بعين المخرج وريشة الفنان: رحلة بصرية في رحاب القرآن (1)

منجي الفرحاني
"إنها سينما الروح وتشكيل الهوية البصرية لآيات استوقفتني، وظلت عالقة في ذاكرتي البصرية منذ قراءات قديمة، أو لعلها باغتتني في خلواتي القريبة مع كتاب الله"- الأناضول
"إنها سينما الروح وتشكيل الهوية البصرية لآيات استوقفتني، وظلت عالقة في ذاكرتي البصرية منذ قراءات قديمة، أو لعلها باغتتني في خلواتي القريبة مع كتاب الله"- الأناضول
شارك الخبر
لم يكن القرآن الكريم يوما مجرد كلمات تُرتل، بل هو محترَف بصري كوني، يتجلى فيه بديع صنع الخالق الأعظم؛ حيث تتفجر في فضاءات الآيات الصور، وتتحرك الكتل، وتتناغم في كواليس النص الإضاءة والظلال في إعجاز باهر يأسر العين قبل الروح. من هنا، من عتمة استوديوهات التصوير وبيوض اللوحات العذراء، تأتي هذه المقالات لتكون قراءة من طراز آخر؛ قراءة لا تدّعي فقها ولا تفسيرا، بل هي تجربة ذاتية بحتة، ومعايشة لعينٍ ألفت الرصد خلف الكاميرا، ويدٍ أدمنت مشاكسة الألوان بالريشة.

إنها سينما الروح وتشكيل الهوية البصرية لآيات استوقفتني، وظلت عالقة في ذاكرتي البصرية منذ قراءات قديمة، أو لعلها باغتتني في خلواتي القريبة مع كتاب الله. هذه الآيات لم تمرّ أمامي كألفاظ مجردة، بل تجسدت كأشرطة سينمائية حية، أو كلوحات تشكيلية نابضة بالحركة والعمق والمدى.

في هذه السلسلة، لن أفسر بالكلمات، بل سأعرض لكم كيف أعيش صور القرآن الكريم بصريا. سأحاول تفكيك المشاهد بأدوات الإخراج والتصوير، وتتبع ميزان الضوء والظل كفنان تشكيلي، لنرى معا كيف تبني الكلمات عوالم مرئية مذهلة، وكيف يتحول النص إلى "كادر" مفعم بالحياة، والقراءة إلى معايشة بصرية خاطفة للأنفاس.

رحلة بصرية في رحاب القرآن (1): كواليس الخلق الأولى

هناك لحظات نادرة يشعر فيها الفنان أن النصوص المقدسة تكلّمه بلغته هو: لغة الكادر، والظل، والطبقة، والملمس؛ لحظات يتقاطع فيها الفن مع الخلق، والريشة مع الروح، والعدسة مع السر الأول. ومنذ أن بدأ الإنسان يرسم على جدران الكهوف ويحاول أن يفهم كيف تولد الصورة، كان يبحث عن تلك اللحظة بالذات: اللحظة التي تتحول فيها الخطوط الخام إلى كائن يطلّ من السطح، وينبض بما هو أكبر من مادته.

وفي قلب هذا السؤال القديم، تبدو آيات الخلق كأنها "Storyboard" إلهي يرسم أمام العين مراحل تكوين الإنسان، خطوة بخطوة، كما لو أن الخالق يفتح لنا كواليس المشهد الأول في تاريخ الوجود، ويكشف لنا أن الخلق ليس حدثاً، بل عملية فنية كاملة تبدأ من الكتلة الأولى وتنتهي بالنفخة التي تمنح الحياة. فسبحان الخلّاق البديع.

من أكثر الآيات التي علقت بذهني كصورة سينمائية وتشكيليّة خارقة، قوله تعالى في سورة الانفطار: "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ".

حين يتأمل المخرج أو الرسام هذه الآية، يصاب بالذهول. الكلمات الخمس هنا ليست مجرد أفعال لغوية عابرة، بل هي "المصطلحات التقنية" الحرفية والمفاتيح الإجرائية (Technical Terms) التي ندير بها العمل المعاصر اليوم داخل استوديوهات التصوير ومحترفات الرسم. كأنني أرى من خلال هذه الألفاظ، وبأدواتي البشرية القاصرة، "مخطط سير العمل البصري" (Visual Workflow) الإعجازي لخلق الكائن البشري، حيث تلتقي الريشة المغموسة بالشغف وعدسة الكاميرا الباحثة عن الحقيقة في تمازج عضوي عبقري تذوب فيه الحدود بين الفنون.

خَلَقَكَ (المساحة البكر والكتلة الأولى): إنها البداية الوجودية المحضة. لحظة تجميع المادة الخام. الكتلة الأولى في قلب الفراغ المطلق. الألوان الأساسية تُوضع على لوحة المزج قبل أن تُروَّض وتُطوَّع. هنا تبدأ المادة رحلتها من الصمت إلى الظهور، كما يبدأ المخرج بتحديد الـ"Master Shot"، أو الرسام بتهيئة القماشة البيضاء المشدودة بعناية.

