هندسة الوعي (31): استراتيجية الصدمة.. فض رابعة

مصطفى خضري
"رابعة لم تنتهِ بانتهاء الميدان، بل تحولت إلى علامة في ذاكرة جيل كامل، وحين تتحول الصدمة إلى ذكرى حية، فإنها تنقلب على صانعها"- جيتي
"رابعة لم تنتهِ بانتهاء الميدان، بل تحولت إلى علامة في ذاكرة جيل كامل، وحين تتحول الصدمة إلى ذكرى حية، فإنها تنقلب على صانعها"- جيتي
شارك الخبر
في المقالات الماضية من هذه السلسلة استعرضنا الظواهر البشرية الأصيلة الـ (21) التي يتخذها مهندسو الوعي مداخل لاختراق الإنسان وإعادة توجيهه؛ من الحاجة إلى القدوة والانتماء والأمل والمعنى وصولاً إلى الرغبة في الانضباط المعرفي والحاجة إلى اليقين. وقد رأينا كيف أن هذه الظواهر في أصلها نِعَم إنسانية أصيلة، لكنها تتحول إلى ثغرات حين يستهدفها فينا الآخرون. الآن، وقد فرغنا من تتبع المداخل التي يتسلل منها مهندسو الوعي، ننتقل إلى السؤال الآخر: كيف تُدار هذه المداخل؟ وما هي الاستراتيجيات التي تحول المظاهر البشرية الطبيعية إلى مشروع إخضاع وإعادة توجيه للوعي؟

أول هذه الاستراتيجيات، وأكثرها رسوخاً في ذاكرة الجماعات: هي استراتيجية الصدمة. ليست الصدمة هنا مجرد عنف، فالعنف حاضر في كل حرب وكل نزاع. الصدمة هي العنف حين يُوظَّف في توقيت محسوب لا ليحسم معركة، بل ليخلخل وعي جماعة كاملة ويفتحها على قبول المخالف لقناعاتها. القصد إذن ليس من يسقط مباشرةً، بل من يظل واقفاً يشاهد. هؤلاء هم الهدف؛ أن يُصابوا في عقولهم لا في أبدانهم.

وحين نشرت الصحفية الكندية نعومي كلاين كتابها عقيدة الصدمة عام 2007 كانت تُوثّق شيئاً رأته يتكرر في التاريخ المعاصر دون تسمية دقيقة. الفكرة في جوهرها أن اللحظات الكبرى من الأزمات والكوارث والصدمات الجمعية لا تُستغل فرصةً للإصلاح الحقيقي، بل تُستغل ذريعةً لفرض أجندات كانت ستُرفض في الظروف العادية. الصدمة تُعطّل الإرادة الجمعية مؤقتاً، وفي هذه الفجوة الزمنية يُسارع مهندسو الوعي إلى إعادة رسم الخريطة.

الإنسان قابل للكسر. والصدمة، إذا أحسنوا توظيفها، لا تبقى لحظة ألم عابرة، بل تتحول إلى مدخل يقتحم منه مهندسو الوعي ويُسكنون العقول سكناً جديداً. ولو عدنا إلى القرن الماضي، لوجدناها لم تكن تنظيراً على ورق، بل ممارسة تكررت في ميادين مختلفة

لكن كلاين وصفت الظاهرة في سياقها الاقتصادي والسياسي الغربي، وما يُضيفه هذا المقال أن عقيدة الصدمة في صورتها الأشد قسوة تتجاوز استغلال الأزمة إلى صناعتها؛ لا تنتظر الصدمة حتى تحدث بل تُحدثها بنفسها، تُصمّمها وتُوقّتها وتُديرها وتتحكم في روايتها، ثم تقطف ثمارها في الوعي الجمعي المُروَّع.

