تستضيف
تركيا الثلاثاء، في نسختها السادسة والثلاثين، قمة حلف شمال الأطلسي "
الناتو" في أنقرة، في توقيت يصفه محللون بأنه "وجودي" بالنسبة لمستقبل الحلف، بعدما وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحلف قبل فترة بأنه "ميت دماغيا"، في إشارة إلى تراجع فاعليته وتماسكه.
وتأتي القمة في ظل ضغط متواصل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الدول الأعضاء لرفع إنفاقها الدفاعي إلى 5 بالمئة من ناتجها الإجمالي، وسط ملفات متشابكة تشمل الحرب الروسية الأوكرانية، والجناح الجنوبي للحلف، ومستقبل الصناعة الدفاعية، إضافة إلى الملفات الإقليمية المتعلقة بسوريا ولبنان وإيران.
وفي هذا السياق، ذكر محمد حسين مرجان، الباحث الأول في مؤسسة سيتا للأبحاث، أن هذه القمة مهمة جدا لأن ناتو يواجه في الحقيقة أزمة ومشكلة وجودية في السنوات الأخيرة، وخصوصا أن الرئيس ترامب كان يطالب الدول الأعضاء بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 5 بالمئة من إنتاجها الإجمالي، ولذلك فإن معظم الدول، خصوصا في
أوروبا، لم ترغب في زيادة الميزانية في هذا المجال، وترامب كان يضغط على الدول لزيادة الإنفاق في هذا المجال.
وأشار إلى تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل وقت عندما قال إن الناتو "ميت دماغيا"، وهذا كان مؤشرا إلى أن ناتو ليس ناتو السبعينيات أو الثمانينيات أو التسعينيات، أي أن هناك تحولا كبيرا في الحلف، ولذلك فإن قمة أنقرة، وهي القمة السادسة والثلاثون في تاريخ ناتو، هي قمة وجودية لمستقبل ناتو.
وأضاف "عندما ننظر إلى أبرز الملفات الموجودة على الطاولة، فأولا زيادة الإنفاق الدفاعي والصناعة الدفاعية، وتصورات جديدة للتحديات، والحرب بين أوكرانيا وروسيا، والجناح الجنوبي للحلف، ومستقبل الحلف وتحضره طويل الأمد".
وتابع: "لأن تركيا غيرت اللعبة حتى في الناتو، لأن تركيا كانت دولة مستهلكة للأمن في الماضي، ولكنها الآن تحولت إلى دولة تنتج الأمن في الناتو، ولذلك تركيا ستستفيد من هذه القمة، فمثلا سيبدأ في اليوم الأول منتدى الدفاع، وهذا مهم جدا، وسيشارك فيه كثير من الشركات والخبراء وأيضا رجال الدولة، وربما ستكون هناك اتفاقيات كثيرة عن الاتفاقات الدفاعية الجديدة، وربما أيضاً ستكون هناك اتفاقيات لشراء أنظمة الدفاع أو الأسلحة من تركيا، وهذا مهم جداً. وتركيا ستلعب دوراً مهماً في القمة السادسة والثلاثين للناتو".
وأردف: "شعار القمة هو (أنقرة: مفتاح السلام ومفتاح الأمن)، وهذا الشعار يشير إلى كيف أن أنقرة ستلعب دورا لمستقبل الناتو، وأيضاً كيف أن تركيا، وخصوصا رئيسها السيد رجب طيب أردوغان، يلعب دورا مهما لإقناع الدول الأعضاء في الحلف، فمثلا كما أكد الرئيس ترامب أنه سيشارك في القمة بمناسبة دعوة أردوغان، وإلا لن يشارك في القمة لأنه كان ينتقد الحلف".
أهمية تركيا كلاعب عسكري ودبلوماسي
وأوضح، "كما ذكرت، هي القمة الثانية، وأول قمة كانت في عام 2004، وهذا أيضاً في عهد حزب العدالة والتنمية، ولذلك فإن تركيا لم تختبر أو تجرب أي قمة قبل حزب العدالة والتنمية، وهذا يشير إلى كيف تؤثر الحكومة في العالم وكيف تلعب دورا مهما في هذا السياق".
