هل انتهى عصر القواعد الأمريكية في الخليج؟

قدرت دراسة أمريكية تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أمريكية- جيتي
قدرت دراسة أمريكية تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أمريكية- جيتي
شارك الخبر
كشفت الحرب مع إيران عن ضعف القواعد العسكرية الأمريكية الكبيرة في الخليج أمام الصواريخ والطائرات المسيرة، ما أعاد إلى الواجهة سؤالا استراتيجيا طالما طرحته واشنطن بشأن جدوى استمرار انتشارها العسكري الواسع في المنطقة، فبعد عقود شكلت خلالها هذه القواعد ركيزة أساسية للحضور الأمريكي، باتت الولايات المتحدة أمام مفترق طرق بين إنفاق مليارات الدولارات لإعادة بناء منشآت ثبت تعرضها للخطر، أو إعادة التفكير في حجم انتشارها العسكري بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تقريرا ناقشت فيه مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، مشيرة إلى أن الهجمات الإيرانية على المنشآت الأمريكية بصواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيّرة أظهرت مدى ضعف القواعد الضخمة، ولا سيما بسبب قربها من السواحل الإيرانية، وأجبرت واشنطن على نقل جنودها وطائراتها إلى مواقع أبعد عن مدى الهجمات.

وشكلت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، على مدى نحو أربعة عقود، ركيزة أساسية للحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

وتمتعت واشنطن بإمكانية الوصول إلى قواعد عسكرية في جميع دول الخليج الرئيسية لأكثر من ثلاثة عقود، لكنها باتت مطالبة الآن باتخاذ قرار بشأن إنفاق مليارات الدولارات على إعادة إعمار هذه المنشآت، أو إعادة النظر في حجم انتشارها العسكري في الشرق الأوسط.

ونقلت الصحيفة عن هال براندز، الباحث في جامعة جونز هوبكنز، قوله إن هذه المنشآت باتت معرضة للخطر بدرجة كبيرة، متوقعاً إعادة توزيع القوات الأمريكية بعيداً عن الخليج العربي، وخارج نطاق القواعد الواقعة ضمن مدى الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة.

ومع تراجع شعبية القواعد الكبيرة والثابتة لدى مخططي وزارة الحرب الأمريكية، الذين يعيدون تصور أساليب خوض الحروب، قد تميل واشنطن إلى نموذج انتشار يجعل استهداف القوات الأمريكية أكثر صعوبة، وقد سرّع هذا التوجه الدعوات القائمة منذ فترة طويلة لتقليص حجم الوجود الأمريكي في الخليج، الذي جسّد لعقود الجانب العسكري لترتيب بدأ باعتباره اتفاقاً يقوم على توفير الأمن مقابل ضمان مصالح واشنطن وحلفائها الإقليميين في مجال النفط.

اظهار أخبار متعلقة



وبدأت القيادة المركزية الأمريكية مؤخرا تجربة توزيع الجنود على مراكز قتالية أصغر حجما، ونقل الطائرات المقاتلة بسرعة عبر مدارج مؤقتة مخصصة للهبوط والإقلاع السريع.

وترى دانا سترول، نائبة مساعد وزير الحرب الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة تستطيع اعتماد أسلوب أكثر مرونة وسرعة، مشيرة إلى أن تصميم القواعد الخليجية المكشوف أصبح من مخلفات حقبة سابقة ولا يتلاءم مع النزاعات الحديثة.

ويبرز حجم المنشآت والبنية التحتية المكشوفة فوق سطح الأرض باعتباره أحد أبرز مصادر القلق بشأن القواعد الأمريكية في الخليج، فقد استهدفت إيران خلال الحرب حظائر الطائرات ومنشآت إعادة الإمداد والبنية التحتية للرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، ما اضطر الأسطول الخامس الأمريكي إلى استخدام جزيرة دييغو غارسيا النائية كمركز إمداد بديل عن مقره المتضرر في البحرين.

وفي ظل هذه الأضرار، يرى نيت سوانسون، المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أنه لا توجد فائدة كبيرة من إعادة بناء هذه المواقع، مشيراً إلى أن الحاجة إلى تمويل إعادة بناء منشآت لم تعد مرغوبة قد تسرّع الاتجاهات القائمة بالفعل.

وقدّر معهد "أمريكان إنتربرايز"، وهو مركز أبحاث في واشنطن، في نيسان/أبريل الماضي، تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أمريكية في سبع دول في الشرق الأوسط بنحو 5 مليارات دولار.

وفي الوقت نفسه، نقلت الولايات المتحدة قواتها إلى الأراضي المحتلة والأردن، كما نفذت عمليات جوية من قواعدها في أوروبا، التي تقع خارج نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي أُطلقت عبر المنطقة، غير أن إعادة تموضع القوات الأمريكية لن تمر من دون أن تتكيف إيران معها.