لكن هذه الاستراتيجية لم تخرج من عدم، فالعلم، في ثلاثة تجارب كبرى، سبق أن رأى ما لم يره كثير من السياسيين: أن في الإنسان مواضع إذا ضُغطت انكسر، وأن من يعرف مواضع الكسر يملك مفاتيح توجيهه. في أواخر الستينيات، كان مارتن سيليغمان في معمله الأمريكي يدرس الاكتئاب، لا السياسةـ لكن ما انتهى إليه كان أبعد من الاكتئاب وأشد تعلقاً بالسياسة مما تصور. كان يضع الحيوان في قفص مقسوم جزأين، أحدهما مكهرب والآخر آمن. في البداية، كان الكلب يقفز من الجزء المكهرب إلى الجزء الآمن فور إحساسه بالصدمة. ثم غيّر سيليغمان التجربة؛ جعل الصعق يشمل الجزأين معاً بحيث لا مفر من الألم. وبعد فترة، أعاد فتح الممر الآمن، وجعل الصعق في جزء واحد. النتيجة كانت مذهلة: الكلب لم يعد يقفز، بقي جاثماً في مكانه يتلقى الصدمات، حتى حين صار الخروج من القفص أمامه بخطوة واحدة.

ما اكتشفه سيليغمان لم يكن خاصاً بالكلاب، بل كشف عن قانون عام: الكائن الحي الذي يتعرض لألم لا يملك السيطرة عليه يتعلم العجز. يتوقف عن المحاولة، لا لأن النجاح مستحيل، بل لأن الفشل صار هو التوقع الوحيد. وهذا بالضبط ما تريده عقيدة الصدمة من الجماعات البشرية: أن تُنتج جيلاً تعلم أن كل محاولة للفعل الجمعي تنتهي بالعقاب، فيترك المحاولة من تلقاء نفسه.

الاكتشاف الثاني خرج من مكان أشد عتمة. في الخمسينيات، كان الطبيب النفسي الكندي إيوين كاميرون يدير مصحة في مونتريال، بينما كانت وكالة المخابرات الأمريكية تمول أبحاثه سراً ضمن مشروع عُرف لاحقاً باسم "MK-ULTRA". كان كاميرون مقتنعاً بأن الشخصية الإنسانية يمكن محوها بالكامل ثم إعادة كتابتها من الصفر، وكان يستخدم لهذا الغرض وسائل تكسر العقل: صدمات كهربائية متكررة أقوى من المعتاد، وحرماناً حسياً طويلاً، وجرعات هائلة من العقاقير المشوشة. أطلق على طريقته اسم إلغاء التمييز النفسي، أي كسر الروابط الداخلية في الذهن حتى يصبح صاحبه صفحة بيضاء قابلة لإعادة الكتابة.

لم يكن كاميرون يهتم بالسياسة، لكن ما فعله في غرف المصحة اكتشفه السياسيون لاحقاً بحدسهم الخاص: الصدمة الكبرى حين تُوجَّه إلى جماعة كاملة تفعل شيئاً يشبه ما كانت تفعله أجهزته بالأفراد. إنها تكسر خط الوعي البشري، وتربك الذاكرة الجمعية، وتجعل الناس مستعدين لقبول ما كانوا يرفضونه قبل الصدمة، لا لأنهم اقتنعوا به، بل لأنهم لم يعودوا يملكون بنية ذهنية يرفضون بها. الصدمة تطفئ العقل النقدي مؤقتاً، وفي تلك اللحظة بالذات يعمل مهندسو الوعي.

أما الاكتشاف الثالث فلم يأتِ من المختبر هذه المرة، بل من ردهات الاقتصاد وأدراجه النظرية. هناك مدرسة اقتصادية نشأت في جامعة شيكاغو بقيادة ميلتون فريدمان، كانت ترى أن المجتمعات لا تقبل الإصلاحات الجذرية في الأوضاع العادية، لأن أي تغيير كبير يهدد مصالح وتقاليد راسخة، فيقاومه الناس بشراسة. لكن ثمة استثناء واحداً: الأزمات الكبرى، فحين تمرض الجماعة، حين تصاب بالصدمة، حين تفقد توازنها، تذوب مقاومتها مؤقتاً، وتصير قابلة لإعادة التشكيل.