وأكد أن تركيا كانت تشتري أسلحة أو أنظمة من دول ناتو، ولكنها الآن تنتجها، وتركيا دولة شريكة في الحلف. ولذلك تركيا تلعب دورا مهما، وعندما ننظر إلى مظلة الناتو تأسيسياً، نستطيع الآن أن نقول إن هناك ثلاثة أركان في ناتو:
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا.
ولفت إلى أن تركيا دولة مستقلة في حلف ناتو، ولماذا؟ أولا هي عضو في الحلف، ولكنها أيضاً حليف لروسيا، وتشتري وتبيع سلاحا أو تتعامل في قطاع الدفاع تجاريا مع روسيا، وبالمناسبة تركيا طبعا تلعب دورا في حل الأزمات، ولذلك تركيا دولة مهمة في ناتو حاليا.
الرسالة التي تريد أنقرة إيصالها من توقيت استضافة القمة
في السياق الإقليمي، وفي ظل الملف السوري والتوغلات الإسرائيلية وتقدم الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان والملف الإيراني المعقد، أوضح مرجان: "طبعا أولا ستكون رسالة واضحة إلى كل الدول الأعضاء في ناتو".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن "هناك تغيير كبير في وعي الدول الأعضاء في ناتو، فمثلا معظم الدول الأعضاء، خصوصا في الاتحاد الأوروبي، تركز على الأزمة أو المشاكل في الشمال أو في منطقة البلطيق في الناتو بسبب تهديد روسيا، ولكن تركيا تركز على تحديات جديدة من الجناح الجنوبي للناتو، وخصوصا تركز على إقليم البحر الأبيض المتوسط، وخصوصا تركيا تريد أو تحاول أن تشرح لكل الأعضاء كيف تهدد إسرائيل السلام والاستقرار في المنطقة".
وأضاف، "أيضا تركيا سترسل رسالة واضحة متعلقة بملف الطاقة تحديدا، بسبب الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وخصوصا بعد إغلاق مضيق هرمز، فكل العالم اختبر كيف أثرت أزمة الطاقة في العالم سلبيا، ولذلك تركيا أيضا سترسل لكل الدول الأعضاء رسالة للتركيز على هذه الملفات من أجل استقرار السلام والاستقرار في المنطقة، وأخيرا تركيا سترسل رسالة أيضا بأنه إذا وُجدت مشكلة وأزمة في الشرق الأوسط، فإنها ستؤثر في كل أوروبا وكل حلفاء ناتو مباشرة".
من يحتاج الآخر أكثر.. تركيا أم الناتو؟
وعن التطور العملي للمؤسسات الدفاعية التركية، ومن يحتاج الآخر أكثر بين تركيا وناتو، والمؤشرات الملموسة على ذلك، قال مرجان: "في الحقيقة لا يوجد جواب واحد لهذا السؤال، لأن كلا الطرفين يحتاج إلى الآخر، تركيا تحتاج إلى الناتو لتأسيس معمارية أمنية جديدة في المنطقة بسبب زيادة التحديات، ولكن من جانب آخر الناتو يحتاج إلى تركيا، لأن الدول الأوروبية، نعم هي قوة كبيرة من الناحية الاقتصادية، ولكن قصة أوروبا في إنتاج الدفاع انتهت، والآن عندما ننظر إلى ألمانيا وفرنسا أو حتى بريطانيا، هي لا تتقدم، خصوصا عندما ننظر إلى صعود الصين والهند ودول أخرى في النظام العالمي السياسي، ونرى أن ناتو يحتاج إلى تركيا أكثر من الماضي، ولذلك هذه العلاقة مرتبطة ببعضها، وكما قلت كلا الطرفين يحتاج إلى الآخر".
الموقع الجغرافي.. ورقة قوة أم عرضة لضغوط أكبر؟
وحول ما إذا كان الموقع الجغرافي لتركيا ووزنها العسكري والسياسي يجعلها دولة محورية تملك ورقة قوة داخل الحلف، أم يجعلها عرضة لضغوط أكبر من الحلفاء، أجاب: "في الحقيقة تركيا دولة مهمة في المنطقة، والآن تحاول أن تصبح دولة مركزية في العالم السياسي، ولذلك تركيا تضغط على كل الدول لكي تفهم التحديات بشكل صحيح".
