دمار هائل.. كيف حول جيش الاحتلال جنوب لبنان إلى منطقة غير صالح للعيش؟

يرى خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية أن طبيعة عمليات التدمير تثير مخاوف من أن تكون مصممة لمنع السكان من العودة إلى مناطقهم- الأناضول
يرى خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية أن طبيعة عمليات التدمير تثير مخاوف من أن تكون مصممة لمنع السكان من العودة إلى مناطقهم- الأناضول
شارك الخبر
لم تعد ملامح الجغرافيا في جنوب لبنان كما كانت؛ فالمشهد الطاغي اليوم هو ركام يمتد على مساحات شاسعة، بفعل آلة التدمير الإسرائيلية العنيفة التي أحالت مساحات واسعة من المناطق السكنية إلى أثر بعد عين، حارمة بذلك أكثر من مليون لبناني من منازلهم التي كانت عامرة بالذكريات.

وفي هذا السياق، كشف تحقيق مرئي أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» بالتعاون مع منظمة «لايتهاوس ريبورتس» عن حجم واسع من الدمار الذي لحق بجنوب لبنان، ولا سيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن عشرات الآلاف من المنازل والمدارس والأراضي الزراعية والغابات تعرضت للدمار أو الأضرار.

وبالاستناد إلى تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات المتاحة للجمهور ومقاطع فيديو موثقة، خلص التحقيق إلى أن الجزء الأكبر من هذا الدمار وقع بعد سيطرة القوات الإسرائيلية على قرى أُخليت في منتصف أبريل/ نيسان، الأمر الذي أدى إلى تحويل مساحات واسعة إلى مناطق غير صالحة للسكن، وألحق أضراراً بالبنية التحتية الأساسية، بما فيها شبكات المياه والطاقة والرعاية الصحية.

وبحسب التحقيق، يرى خبراء قانونيون ومنظمات حقوقية أن طبيعة عمليات التدمير تثير مخاوف من أن تكون مصممة لمنع السكان من العودة إلى مناطقهم. وتنقل الصحيفة عن كريستين بيكرلي، نائبة مدير منظمة العفو الدولية، وصفها ما جرى بأنه «هجوم واسع النطاق وطويل الأمد ومنظم على شعب جنوب لبنان».

اظهار أخبار متعلقة


دمار واسع بعد السيطرة على القرى

لطالما كان جنوب لبنان ساحة رئيسية لعدوان الاحتلال الإسرائيلي، حتى قبل صعود حزب الله، لكن التحقيق يشير إلى أن طبيعة الحملة الأخيرة اتخذت منحى أكثر تدميراً، خصوصاً بعد تبني وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ما وصفه بـ«نموذج رفح وبيت حانون»، في إشارة إلى الدمار الواسع الذي شهدته مناطق في قطاع غزة.

وقال كاتس، بحسب التحقيق، إن «جميع المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود سيتم تدميرها».
وبحلول تموز/ يوليو، أعلن كاتس أن هذا التهديد نُفذ، قائلاً إن إسرائيل دمرت المباني في 24 قرية لبنانية، وقدر عدد المنازل المهدمة بما يصل إلى 20 ألف منزل، موضحاً أن الأمر لم يكن عملية هدم منزل تلو الآخر، وإنما «قرى بأكملها».

غالبية الدمار وقعت بعد وقف إطلاق النار

عادت الحرب مجددا في الثاني من آذار/ مارس، وخلال الأيام العشرة الأولى من الحرب، أدت أوامر الإخلاء الإسرائيلية إلى نزوح نحو 1.2 مليون شخص، غالبيتهم من جنوب لبنان الذي يسيطر عليه حزب الله، مع تقدم القوات الإسرائيلية.

لكن التحقيق يؤكد أن الجزء الأكبر من الدمار الذي وثقته «فايننشال تايمز» و«لايتهاوس ريبورتس» وقع بعد وقف إطلاق النار الأولي بين "إسرائيل" ولبنان في 17 نيسان/ أبريل.

ورغم استمرار بعض الاشتباكات بعد ذلك، وصولاً إلى وقف إطلاق النار الأخير في حزيران/ يونيو، واصلت القوات الإسرائيلية، وفق التحقيق، عمليات التدمير في المناطق التي كانت قد سيطرت عليها، مستخدمة الغارات الجوية والتفجيرات الموجهة والجرافات، إضافة إلى استخدام الفوسفور الأبيض.

اظهار أخبار متعلقة


«الخط الأصفر» ومنطقة مغلقة أمام السكان

ترسخت السيطرة الإسرائيلية على المنطقة التي باتت تُعرف باسم «الخط الأصفر»، وهي منطقة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية من الحدود غير الرسمية، وتغطي نحو 6% من مساحة لبنان.
لكن التحقيق يشير إلى أن حدود هذه المنطقة ليست واضحة رسمياً، إذ لا توجد حدود مرسمة بشكل رسمي، فيما لا يوجد سوى نقطة تفتيش رسمية واحدة على الطريق الساحلي قرب الناقورة.

وفي الأسبوع الماضي، أمرت "إسرائيل" سكان قرية تقع فوق الخط بإخلائها قبل أن تتعرض للقصف، في أول تحذير من هذا النوع منذ أسابيع.

كما رصد التحقيق انتشار الأعلام الإسرائيلية واللافتات العبرية في المنطقة الواقعة أسفل الخط الأصفر، بالتزامن مع توسع مواقع جديدة للجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة.

قرى تحولت إلى ركام

وخلال زيارة إلى جزء من المنطقة المحتلة في أواخر أبريل/ نيسان، رصدت «فايننشال تايمز» قرى كاملة لم يبقَ فيها سوى عدد محدود من المباني. وتحولت الأسواق التاريخية والساحات والشوارع المتعرجة إلى مساحات واسعة من الركام والخرسانة، فيما استمر سماع الانفجارات طوال اليوم، ويبدو أن بعضها ناتج عن عمليات هدم للمباني.

وبحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، وهو معهد بحثي لبناني عام، تقع 62 قرية ومزرعة داخل نطاق الخط الأصفر، فيما يُمنع نحو 270 ألف شخص من العودة إليها.

وتقطن غالبية سكان هذه المناطق من الطائفة الشيعية، مع وجود عدد محدود من القرى المسيحية والسنية الأقل سكاناً. ويشير التحقيق إلى أن القرى المسيحية والسنية تعرضت لدمار أقل، لكن سكانها تحدثوا أيضاً عن عمليات قتل واعتقالات وتهديدات.

أما البلدات الشيعية، ومنها بنت جبيل التي أصبحت معقلاً لحزب الله، فقد تحملت الجانب الأكبر من الدمار.
التعليقات (0)