كتب فريدمان عن هذه الفكرة في مقالاته، لكن تلاميذه هم من حولوها إلى برنامج عمل. وقد صيغت الفكرة فيما بعد في عبارة صارت شعاراً للتقنيين الذين يعملون في الظل: لا تُضع أزمة جيدة بلا استغلال. وبالفعل، من تشيلي إلى روسيا إلى العراق إلى غيرها، كان النمط يتكرر: الصدمة أولاً، ومن بعدها تُفرض القرارات التي ما كانت لتُفرض على جمهور مذهول. لا يهم إن كانت الصدمة عسكرية أو طبيعية أو مالية، المهم أنها تفتح النافذة التي لا يمكن فتحها بالنقاش الهادئ.

هذه الاكتشافات الثلاثة، على تباين ميادينها، تلتقي عند نقطة واحدة: الإنسان قابل للكسر. والصدمة، إذا أحسنوا توظيفها، لا تبقى لحظة ألم عابرة، بل تتحول إلى مدخل يقتحم منه مهندسو الوعي ويُسكنون العقول سكناً جديداً. ولو عدنا إلى القرن الماضي، لوجدناها لم تكن تنظيراً على ورق، بل ممارسة تكررت في ميادين مختلفة.

المشهد الأول: هيروشيما وناجازاكي. في آب/أغسطس 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على مدينتين يابانيتين مكتظتين بالمدنيين، بينهما ثلاثة أيام فقط. الرواية السائدة يومها قالت إن الهدف كان إنهاء الحرب وتجنيب العالم غزواً برياً أطول وأكثر دموية. لكن الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية لاحقاً كشفت أن اليابان كانت تتحسس طريقها نحو الاستسلام قبل هيروشيما، وأن القيادة العسكرية اليابانية أبلغت الإمبراطور بأن الاستمرار في القتال صار مستحيلاً. فلماذا أُلقيت القنبلتان إذن؟ حين تُقرأ الواقعة في إطار عقيدة الصدمة، يتضح أن الهدف لم يكن يابانياً فحسب، بل كان عالمياً. فالاتحاد السوفييتي كان يرقب المشهد، والقنبلتان كانتا رسالة له قبل أي شيء آخر: نحن نملك ما لا تملكون.

ثم إن اليابان نفسها صارت بعد الصدمة حقل تجربة لإعادة تشكيل شاملة؛ دستور جديد كتبه الأمريكيون بأنفسهم، ونصّ على تجريد اليابان من حق امتلاك جيش حقيقي، واقتصاد أُعيد بناؤه وفق النموذج الأمريكي، وهوية ثقافية أُعيد تشكيل جزء منها بأدوات ناعمة امتدت عقوداً. الصدمة النووية لم تكن نهاية حرب، بل كانت بداية ترتيب جديد للعالم.

أما المشهد الثاني فيأتي من تشيلي. في أيلول/سبتمبر 1973، قصف الجنرال بينوشيه قصر لا مونيدا الرئاسي وأطاح بسلفادور أليندي، أول رئيس ماركسي يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. الثورة التي قادها بينوشيه لم تكن مجرد انقلاب عسكري، بل كانت توطئة لمختبر اقتصادي كامل. بعد الانقلاب مباشرة، وصل إلى سانتياغو فريق من الاقتصاديين الذين درسوا في جامعة شيكاغو على يد ميلتون فريدمان، وأُطلق عليهم اسم شيكاغو بويز. هؤلاء اقتصاديون شباب فُرضوا على الدولة التشيلية بقوة الدبابة، وبدأوا فوراً في تطبيق برنامجهم: خصخصة كل شيء، فتح الأسواق أمام رؤوس الأموال الأجنبية، تفكيك الخدمات العامة، تحويل التعليم والصحة إلى سلع.

الصدمة العسكرية كانت وظيفتها أن تُسكت أي مقاومة محتملة؛ فمن يجرؤ على الاعتراض على سياسات اقتصادية جذرية بعدما رأى المدرعات تقصف القصر الرئاسي؟ النتيجة كانت أن تشيلي صارت مختبرا حقيقيا لعقيدة الصدمة، قبل أن ينتشر النموذج في بقية العالم.

