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية؛ مقابل 50.35 في المائة في انتخابات سنة 2021، ما يعني تراجعاً بأكثر من 12 نقطة مئوية؛ مع العلم أن عدد المسجلين هذا العام بلغ 15.801 مليون ناخب، أي أن 6.007 مليون شاركوا في الانتخابات. لكن عند احتساب عدد السكان ضمن سن التصويت فهم يقدرون بحوالي 26.27 مليون شخص، ما يعني أن نسبة المصوتين يمثلون نحو 22.9 في المائة فقط من مجموع السكان المؤهلين للتصويت، مقابل نحو 77.1 في المائة قرروا عدم المشاركة في الاقتراع.

وتشير أرقام أخرى صادمة أن نسبة مشاركة الشباب (من 18 إلى 24 سنة) لم تتجاوز 4 في المائة من المسجلين، رغم حجمهم الديموغرافي 11 في المائة، مع بقاء أكثر من 2.05 مليون شاب خارج اللوائح؛ مع العلم أن نسبة أدنى مشاركة سُجلت في انتخابات 2007 ولم تتجاوز 37 في المائة.

كل ما سبق يعكس حقيقة مُرة لطالما سعت الأحزاب لنفيها وإنكارها، والاقتصار على تصدير خطابات وهمية لا تمت للواقع بصلة. والمثير للسخرية أن هؤلاء تجاوبوا وفرحوا ورقصوا طرباً بعد الإعلان عن النتائج النهائية، غير مكترثين لهذه الأرقام الكارثية التي تكشف بجلاء أن السواد الأعظم من الشعب المغربي لم يشارك وأشهرَ ورقة المقاطعة والرفض، بل وفقد الأمل في هذه "النخب" المفلسة سياسياً وأخلاقياً وعلى جميع الأصعدة.

عودة الروح للعدالة والتنمية:

قطعاً يمكن تصنيف حزب "العدالة والتنمية" بالفائز الأكبر في هذا الاستحقاق الانتخابي ليمحو "كبوة" سنة 2021، حيث انتعش حضوره وحصيلة مقاعده من 13 إلى 54 وليصعد للمركز الرابع، مستفيداً من زلات أحزاب الائتلاف الحكومي التي لا تنتهي، بعد أن لعب دوراً محورياً في المعارضة وكشف قضايا أثارت الجدل والنقاش، وفضحت حكومة "تضارب المصالح" وملفات فساد ضخمة أججت غضب الشارع المغربي، وكانت السبب الرئيس وراء تدهور نسبة المشاركة في الانتخابات، وفعّلت لدى فئات أخرى خاصية التصويت العقابي الذي استفاد منه الحزب ذو الخلفية الإسلامية.

وتتجلى عودة الروح لحزب "العدالة والتنمية" من خلال عدد الأصوات الكبيرة التي حصدها، حيث احتل المركز الثاني خلف "الأصالة والمعاصرة" بمجموع بلغ 753,944 صوتا، لكن حسابات القاسم الانتخابي والتقطيع إلى دوائر محلية هي من حتمت عليه تبوأ المركز الرابع من ناحية ترتيب المقاعد. وهنا لا يمكن تجاهل "الهدايا المجانية" التي تلقاها الحزب من منافسيه الذين خدموه من حيث لا يدرون، سواء من خلال المداخلات الإعلامية في الإذاعات والقنوات التلفزيونية وحرص بعض الأسماء "المغضوب عليها"، لا سيما من المهللين "للتطبيع" والمطبلين ،لأسماء انتهت صلاحيتها وأضحت أوراقاً محروقة رسمياً وشعبياً، وهذا ما تلقفه "بدهاء" الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران الذي "استثمر" الأمر في سلسلة خرجات ولقاءات مع أنصاره؛ لينجح في إصلاح العديد من الأعطاب التي رافقت حصيلته الحكومية في ولايتين، حيث تلطخت وتضررت صورته بحدة بعد الانخراط فيما يصطلح عليه "اتفاقات أبراهام".

