يمثل التجديد
الفقهي في العصر الحديث ضرورة ملحة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم،
وما تفرزه من قضايا ونوازل لم تعرفها المدونات الفقهية القديمة بصورها الراهنة. غير
أن التجديد المنشود لا يعني تجاوز التراث أو الانفصال عن أصول الشريعة، كما لا يعني
الارتهان لاجتهادات صيغت في سياقات تاريخية وظروف مغايرة، وإنما يقوم على معادلة دقيقة
تجمع بين أصالة المرجعية وحسن تنزيلها على الواقع، وبين ثبات الأصول ومرونة الفروع،
وبين دلالات النصوص ومقاصد الشريعة الكبرى.
وفي هذا السياق
يبرز مشروع فقه الميزان الذي طرحه الدكتور علي محيي الدين القره داغي بوصفه رؤية تأصيلية
تسعى إلى ترسيخ منهج متوازن في النظر الفقهي، يضع القضايا والأحكام والمصالح في مراتبها
التي تليق بها، ويمنح كل جانب قدره ووزنه من غير إفراط ولا تفريط، فلا تطغى الجزئيات
على الكليات، ولا تُقرأ النصوص بمعزل عن مقاصدها، ولا يُغفل عند تنزيل الأحكام ما تؤول
إليه من نتائج وآثار.
مفهوم فقه
الميزان:
ينطلق فقه
الميزان من حقيقة أصيلة في التصور الإسلامي، مؤداها أن الشريعة قائمة على العدل والميزان،
وأن إقامة القسط مقصد عظيم من
مقاصد الرسالات السماوية. وقد قرن القرآن الكريم بين
إرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان، فقال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ".
ومن هذا المنطلق،
لا يعود الميزان مجرد قيمة أخلاقية عامة، وإنما يغدو منهجا ناظما للفهم والاجتهاد والترجيح
والتنزيل، إذ يحتاج الفقيه إلى أن يزن الأدلة، ويدرك مراتب الأحكام، ويوازن بين المصالح
والمفاسد، ويستحضر
الأولويات والمآلات، ويمنح كل عنصر من عناصر العملية
الاجتهادية
وزنه الذي يستحقه بعيدا عن الغلو والتفريط. وفي ضوء هذا التصور، لا يكفي أن يستند الحكم
إلى دليل جزئي معزول عن سائر الأدلة والكليات، بل ينبغي أن ينتظم داخل رؤية متكاملة
تستحضر النص والمقصد، والجزئي والكلي، والثابت والمتغير، والواقع والمآل، حتى يستقيم
النظر الفقهي وتتحقق الغاية من الاجتهاد والتنزيل.
بين الثوابت
والمتغيرات:
ومن أبرز الموازين
التي يقوم عليها الاجتهاد المعاصر التمييز الدقيق بين الثوابت والمتغيرات، فثمة أصول
وقطعيات راسخة لا تتبدل بتبدل الأزمنة والأمكنة، وفي مقابلها مجال رحب للاجتهاد، يتأثر
بالعرف والواقع والمصلحة واختلاف الظروف والأحوال. وقد ينشأ الخلل في هذا الباب من
اتجاهين متقابلين: اتجاه يبالغ في توسيع دائرة الثوابت حتى يكاد يضفي على كل اجتهاد
فقهي تاريخي صفة الدوام وعدم القابلية للمراجعة، واتجاه آخر يوسع دائرة المتغيرات حتى
تمتد إلى ما استقر بنصوص قطعية وأصول محكمة. أما فقه الميزان، فيسعى إلى وضع كل منهما
في موضعه الصحيح، فيصون للشريعة ثوابتها ومرجعيتها، ويفتح في الوقت نفسه آفاق الاجتهاد
فيما يقبل النظر والتجديد. وبهذا التوازن تحتفظ الشريعة بأصالتها وهويتها، وتظل قادرة
على مواكبة تحولات الحياة والاستجابة لمستجداتها.
الموازنة بين
النص والمقصد:
ولا يقيم المنهج
المتوازن تعارضا بين النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة، فالمقاصد تستمد وجودها ودلالتها
من استقراء النصوص ومجموع أحكامها، كما أن النصوص ينبغي أن تفهم في إطار البناء التشريعي
الكلي والغايات الكبرى التي جاءت الشريعة لتحقيقها. ومن هنا يرفض فقه الميزان القراءة
الجزئية التي تستحضر نصا وتغفل سائر النصوص، أو تتشبث بدلالة جزئية مع إهمال المقصد
العام الذي تنتظم في إطاره الأحكام. وفي المقابل، يرفض اتخاذ المقاصد ذريعة لتعطيل
النصوص أو تجاوز دلالاتها وأحكامها. فالعلاقة بين النص والمقصد في الاجتهاد الرشيد
ليست علاقة تنازع أو افتراق، وإنما هي علاقة تكامل واتساق، فالنص يضبط مسار الاجتهاد
ويرسم حدوده، والمقصد يكشف عن حكمته ووجهته وموقعه في البناء الكلي للشريعة. ومن اجتماع
الاثنين يتشكل النظر الفقهي المتوازن الذي يحفظ للنص سلطانه، وللمقصد حضوره، وللاجتهاد
قدرته على التعامل الواعي مع الواقع.
