في
الذكرى العاشرة لخروج
بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، المعروف
بـ"بريكست"، لم يعد النقاش في المملكة المتحدة يتركز على الإنجازات التي
تحققت بعد مغادرة التكتل الأوروبي أو على الوعود التي رافقت حملة الخروج، بقدر ما
بات يدور حول إمكانية إعادة بناء العلاقة مع بروكسل، بل وحتى العودة إلى الاتحاد
الأوروبي مستقبلاً.
ويعكس
هذا التحول تغيراً ملحوظاً في المزاج العام البريطاني، إذ أظهرت استطلاعات رأي
حديثة لمركز "يوغوف" أن أكثر من ثلثي البريطانيين يعتقدون أن بريكست كان
خطأً، فيما تؤيد أغلبية متزايدة إقامة علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي، مع تزايد
الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في تجربة الانفصال.
اظهار أخبار متعلقة
ويرى
محللون أن النقاش البريطاني انتقل تدريجياً من سؤال: "هل كان بريكست قراراً
صحيحاً؟" إلى سؤال أكثر إلحاحاً: "ما الشكل الأمثل للعلاقة المستقبلية
بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟".
بريكست والأضرار الاقتصادية
اقتصادياً، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ونشرت نتائجه صحيفة "
الغارديان"، أن نحو 66 بالمئة من البريطانيين يرون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ساهم في ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما يعتقد 65 بالمئة أنه ألحق أضراراً بالاقتصاد البريطاني.
وقال ريتشارد بارتينغتون، كبير مراسلي الاقتصاد في صحيفة "الغارديان"، إن معظم المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن بريطانيا أصبحت أفقر مما كان يمكن أن تكون عليه لو بقيت عضواً في الاتحاد الأوروبي.
وفي السياق ذاته، يرى عدد من المحللين أن تراجع الحماس الشعبي لبريكست وتزايد الانتقادات الاقتصادية للانفصال يعززان فرضية عودة بريطانيا تدريجياً إلى الفضاء الأوروبي.
طريق العودة ليس طويلاً
وفي مقال بعنوان "عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مسألة وقت لا أكثر"، اعتبر الكاتب والمحلل الاقتصادي المتخصص في الشؤون الأوروبية مارتن ساندبو، في صحيفة "فايننشال تايمز"، أن مسار الانفصال أظهر إخفاقات سياسية واقتصادية متزايدة، بينما تتراجع المبررات التي استند إليها مؤيدو بريكست، ما يجعل فكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي مطروحة بصورة متزايدة في النقاش العام، وهي مسألة وقت لا أكثر.
وفي خضم هذا النقاش، دخل كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي لشؤون بريكست،
ميشيل بارنييه، الجدل الداخلي البريطاني ملوحاً بسهولة عودة لندن للنادي الأوروبي.
وقال بارنييه إن المملكة المتحدة قادرة على العودة إلى الاتحاد الأوروبي خلال فترة زمنية "قصيرة نسبياً" إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك، مشيراً إلى أن قدراً كبيراً من التوافق التشريعي والتنظيمي بين الجانبين لا يزال قائماً رغم مرور سنوات على الانفصال.
وأوضح
بارنييه أن بريطانيا لم تبتعد بشكل جذري عن المنظومة القانونية والتنظيمية
الأوروبية، الأمر الذي قد يجعل أي عملية عودة محتملة أسرع وأسهل مقارنة بمسار
انضمام دول أخرى مرشحة للعضوية.
العقبة سياسية لا قانونية
وأكد
بارنييه أن العقبة الرئيسية أمام العودة ليست قانونية أو إجرائية، بل سياسية
بالدرجة الأولى، وتتعلق بمدى استعداد الحكومة البريطانية والرأي العام للانخراط
مجدداً في المشروع الأوروبي.
وتأتي
تصريحات بارنييه في وقت تشهد فيه بريطانيا مراجعة متزايدة لحصيلة بريكست بعد مرور عقد
كامل على الاستفتاء الذي أفضى إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016.
وفي
هذا السياق، أظهر استطلاع أجرته شركة "ميرلين ستراتيجي" لصالح صحيفة
"
إندبندنت" أن نحو ثلثي البريطانيين يعتقدون أن ملف
الهجرة أصبح أسوأ
منذ بريكست، رغم أن استعادة السيطرة على الحدود كانت إحدى أبرز الحجج التي استندت
إليها حملة الخروج.
كما كشف الاستطلاع أن 55 بالمئة من البريطانيين يؤيدون العودة إلى نظام حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي، مقابل 16 بالمئة فقط يعارضون ذلك، في مؤشر على تغير واضح في المزاج العام تجاه إحدى القضايا الأكثر ارتباطاً بمشروع بريكست.
اظهار أخبار متعلقة
وتعزز هذه النتائج ما أظهرته استطلاعات أخرى بشأن الأجيال الشابة، إذ كشفت دراسة لمؤسسة "مور إن كومون" أن 60 بالمئة من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً سيصوتون لصالح العودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا أُجري استفتاء جديد، فيما ترتفع النسبة إلى أكثر من 80 بالمئة بين أولئك المرجح مشاركتهم في التصويت.
ورغم أن حزب العمال والأحزاب الرئيسية ما زالت تستبعد فكرة إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في المدى المنظور، فإن الدعوات إلى توثيق العلاقات مع بروكسل تتزايد بصورة ملحوظة، ما يعكس استمرار تأثير بريكست على الحياة السياسية البريطانية، حتى بعد مرور سنوات على تنفيذه.