وأضاف، "تركيا لم تنظر إلى المشاكل أو الأزمات أو التحديات بشكل انفصالي، فمثلا عندما ننظر إلى الملف السوري، وحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) وأعني قسد، أو داعش، أو حتى نظام الأسد، فكلهم مؤسسات إرهابية قتلت المدنيين، ولم تفرق تركيا بين أي منهم، وكل الأطراف كانت إرهابية بنظر تركيا، ولكن الغرب لم ينظر إلى سوريا من هذه الزاوية، ولذلك شاهدنا مشكلة كبيرة وأزمة كبيرة وألما عميقا في سوريا".
وأكد أن تركيا تريد من كل الحلفاء أو أعضاء الحلف أن يفهموا التحديات بشكل صحيح دون أي تفريق بينها، ولذلك تركيا تحاول أن تشرح كيف تهدد إسرائيل السلام والاستقرار ومستقبل المنطقة وحتى مستقبل العالم في النظام العالمي، ولذلك تركيا تلعب دورا مهما.
ولكن كما ذكرت قبل قليل، تركيا الآن واحدة من ثلاثة أركان في الناتو إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وخصوصا أن الاتحاد الأوروبي لا يريد لتركيا أن تنجح كثيرا، لأنه عندما تستقل تركيا أو تتحرر من الاتحاد الأوروبي تماما، وعندما تصبح قوة مستقلة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، فإن ذلك لن يكون في مصلحتهم تماما، ولذلك خصوصا في بعض الملفات، مثل ملف بحر إيجه أو الأزمة بين تركيا واليونان، فإن فرنسا خصوصا أو بعض الدول الأوروبية تقف دائما مع اليونان أو قوة أخرى ضد تركيا".
الاستقلال العسكري.. توجه استراتيجي أم أداة تفاوضية؟
وبخصوص كون تركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في الحلف، وما إذا كان استقلالها العسكري توجها استراتيجيا دائما أم أداة تفاوضية تستخدمها عند الحاجة، أوضح مرجان: "تركيا كانت دائما تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف ناتو، ولكن خصوصا في العشر سنوات الأخيرة تغير التصور تماما بشكل جذري وبشكل وجودي".
اظهار أخبار متعلقة
وحول هذا الصعود، برر مرجان ذلك قائلا إن تركيا تحتل مكانا مهما بسبب عدد جنودها في الجيش، وطبعا هذا رقم عظيم في الناتو، ولكن الآن تركيا لديها دفاع مستقل ودفاع محلي وقوي جدا، ولذلك الآن تركيا تنتج الأمن، ولذلك خصوصا الأسلحة أو الأنظمة المنتَجة من قبل تركيا من شركات تركية تحتل مكانا جديدا في ناتو.
ورأى مرجان أن هذا الأمر أكبر أهمية من مجرد أن يكون لديها جنود في حلف ناتو.
موقف تركيا من انتقادات ترامب للناتو
وحول تجديد ترامب انتقاده لحلف الناتو ووصفه العلاقة بين واشنطن والحلف بأنها غير متكافئة، في إشارة إلى الإنفاق الدفاعي للحلفاء الأوروبيين، وما إذا كانت تركيا مشمولة بهذا الخطاب، قال: "ترامب ينتقد بشكل عميق دول الحلف، ولكن بالنسبة لي تركيا ليست دولة مشمولة بهذا النقد، لأن ترامب يعلم جيدا أن تركيا، نعم جغرافيا هي عضو في أوروبا، ولكنها وجودياً أو كهوية دولة مستقلة، ولذلك انتقاد ترامب يتجه دائماً إلى الدول الأوروبية".