أما المشهد الثالث فكان في العراق. في آذار/مارس 2003، شنت الولايات المتحدة حرباً أطلقت عليها قواتها اسم الصدمة والترهيب. الاسم نفسه كان اعترافاً صريحاً بالفكرة التي تقوم عليها الاستراتيجية؛ فالحملة لم تكن تهدف إلى هزيمة الجيش العراقي فحسب، بل إلى خلق حالة من الانهيار الشامل الذي يجعل المجتمع كله طيّعاً. وبعد سقوط بغداد، حدث ما لا يمكن تفسيره بمنطق الاحتلال التقليدي، فقد أُصدر قرار بحل الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك الأجهزة الأمنية والمؤسسات البيروقراطية في يوم واحد؛ رجل كان يحمل رتبة عسكرية أو وظيفة في الدولة وجد نفسه فجأة بلا عمل وبلا دخل وبلا هوية مؤسسية. النتيجة كانت فراغاً شاملاً ابتُلعت فيه مؤسسات الدولة بأسرها.

هذا التفكيك لم يكن فوضى عابرة، بل كان مصمماً بعناية؛ فالمجتمع الذي فقد مؤسساته يفقد معها قدرته على الفعل الجمعي، ويصير جاهزاً لإعادة بناء على الشكل الذي يريده المحتل. وحين خرج وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ليقول للكاميرات إن الفوضى في شوارع بغداد نتيجة طبيعية لتحرر الشعوب، كان يكذب بابتسامة واثقة؛ الفوضى كانت هي الخطة لا نتيجتها.

ثلاثة مشاهد، ثلاثة أطوار: في هيروشيما جاءت الصدمة استباقاً، وفي تشيلي استغلالاً، وفي العراق تدميراً. وفي كل مرة، كانت الصدمة أولاً، ثم يعاد التشكيل. غير أن ما جرى في مصر بعد عقود كان من نوع أبعد وأدهى؛ لأن الصدمة فيه لم تكن أداة لتمرير إصلاح اقتصادي أو سياسي فقط، بل كانت أداة لإعادة ضبط الوعي الجمعي بأكمله، فقد تم فيها تطبيق التجارب الثلاثة، سيليغمان وإيوين وكاميرون، ومدرسة شيكاغو مرة واحدة.

ولنرجع إلى صيف 2013، حيث كان في ميدان رابعة العدوية بمصر مئات الآلاف من المصريين يعتصمون احتجاجاً على الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد. لم يكن هؤلاء متجانسين تماماً في انتماءاتهم السياسية، لكنهم كانوا يمثلون ظاهرة لها دلالتها الأعمق من مجرد حشد سياسي: كانوا تكرارا لتجربة أولية حدثت قبلها بسنتين في ميدان التحرير، تجربة أكثر إحكاماً في الفعل الجمعي المؤدلج، في مجتمع لم يعرف هذا الفعل منذ أجيال. إنسان اكتشف أنه يستطيع أن يمكث في الميدان لأسابيع ويُدير حياته وطعامه وأمنه وخطابه دون أن يحتاج إلى إذن من أحد، وهذا الاكتشاف وحده كان يُشكّل خطراً أكبر بكثير مما يُدركه كثيرون.

حين قرر النظام المصري فضّ الاعتصام في الرابع عشر من آب/أغسطس 2013، لم يكن القرار أمنياً بالمعنى التقني للكلمة، إذ لم يكن الميدان يُمثّل تهديداً عسكرياً لأحد، كان القرار فكرياً واستراتيجياً بالمعنى الذي تعرفه عقيدة الصدمة: إنتاج حدث صادم بحجم يكفي لإعادة ضبط المشهد برمّته وتحديد من يجرؤ على الفعل الجمعي المستقل ومن لا يجرؤ لسنوات قادمة.

وقد جاء التنفيذ بخصائص عقيدة الصدمة كاملةً؛ السرعة الصباحية المحسوبة حين يكون الجسد الجمعي في أضعف حالاته تيقظاً، والتطويق المحكم قبل الفض حتى لا يكون للصدمة مخرج يخفف أثرها، والتغطية الإعلامية التي أُعدّت مسبقاً بروايتها الجاهزة قبل أن تُجمع الجثث، وتصنيف الضحايا إرهابيين قبل سقوطهم حتى يُحصّن القرار من المساءلة الأخلاقية والقانونية. وقد أفضى ذلك إلى سقوط ما لا يقل عن 800 شخص في يوم واحد وفق التقديرات الأكثر تحفظاً، وأرقام أعلى بكثير وفق شهادات الموجودين في الميدان.