ومع تنامي اقتناع طهران بأن المواجهة طويلة الأمد مع واشنطن أمر لا مفر منه، يتوقع داني سيترينوفيتش، المحلل السابق لشؤون إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن تستثمر إيران بشكل أكبر في الصواريخ متوسطة المدى القادرة على ضرب الأردن وإسرائيل.

ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه الحاجة إلى الإبقاء على شبكة قواعد أمريكية واسعة، ولا سيما مع سعي الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص انخراطها في الشرق الأوسط وإعادة تركيز اهتمامها على منطقة المحيط الهادئ.

وقالت سترول إن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى هذه القواعد بالطريقة نفسها التي كانت تحتاج إليها في السابق.

اظهار أخبار متعلقة



ومن شأن أي إعادة نظر في الانتشار العسكري الأمريكي أن تنعكس أيضاً على عدد الجنود الموجودين في الخليج، ففي الظروف المعتادة، يتناوب نحو 35 ألف جندي في السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت، لكن ثلاثة من الاستراتيجيين الأمريكيين السابقين في وزارة الدفاع توقعوا أن ينخفض هذا العدد إلى مستويات لم تُسجل منذ ما قبل غزو العراق عام 2003، إلا أن تقليص الوجود الأمريكي يضع واشنطن أمام معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية خفض انتشارها في الخليج من دون زيادة نفوذ إيران أو إثارة مخاوف حلفائها العرب.

وترتيب النفط مقابل الأمن مع الحلفاء الإقليميين، تطور على مدى عقود، بينما بذلت بعض دول الخليج جهوداً متزايدة لتنويع علاقاتها الأمنية بعيداً عن واشنطن. غير أن الحرب مع إيران دفعت جميع الحلفاء إلى إعادة التفكير في طبيعة الالتزام الأمريكي بالدفاع عنهم.

ويرى براندز أن الوضع الحالي يمثل حالة تتعارض فيها الضرورات العسكرية والدبلوماسية، مشددا على ضرورة مواجهة الانطباع بأن الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها وتنسحب من المنطقة. بدورها، قالت سترول إن تحقيق توازن دقيق بين المتطلبات العملياتية للولايات المتحدة والتزامات واشنطن تجاه شركائها أمر ضروري، مشيرة إلى ضرورة تقييم حجم الأصول العسكرية والوجود البشري المطلوبين لضمان أمن دول الخليج.

ويخفي مستقبل المنشآت الأمريكية غير الواضح شعورا متزايدا بوجود مأزق استراتيجي أعمق نتيجة حالة الجمود في المواجهة مع طهران.

ويعود الوجود الأمريكي في الخليج إلى السنوات التي أعقبت الغزو السوفييتي لأفغانستان والإطاحة بشاه إيران عام 1979، حين طرح الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر ما عُرف لاحقاً باسم "مبدأ كارتر"، الذي نص على أن واشنطن لن تسمح لأي دولة معادية بالسيطرة على الخليج، وأنها ستعمل على دحر أي محاولة من هذا النوع بالقوة.

اظهار أخبار متعلقة



وتبع ذلك توسع ضخم في القواعد الأمريكية الدائمة بعد هزيمة العراق في حرب الخليج الأولى. لكن غريغوري برو، المؤرخ والمحلل في مجموعة أوراسيا، يرى أن "مبدأ كارتر" قد انهار، مضيفاً أن هناك شعوراً بأن واشنطن عادت إلى نقطة البداية؛ إذ كانت الثورة الإسلامية في إيران دافعاً لفرض مبدأ كارتر، بينما أدت الحرب مع إيران إلى انهياره.

وفي ظل هذا التحول، يبدو أنه لا يوجد لدى البيت الأبيض مفهوم استراتيجي جديد للشرق الأوسط يمكن أن يساعد في توجيه المسؤولين الذين يسعون إلى تنفيذ مسار متسق للمستقبل في المنطقة.

وقال براندز إن وزارة الدفاع الأمريكية ستضع خططها واستعداداتها بشأن الطريقة التي ينبغي للولايات المتحدة أن تعيد بها توجيه انتشارها العسكري، لكن تنفيذ هذه الخطط بصورة متسقة سيكون صعباً لأنها ستصطدم في مرحلة ما بالرئيس دونالد ترامب.

وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب كثيراً ما صرّح بأنه لا يريد أن يُذكر في التاريخ مثل الرئيس جيمي كارتر، الذي تضررت رئاسته بسبب الثورة الإيرانية واحتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارة الولايات المتحدة بطهران. لكن المفارقة التاريخية، وفق الصحيفة، تتمثل في أن الفشل الاستراتيجي في إيران قد يلاحق ترامب أيضاً، ليسير على خطى كارتر.
التعليقات (0)