فقه الواقع
وفقه المآلات:
ومن المعالم
البارزة في مشروع فقه الميزان ضرورة إدراك الواقع إدراكا دقيقا قبل تنزيل الحكم الشرعي
عليه، إذ لا تكفي سلامة الدليل وصحة الاستدلال إذا اختل تصور الواقعة التي يراد الحكم
عليها. وقد استقر في النظر الفقهي أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأن دقة الحكم
تظل رهينة بدقة فهم الواقع الذي ينزل عليه. وقد ازدادت الحاجة إلى هذا الأصل في عصرنا،
بعدما غدت النوازل الاقتصادية والطبية والسياسية والاجتماعية أكثر تشعبا وتعقيدا، وتداخلت
في تكوينها تخصصات ومعارف متعددة. ومن ثم لم يعد من الممكن معالجة كثير من القضايا
المعاصرة بمعزل عن فهم دقيق لحقائقها وملابساتها، والاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص
فيما يحتاج إلى معرفة فنية أو علمية.
ويتصل بفقه
الواقع اتصالا وثيقا فقه المآلات، إذ لا يقتصر النظر الاجتهادي على معرفة الحكم في
صورته المجردة، بل يمتد إلى استشراف ما يفضي إليه تنزيله من نتائج وآثار. وقد أصل علماء
المقاصد لهذا المعنى، وجعلوا اعتبار مآلات الأفعال أصلا معتبرا في الاجتهاد، لأن الحكم
لا ينفصل عن آثاره، والتنزيل الرشيد لا يستقيم من غير تبصر بعواقبه. ومن هنا يجمع فقه
الميزان بين سؤالين متلازمين: ما حكم الشرع في هذه المسألة؟ وكيف ينزل هذا الحكم على
الواقع بما يحقق مقصوده، ولا يفضي إلى نتائج تناقض الغاية التي شرع من أجلها؟ وفي الجمع
بين هذين السؤالين تتجلى الصلة الوثيقة بين صحة التأصيل وحسن التنزيل.
المصالح والمفاسد
وفقه الأولويات:
وتحتل الموازنة
بين المصالح والمفاسد مكانة محورية في هذا المنهج، فالحياة الإنسانية لا تسير دائما
في مسارات مثالية خالصة، بل كثيرا ما تتزاحم فيها المصالح، وتتداخل المنافع والمضار،
وتتعارض بعض المصالح مع بعض المفاسد، فيصبح من واجب الفقيه أن يدرك مراتبها، ويزن آثارها،
ويضع كل واحدة منها في منزلتها التي تستحقها. وهنا يلتقي فقه الميزان بفقه الأولويات،
فالواجبات ليست في مرتبة واحدة، كما أن المصالح والمفاسد ليست سواء في أقدارها وآثارها.
وقد يؤدي الانشغال بأمر مشروع إلى تفويت ما هو أولى وأعظم منه، كما قد يفضي السعي إلى
دفع مفسدة محدودة من غير تقدير دقيق للعواقب إلى مفسدة أشد وأوسع أثرا. ومن ثم يسعى
فقه الميزان إلى ترتيب سلم الاهتمامات وفق معايير الشريعة ومقاصدها، فيقدم الكليات
على الجزئيات، والضروريات على الحاجيات والتحسينيات، ويراعي المصلحة العامة عند تعارضها
المنضبط مع المصلحة الخاصة، ويزن الأمور بقدر آثارها واتساع مداها وما تنتهي إليه من
مآلات. وبذلك لا يصبح فقه الأولويات مجرد ترتيب شكلي للأعمال، وإنما يتحول إلى وعي
عميق بمراتب الأحكام والمصالح، يضع الأهم قبل المهم، ويمنح كل قضية من العناية بقدر
موقعها وأثرها.
من الفقه الفردي
إلى فقه الأمة:
ولا تقف آفاق
فقه الميزان عند حدود العبادات والمعاملات الفردية، بل تمتد لتشمل قضايا المجتمع والأمة،
والعلاقات الدولية، والاقتصاد والسياسة والاجتماع، لأن الفقه في جوهره ليس منعزلا عن
حركة الحياة، وإنما هو حاضر في مختلف مجالاتها، موجه لمساراتها ومجيب عن أسئلتها المتجددة.
والفقه الذي
يتصدى لقضايا الأمة الكبرى لا يستطيع أن ينظر إليها بعقلية المسألة الفردية المنعزلة
عن سياقها العام. فقضايا السلم والحرب، والاقتصاد والتنمية، والأقليات المسلمة، والعلاقات
بين الدول والشعوب، والمشاركة السياسية، والمؤسسات المالية الحديثة كلها قضايا مركبة
تحتاج إلى نظر كلي يستوعب شبكة واسعة من النصوص والمصالح والظروف والمآلات.