ولكن هل كانت استراتيجية الصدمة كافية لإحداث الأثر دون آليات مساعدة؟ حقيقة الصدمة وحدها لا تكفي، ما يجعلها تعمل هي المنظومة التي تحيط بها وتُكمّلها. وقد استخدم مهندسو الوعي الذين يعملون ضمن مجموعة فض الاعتصام أربع آليات مساعدة لضمان نجاح استراتيجية الصدمة وهي:

أولاً: الإعلام: وهو أخطر هذه الآليات وأكثرها فاعلية؛ فقبل أن يبدأ الفض كانت استوديوهات الفضائيات المصرية الكبرى تبث خطاباً يُؤطّر الاعتصام إرهاباً والمعتصمين خطراً على الوطن. هذا التأطير المسبق أدى وظيفة جوهرية في عقيدة الصدمة: أن يجعل الصدمة مُبرَّرة لشريحة من الجمهور قبل أن تقع، فلا يشعر هذا الجمهور بالرعب من الحدث بل يشعر بالارتياح لأن الخطر قد أُزيل. وهكذا يُحوَّل بعض الجمهور من ضحية محتملة للصدمة إلى شريك نفسي في إنتاجها.

ثانياً: المنظومة القضائية: وقد عملت في اتجاهين؛ شرعنة ما جرى بعد وقوعه عبر أحكام تُضفي على المذبحة صفة الفعل القانوني الضروري، ومحاكمات استمرت سنوات أبقت الصدمة حيّة في الوعي الجمعي كتذكير متجدد بثمن المعارضة.

ثالثاً: ما يسمى بالمجتمع المدني: وربما كانت الآلية الأشد إيلاماً في دلالتها؛ قطاعات واسعة من المثقفين والمهنيين ورجال القانون وزعماء الرأي اختاروا الصمت أو التبرير أو التأييد، وكل واحد من هذه الخيارات أدى وظيفته في تخفيف الضغط الأخلاقي عن صانع الصدمة وتطبيع الحدث في الوعي الجمعي.

رابعاً: شيوخ السلطان: أما الآلية الرابعة فكانت الشاهد على أخلاقيات المنظومة كلها. فحين همّ النظام بفض الاعتصام، وجد في بعض -المحسوبين زوراً على- رجال الدين من يفتح له أبواب الشرعية التي عجزت عنها القوانين. لم يكونوا مجرد شيوخ يسكتون عن الحق؛ بل كانوا دعاة مأجورين في خدمة القرار، بعضهم تحرك طواعية وبعضهم ساقته ملفاته التي تديرها الأجهزة، وكلهم اجتمعوا على مهمة واحدة: موازنة الخطاب الديني الذي كان يمنح الاعتصام سنداً أخلاقياً، بخطاب ديني مضاد يصنع للدم المراق غطاءً من الشبهات.

تهيئة المجتمع لقبول مرحلة جديدة من تركيز السلطة وتضييق الفضاء العام ومحاولة إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن بشروط لم تكن لتُقبل لولا الصدمة التي سبقتها

والأمر لم يقف عند حدود التأييد الصريح، بل تجاوزه إلى وصم المعتصمين بكل نقيصة، وإسباغ الأحكام الدينية الجاهزة على حدث سياسي بامتياز. بدأوا بتقرير أن الخروج على الحاكم المتغلب فتنة لا تجوز، وانتهوا إلى الطعن في عقيدة من خرجوا عليه، وكأن المسألة لم تكن خلافاً سياسياً بين فريقين يتنازعان السلطة، بل معركة إيمانية بين حق مطلق وباطل مطلق. وفي هذا التحويل تحديداً تكمن خطورة هذه الآلية؛ فحين يتحول الشيخ إلى موظف في خدمة السلطان، تهبط معه عقيدته من مرتبة الضمير الذي يحاسب الحاكم والمحكوم على السواء، إلى مرتبة السيف المسلط على رقاب المعارضين وحدهم.