لكن النقطة الإيجابية الأخرى التي تحسب للحزب الإسلامي تكمن في رد فعله الحاسم والسريع بالتموضع ضمن خارطة المعارضة مجدداً، ليغلق الباب أمام أية مشاورات محتملة للانضمام للتحالف الحكومي المنتظر والمغلف بالحيرة، لا سيما في ظل عدم إعلان القصر الملكي لحدود اللحظة عن اسم رئيس الحكومة الجديد؛ الذي من المنتظر أن يكون من الحزب المتصدر أي "الأصالة والمعاصرة" المتعدد الرؤوس؛ من فاطمة الزهراء المنصوري إلى فوزي لقجع والمهدي بنسعيد.

أية حكومة؟
حصيلة هذه الانتخابات تختزل موقف عموم الشعب المغربي من أشباه السياسيين المتسيدين للمشهد اليوم، وأن أداءهم التمثيلي الهزيل لم ينطلِ على أحد؛ رغم ضرورة الاعتراف بوجود هوة ملفتة بين المنتمين للعالمين القروي والحضاري في نسب التصويت والاختيارات

نعود للأرقام التي تقول بأنه لا يحق للأحزاب الثلاثة الانتشاء بالنتائج المحصل عليها، لأنها جميعاً عوقبت ولم ينجح أي منها في الوصول للأغلبية المرجوة، وحصدت تراجعاً رهيباً يعكس فشلها الذريع أثناء توليها الحكومة. والكل يتساءل عن الخريطة الجديدة التي سينهجها الحزب المكلف بتشكيل الحكومة، لا سيما وأن علاقته بـ"شريكه السابق" تضررت بل وفضحت المستور، وحتى لو نجحا في ترميمها فإن المواطن سيتعامل مع الخطوة بأنها "تمثيلية فاشلة جديدة" ستؤدي للمزيد من الإجراءات التي تستهدف القدرة الشرائية وتستنزف جيوب المواطنين المنهكين أساساً.

لذلك، تبدو الخيارات ضئيلة لا سيما في ظل إمكانية الاصطدام بمعارضة أكثر قوة هذه المرة، بعد صعود "تحالف اليسار" واسترجاع "العدالة والتنمية" لقوته المعهودة وحرصه على المضي قدماً في مجابهة الملفات العريضة التي ستثقل كاهل الحكومة، وأيضاً للصورة "المعطوبة" أصلاً لحزب "الجرار" والتي لم يتوانَ زعيم حزب "المصباح" في السخرية منها واستحالة التحالف معه لأن "تاريخه" تشوبه الشكوك، وأنه لن يتوانى في إسقاطه لأنه يرى تياره عائداً بقوة أكبر في استحقاق 2031، استناداً لما حدث اليوم ومعطيات أخرى.

المؤكد أن حصيلة هذه الانتخابات تختزل موقف عموم الشعب المغربي من أشباه السياسيين المتسيدين للمشهد اليوم، وأن أداءهم التمثيلي الهزيل لم ينطلِ على أحد؛ رغم ضرورة الاعتراف بوجود هوة ملفتة بين المنتمين للعالمين القروي والحضاري في نسب التصويت والاختيارات؛ حيث ما زالت سطوة "الأعيان" تؤدي دورها بجدارة، والدليل أن حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي يدعي الدفاع عن الحداثة نال في القرى 63 مقعداً من أصل 97 التي ظفر بها؛ فهل يتبنى أهل القرى ذات التوجه "الحداثي" إذن؟

وحزب "التجمع الوطني للأحرار" حصد 40 مقعداً من أصل 66 في المجال نفسه، وكلنا يعي العلاقة الوثيقة بين هذين الحزبين وورقة "الأعيان"؛ وهذا مجرد غيض من فيض مما عرّاه وكشفه هذا السباق الانتخابي؛ لأن الخلاصات كثيرة جداً..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)