فَسَوَّاكَ (الخطوط التحضيرية والنسب البصرية): هنا يبدو لعين الفنان انبثاق التكوين عبر الخطوط التحضيرية الأولى (The Sketch)، وضبط أبعاد الكادر ومقاييسه التشريحية (Proportions). إنها مرحلة هندسة الأبعاد الرياضية والجمالية، حيث تتحدد الخطوط العريضة ويتناسب الطول مع العرض، والارتفاع مع العمق، وتأخذ كل كتلة أو عضو بشري مساحتها الوظيفية والجمالية الدقيقة.

حين يقف المخرج خلف الكاميرا، أو يمسك الرسام ريشته، يشعر بصلة خفية مع تلك الومضة. الفن ليس تقنية جافة؛ بل محاولة لمحاكاة تلك النفخة، حيث يضع المبدع شيئاً من روحه وقلقه وشغفه داخل العمل. هذه النفخة الفنية، المستمدة من النفخة الأولى، هي السر الذي يجعل اللوحة تنطق، والمشهد يرتعش بالحياة، ويتحوّل العمل من قماش أو سيلوليد إلى كائن حي يتفاعل مع المتلقي

فَعَدَلَكَ (التناظر وميزان الضوء والظل): أرى في "العدل" ذروة الاتزان البصري والتناظر الهيكلي (Symmetry). في السينما، يتجلى هذا في التأطير المحكم (Framing)، وفي التشكيل في توزيع الضوء والظل (Shading) والـ"Chiaroscuro". هنا يتعادل الضوء مع العتمة، وتتوازن الكتل البصرية، وتستقيم اللوحة والمشهد في هيبة جليلة.

فِي أَيِّ صُورَة (الهوية البصرية والأسلوب الفني): هي مرحلة تحديد الهوية البصرية النهائية والـ"Look & Feel"، واختيار الطابع الجمالي، والدرجات اللونية، والسمات الملامحية الفردية. هنا يمنح الخالق لكل إنسان بصمته البصرية وهويته الخاصة التي تميّزه كعمل فني مستقل.

رَكَّبَكَ (المونتاج الطبقي واللمسة الأخيرة): هنا تلتقي السينما بالتشكيل في أبهى تجلياتها. "التركيب" يتراءى كالمونتاج الرقمي والدمج الطبقي (Compositing/Layering) للعظام والعضلات والأعصاب والجلد، طبقة فوق طبقة، كأنها خامات لونية متجانسة. ثم تأتي اللمسات الختامية الشفافة (Final Glaze) التي تمنح التكوين البشري تماسكه، وتدفقه، وحضوره.

إنها عملية إبداع رباني متكاملة، صيغت بدقة بكلمات نرددها يوميا في استوديوهاتنا ومعاهدنا، وكأن النص يوجّه خطابه لعين الفنان ليقول: "تأمل كواليس صنعتك في مرآة الخلق الأولى"، تنزيهاً للخالق البديع الذي "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ".

النفخة الإلهية: من الطين الصامت إلى شرارة الإبداع الكوني

لكن، هل يكتمل العمل الفني بمجرد ضبط النسب وإتقان التركيب؟ في السينما، يمكنك أن تصنع كادرا مضبوطا تقنيا لكنه يظل "ميتا". وفي التشكيل، يمكنك رسم جسد مثالي لكنه يبقى باردا لا يحرك ساكنا.

هنا ينقلنا البيان القرآني إلى ذروة السر الإبداعي: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي". هذه "النفخة" هي الشرارة التي حوّلت الكتلة الطينية إلى كائن حي. وبما أن الله نفخ فينا من روحه، فقد أودع في الإنسان قبساً من تلك القدرة: قدرة الإلهام، والخلق الفني، والابتكار.

حين يقف المخرج خلف الكاميرا، أو يمسك الرسام ريشته، يشعر بصلة خفية مع تلك الومضة. الفن ليس تقنية جافة؛ بل محاولة لمحاكاة تلك النفخة، حيث يضع المبدع شيئاً من روحه وقلقه وشغفه داخل العمل. هذه النفخة الفنية، المستمدة من النفخة الأولى، هي السر الذي يجعل اللوحة تنطق، والمشهد يرتعش بالحياة، ويتحوّل العمل من قماش أو سيلوليد إلى كائن حي يتفاعل مع المتلقي.

إن الإبداع الإنساني، مهما تعاظم، ليس إلا ظلا صغيرا لتلك النفخة الأولى؛ النفخة التي علمتنا كيف نُخرج الحياة من الفراغ، والجمال من الجماد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)