هؤلاء الشيوخ لم يسيئوا إلى أنفسهم فحسب، بل أساءوا إلى الدين الذي نسبوه إلى أفعالهم، وإلى المعرفة التي زعموا أنهم يحملون أمانتها. وما كان أخطر من الدم الذي سال في الميدان، إلا الدم الذي بيع بثمن بخس على موائد الحكام.

وحين ننظر إلى رابعة في ضوء ما تقدم، نتبين أن الأهداف لم تكن مجرد تصفية اعتصام، لم يكن الهدف أن يعرف المصريون من مات في الميدان؛ بل كان الهدف أن يعرفوا ما ينتظرهم إذا فكروا يوماً في الخروج إلى الميدان مرة أخرى. الرسالة لم تكن موجهة لمن كانوا في رابعة وحدهم، بل كانت موجهة إلى كل من يتابع على شاشته ويحسب في قرارة نفسه ثمن المشاركة في أي تحرك قادم. ولم يكن الهدف أن يتوقف تيار سياسي عن المعارضة الفكرية؛ فالخصم الفكري يمكن مجادلته أو تجاهله، كان الهدف أن يتوقف هذا التيار عن الوجود كقوة اجتماعية منظمة قادرة على حشد الناس في الشارع، فبين الخصم الفكري والقوة الاجتماعية فرق كبير، والصدمة صُممت لتعمل على المستوى الثاني لا الأول. ولم يكن الهدف أن يُعاد رسم المشهد السياسي فحسب، بل أن تُعاد حدود الممكن في الوعي الجمعي، فما كان مقبولاً قبل رابعة لم يعد مقبولاً بعدها، وما كان متاحاً قبل الفض لم يعد متاحاً بعده. هذا التحول في حدود المتخيل السياسي هو الأثر الأدوم والأعمق لعقيدة الصدمة.

وفي العمق، كان ثمة هدف رابع: تهيئة المجتمع لقبول مرحلة جديدة من تركيز السلطة وتضييق الفضاء العام ومحاولة إعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن بشروط لم تكن لتُقبل لولا الصدمة التي سبقتها.

ولعل أبلغ ما يكشف نجاح الاستراتيجية في تحقيق أهدافها هي تلك الفترة التي أعقبت الفض مباشرة، حين بدأ النظام في تنفيذ سلسلة إجراءات اقتصادية - مدرسة شيكاغو- لم يكن ليمررها أي حكم في الظروف العادية. فخلال سنوات قليلة، توالت قرارات رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والخبز، وتصاعدت أسعار السلع الأساسية تصاعداً مطرداً، وانخفضت قيمة العملة مرات متتالية، حتى صار ما كان بالأمس القريب من المحظورات التي تسقط حكومات، مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار. واللافت في هذه الإجراءات أنها نُفذت بوتيرة متلاحقة وبثقة تكاد تكون كاملة، دون أن ترافقها أي محاولة جدية لامتصاص الغضب أو تقديم بدائل حقيقية، كأن القائمين عليها كانوا يعرفون، لا يظنون، أن الشارع الذي كان يتحرك لأتفه الأسباب قبل سنوات، صار عاجزاً عن الحركة حتى أمام ما يمس لقمة عيشه مباشرة. وقد صدق ظنهم؛ فلم تخرج مظاهرة واحدة تستحق الذكر، ولم يهتز عرش صانع القرار، بل مضت الإجراءات تترى كأنها قطار لا يتوقف.

هذه الاستراتيجية، على وحشيتها، ليست سلاحاً مثالياً، وتجربة رابعة تكشف عن مواطن الضعف فيها حين تُطبَّق في مجتمعات لديها عقيدة حقيقية. أول ما تكشفه التجربة أن الصدمة تُنتج خضوعاً لا رضا، فالمجتمع الذي يصمت خوفاً لا يصمت قناعة، والفرق بين الصمتين هو ما يحدد طول عمر الأنظمة

هذا الهدوء المصطنع هو ما كانت تنشده عقيدة الصدمة في تطبيقها المصري. فحين يتعلم الناس أن الفعل الجمعي ثمنه باهظ، لا يعود الاقتصاد مجرد أرقام تُعدل بقرار، بل يصير ساحة مفتوحة يمكن لمن يمسك بزمامها أن يفعل ما يشاء دون أن يرف له جفن. الصدمة هنا لم تعمل كعنف مؤقت، بل عملت كرسالة دائمة الاستعمال: جدار مرتفع يستند إليه صانع القرار كلما أراد تمرير ما يستعصي على غيره.