ونوه إلى أنه يوجد تحول عميق في وعي أمريكا للسياسة الدولية، يعني في التسعينيات بعد نهاية الحرب الباردة، أو خصوصا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، أصبحت أمريكا مهمة لكل العالم خصوصا للحضارة الغربية، ولكن الآن ترامب لا يريد أن يدفع الثمن للأوروبيين أو لكل الغرب، ولذلك ترامب يرسل لهم رسالة واضحة هي إما أن ينفقوا أو يقبلوا هيمنة أمريكا بشكل قطعي، لذلك ترامب ينتقد موقف الأوروبيين في هذه الحالة ويطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي من تلك الدول، ولكن تركيا ليست كذلك.
وأضاف: "حتى إن ترامب، الذي كان يرسل قبل أشهر بعض المؤشرات أو الرسائل بأنه لن يشارك في القمة حتى يثبت أن الناتو سيموت، فإنه بعد إصرار ودعوة الرئيس أردوغان، سيأتي إلى تركيا يوم الثلاثاء ويشارك في القمة، وهذا قرار مهم جدا لترامب، وهو يحاول أن يعاقب دولا أوروبية من ناحية زيادة الميزانية الدفاعية".
الخلاف التركي اليوناني.. لماذا يعجز الناتو عن حسمه؟
وحول الخلاف التركي اليوناني في بحر إيجه وشرق المتوسط، القائم منذ عقود داخل حلف واحد، ولماذا يعجز الناتو عن حسم هذا النوع من الخلافات بين أعضائه، رأى مرجان: "في الحقيقة هذا الخلاف، خلاف واحد بقي بين أعضاء حلف ناتو، ومعظم الأوروبيين في الحقيقة يقفون مع اليونان، وهي في الحقيقة مشكلة حضارية ومشكلة هوية، يعني تركيا أولا دولة إسلامية ومستقلة وقوية، وبالمناسبة الاتحاد الأوروبي خصوصاً يعلم جيداً أنه عندما تنجح تركيا في العالم السياسي، فإن تلك الدول لن تتحرك بسهولة في المنطقة، وخصوصاً ربما ستفقد هيمنتها في الشرق الأوسط بشكل إجمالي أو تماما".
وأشار إلى الرئيس الفرنسي ماكرون عندما قال قبل أسابيع إنه إذا ظهرت أي مشكلة أو أزمة حقيقية أو أزمة ساخنة بين تركيا واليونان، فإن فرنسا ستقف مع اليونان مباشرة، وهذا يشير إلى كيف أن أوروبا أو دولاً أوروبية تقف مع أو تفضل عدو الحضارة المسيحية أو الحضارة الغربية.
الإعلان عن مقاتلة "قزل إلما".. رسالة مدروسة التوقيت؟
وفي ختام الحوار، وحول الإعلان عن مقاتلة "قزل إلما" في توقيت قريب من انعقاد القمة، وتفسير هذا التوقيت، قال مرجان: "تركيا تنتج أسلحة ومقاتلات وأنظمة جديدة، وطبعاً صواريخ وقذائف جديدة أيضاً. وبالمناسبة قزل إلما ومقاتلة كان كلاهما أسلحة رمزية، وبالمناسبة إعلانها قبل قمة ناتو يرسل رسالة واضحة لكل الحلفاء أو كل أعداء تركيا وحتى أعضاء حلف ناتو بأن تركيا دولة مستقلة، دولة قوية، دولة لديها قابلية كافية لإنتاج مقاتلة جديدة".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أيضا أنها "رسالة واضحة لملف إف-35، خصوصا أن الولايات المتحدة طردت تركيا من مشروع إف-35 رغم أن تركيا دفعت مستحقاتها، ولكن تركيا بعد ذلك في الحقيقة اتخذت خطوات جديدة لإنتاج مقاتلة مستقلة ومحلية، ولذلك الآن تركيا أرسلت رسالة إلى أمريكا وكل أعضاء ناتو عبر هذا الإعلان، وهي تقول: نحن ننتج مقاتلة قزل إلما ومقاتلة كان، ولن نحتاج إليكم إذا لم تريدوا أن تأخذونا كعضو في مشروع إف-35، أو إذا تمنعون حقوقنا في هذا المشروع، سننتج أفضل بكثير مما تنتجون. ولذلك هذا الإعلان كان رمزياً وسياسيا ومهما من ناحية توقيته".