وفي هذا السياق
تتجلى أهمية الاجتهاد الجماعي، إذ إن تشابك الحياة الحديثة وتعقد نوازلها يجعلان الإحاطة
بجميع جوانب المسألة أمرا قد يتجاوز قدرة المجتهد الفرد. ومن هنا يصبح التعاون بين
الفقهاء وأهل الاختصاص في الاقتصاد والطب والقانون والاجتماع والسياسة ضرورة يقتضيها
الاجتهاد الرشيد، وجزءا من تحقيق الميزان في التعامل مع قضايا العصر.
الوسطية ليست
موقفا بين طرفين:
ومن المعاني
الدقيقة التي يكشف عنها فقه الميزان أن الوسطية الشرعية ليست نقطة حسابية تقع في منتصف
المسافة بين اتجاهين متعارضين، وليست محاولة للتوفيق بين الأطراف أو إرضائها، وإنما
حقيقتها أن يوضع كل شيء في موضعه، وأن يعطى كل أمر قدره وفق ميزان الشرع. فقد يكون
الحق في قضية من القضايا أقرب إلى أحد الطرفين، وقد يقتضي مقام ما حزما لا يحتمل التساهل،
كما قد يقتضي مقام آخر تيسيرا ومرونة. ومن ثم لا يعني الاعتدال التفريط في الثوابت
أو التنازل عنها، كما أن التمسك بالثوابت لا يستلزم التضييق في دائرة المتغيرات أو
التشدد فيما وسعت فيه الشريعة.
وبهذا المعنى
يغدو الميزان أعمق من أن يكون مجرد شعار للوسطية، فهو يقدم منهجا يساعد على استجلاء
الموقف الشرعي المتوازن في كل قضية، في ضوء الأدلة والمقاصد، والواقع والمآلات بعيدا
عن الإفراط والتفريط.
مشروع يحتاجه
الاجتهاد المعاصر:
وتكمن القيمة
الجوهرية لمشروع فقه الميزان عند الدكتور علي محيي الدين القره داغي في سعيه إلى جمع
عناصر النظر الفقهي التي قد تتفرق في الممارسة الاجتهادية، فيلتقي فيه النص بالمقصد،
والجزئي بالكلي، والثابت بالمتغير، والمصلحة بالمفسدة، والواقع بالمآل، وتتوازن فيه
الحقوق والواجبات كما يتكامل فيه النظر إلى الفرد مع النظر إلى المجتمع والأمة. وليس
المراد بذلك إنشاء فقه جديد منفصل عن أصول الفقه الموروثة بقدر ما هو استنهاض لتلك
الأصول وإعادة تفعيلها في إطار منظومة متوازنة، تستمد جذورها من التراث الأصولي والفقهي،
وتستجيب في الوقت نفسه لتعقيدات الواقع وتحديات العصر.
فالأمة اليوم
لا تحتاج إلى فقه يقطع صلته بتراثها، كما لا تحتاج إلى فقه يظل أسيرا لصور الماضي وظروفه،
وإنما تحتاج إلى اجتهاد راسخ الجذور، رحب الآفاق، يحسن فهم النص كما يحسن قراءة الواقع،
ويحفظ للثوابت مكانتها، ويستوعب حركة المتغيرات، وينظر إلى الجزئيات في ضوء الكليات،
ويقرأ الحاضر بعين تستشرف مآلات المستقبل.
ومن هذا المنظور
يمكن النظر إلى فقه الميزان بوصفه دعوة إلى استعادة روح التوازن في الاجتهاد الإسلامي،
ذلك التوازن الذي يبقي الفقه وفيا للوحي، وثيق الصلة بالواقع، مستحضرا لمقاصد الشريعة،
وقادرا على الإسهام في معالجة أسئلة الإنسان والمجتمع والأمة في عالم سريع التحول.
فالميزان في
نهاية المطاف، ليس مجرد باب يضاف إلى أبواب الفقه، بل هو منهج في النظر وميزان في الاجتهاد،
به تستقيم الأولويات، وتتوازن المصالح والمفاسد، وتقرأ النصوص في سياقها الكلي، ويتصل
الحكم بواقعه ومآله ليظل الاجتهاد راسخا في أصوله، متجددا في عطائه، قادرا على مواجهة
تحديات عصره دون أن يفقد أصالته أو بوصلته.
المراجع:
1. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، فقه الميزان:
معيارا لفهم القرآن والسنة، ورفعا لمواطن الخلل والفرقة.
2. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الوجيز في فقه
الميزان.
3. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الارتقاء من
مقاصد الشريعة إلى المنظومة المقاصدية.
4. الموقع
الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.