لكن هذه الاستراتيجية، على وحشيتها، ليست سلاحاً مثالياً، وتجربة رابعة تكشف عن مواطن الضعف فيها حين تُطبَّق في مجتمعات لديها عقيدة حقيقية. أول ما تكشفه التجربة أن الصدمة تُنتج خضوعاً لا رضا، فالمجتمع الذي يصمت خوفاً لا يصمت قناعة، والفرق بين الصمتين هو ما يحدد طول عمر الأنظمة. الخائف قد يبقى صامتاً سنوات، لكنه لا ينسى أبداً أنه صامت، وحين تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية فوق ضغط الخوف، تصير المعادلة غير مستدامة، مهما بدت الصدمة الأصلية عظيمة.

وثمة ما لم يكن في حسبانهم: الفضاء الرقمي. فالوثائق لم تكن في أيدي الرواة الرسميين وحدهم، بل كانت في أيدي الناس أنفسهم. الصور والشهادات والتوثيقات انتشرت في الساعات الأولى بعد الفض، وخرجت من رابعة إلى العالم كله، ولا يمكن لأي صدمة أن تمحو ما وثقته كاميرات الهواتف في العصر الرقمي؛ فالذاكرة صارت قابلة للنقل والتخزين خارج الدولة وخارج الزمن.

والأخطر من ذلك أن الصدمة حين تُنتج شهداء تُنتج معهم رموزاً تتجاوز الحدث وتستمر في الوجدان. رابعة لم تنتهِ بانتهاء الميدان، بل تحولت إلى علامة في ذاكرة جيل كامل، وحين تتحول الصدمة إلى ذكرى حية، فإنها تنقلب على صانعها؛ إذ تصبح شاهدة عليه بدلاً من أن تكون أداة في يده.

ويبقى الأمر الأعمق: أن الشرعية المفقودة لا تُستعاد بالقوة. النظام ربح في الميدان، لكن الربح الميداني وحده لا يعيد بناء العقد الاجتماعي الذي تحتاجه الدولة لتستمر، والفجوة بين سلطة مفروضة وشرعية مقبولة تظل مفتوحة، مهما طالت سنوات الصمت. وليس الخروج من هذه الدائرة بإنكار ما جرى ولا باليأس مما يجري، الخروج يبدأ حين ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى يفتحها القرآن حين يتحدث عن الظالمين.

فالصدمة مهما عظمت تبقى فعلاً بشرياً في دائرة الزمن، وما يتجاوز الزمن هو الحق الذي لا تُلغيه صدمة ولا تُطفئه رصاصة. قال الله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ"؛ هذه الآية لا تمنح المؤمن راحة المتقاعس، بل تمنحه صبر الواثق. فالله حين يتحدث عن تأخير الظالمين لا يتحدث عن إهمال، بل عن توقيت آخر.

والصدمة، مهما عظمت، تبقى حدثاً في الزمن، أما الحساب فخارج الزمن. وهذا وحده ما يجعل من الجائز، بل من الواجب، أن تظل عين الإنسان مفتوحة على النهاية. الشعوب التي تعرف هذا لا توقفها الصدمة؛ قد تصمت حيناً، وقد تنحني أحياناً، لكنها تظل تعرف أن الصدمة ليست الفصل الأخير في القصة، وأن الرصاصة التي تُنهي حياة إنسان لا تنهي الحق الذي مات من أجله. الصدمة تصنع أثرها في من لا يبصر غير اللحظة، أما من يعرف أن القصة مجرد وقت، فيقرأ ما يجري بعين المطمئن إلى أن وراء هذا الليل صبحاً، وأن لهذا العالم ربّاً لا يغيب عنه شيء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)