حذر كاتب إسرائيلي من أن تل أبيب تشهد تصاعدا تدريجيا في مظاهر
العزلة الدولية، نتيجة تزايد سياسات المقاطعة والعقوبات الجزئية، مشيرا إلى أن هذه التطورات قد تقود إلى “مأزق تاريخي” يهدد مكانتها الاقتصادية والسياسية على المدى البعيد.
ذكر الكاتب في
موقع “زمان إسرائيل”، آفي بن هار، أن "رئيس الوزراء قدم رؤيته لإسرائيل حين أطلق عليها اسم "إسبرطة الخارقة": مكتفية ذاتيا، تُنتج كل احتياجاتها بنفسها، وبالتالي تستطيع البقاء حتى وهي معزولة عن العالم، مع أن مدينة إسبرطة في اليونان القديمة لم تختر العزلة، بل فُرضت عليها، وأدت في النهاية إلى انهيارها، وتُظهر الأرقام أن إسرائيل تسير بالفعل على هذا الدرب، حيث لا توجد مقاطعة عالمية شاملة لإسرائيل، ولا حتى خشية من حدوثها، لكن ثمة عملية تتزايد فيها عزلتها، وتنزلق تدريجيًا نحو مقاطعة دولية جزئية".
وأضاف في مقال ترجمته "عربي21" أنه "من الناحية الظاهرية، تبدو كل خطوة في هذه العملية "رمزية"، لكنها مجتمعة تُغير وضع الدولة، لأن السياسة الحكومية لها تأثير على مجريات الأحداث، وبالتالي فإن العزلة عملية قائمة، ورغم أنه لا تزال هناك فرصة لوقفها، لكن هذه الفرصة تضيق تدريجيًا، مما يستدعي طرح السؤال عن كيفية انزلاق إسرائيل تدريجيًا لهذه العزلة".
وأوضح أن "العزلة السياسية لا تنشأ من إعلان مقاطعة شاملة، عالمية أو دولية، بل تتشكل عبر سلسلة من الخطوات الصغيرة، كل منها يضيع وسط ضجيج الأخبار اليومية، ومن أجل فهمها، يجب النظر للصورة الكاملة كما تتطور بمرور الوقت، ولعل المستوى الأول في عملية العزلة يتمثل في المقاطعة الدائمة في العالم الإسلامي والعربي، فطالما كانت إسرائيل، منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، في عزلة جزئية عن معظم دول المنطقة التي نعيش فيها".
وشرح قائلا إن "بعض الدول الإسلامية كالعراق وباكستان مثلاً لا تربطها أي علاقات بإسرائيل؛ بينما تربط دول أخرى كالسعودية علاقات سرية فقط؛ أما دول أخرى، كمصر والأردن وتركيا، فتربطها علاقات علنية مع إسرائيل، لكن العديد من المنظمات داخلها تقاطعها، أما المستوى الثاني فهي المقاطعة الثقافية والعلمية الطوعية على مستوى العالم، لأنه لسنوات، دأبت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على الترويج لمقاطعة ثقافية وعلمية واقتصادية لإسرائيل في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العالم الغربي".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن "المستوى الثالث يتمثل بالعقوبات التي تفرضها الحكومات الغربية على أفراد إسرائيليين، حيث أقرّ الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والنرويج ودول أخرى عقوبات على منظمات وأفراد يشجعون البناء في المستوطنات، والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتخريب إيصال المساعدات للمدنيين في غزة".
وأشار أن "المستوى الرابع من العزلة المتمثل في العقوبات المفروضة على الوزراء، فقد فرضت دول غربية مثل بريطانيا وأستراليا وكندا، مقاطعة على وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير، والمالية بتسلئيل سموتريتش، ويناقش الاتحاد الأوروبي مقاطعتهما، لكن لم يُتخذ قرار نهائي بعد، نظرًا لتحفظات حلفاء إسرائيل، مثل التشيك، وكل هذا يُمثل هذا تحولًا جذريًا، إذ يضع كبار وزراء الحكومة في خانة "المنبوذين"، على قدم المساواة مع القادة الذين يُقاطعون دوليًا، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو الرئيس السابق بشار الأسد".
وأكد أن "المستوى الخامس من العزلة يتعلق بالعقوبات العملية من الدول الغربية، ففي السنوات الأخيرة، خفّضت عدد منها مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وفرضت حظرًا على بيع الأسلحة لها، ونفّذت عمليًا المقاطعة الدولية المطبقة رسميًا منذ عقود على البضائع القادمة من المستوطنات والمعاملات التجارية مع المستوطنين، وتشمل الدول الغربية التي فرضت مقاطعات عملية جزئية بدرجات متفاوتة: فرنسا، وإسبانيا، والنرويج، وسلوفينيا، ونيوزيلندا، وغيرها، وكل خطوة على طريق العزلة الدولية "كارثية" في حد ذاتها".
وأضاف أن "المستوى السادس يتمثل بحدث لم يقع بعد، ويتمثل في إلغاء الاتفاقيات التجارية والعلمية والاجتماعية الواسعة مع الاتحاد الأوروبي، وتمنح إسرائيل وضع دولة "شبه عضو" في الاتحاد، فيما تضغط الأحزاب والدول داخله من أجل هذه المقاطعة، ويتزايد ضغطها".
وأكد أن "من العوامل التي سرّعت إجراءات العزل من الاتحاد الأوروبي تغيير حكومة المجر التي فرضت حكومتها السابقة، بقيادة فيكتور أوربان، حق النقض التلقائي على بعض الإجراءات ضد إسرائيل، فيما أعلن رئيس الوزراء الجديد، بيتر ماغيار، أنه لن يفرض مثل هذا النقض مرة أخرى، ولذلك تمت الموافقة على عقوبات كانت معلقة لأكثر من عام في غضون أسابيع، مما يكشف عن استخلاص درس استراتيجي يتجاوز هذه العقوبات، فإذا بنت إسرائيل علاقاتها الدبلوماسية على الولاء الشخصي أو الحزبي لقيادتها، فستسقط معها".
اظهار أخبار متعلقة
وتحدث الكاتب عن "الكلفة الاقتصادية لهذه المقاطعة بلغة الأرقام، لأن لها ثمن باهظ، ولعل الضرر المحتمل من العقوبات الأوروبية الكاملة على المستوى السادس، الذي لم يُفعّل بعد، يُقدّر بنحو 5.8 مليار يورو سنويًا، بما يعادل 36% من الصادرات الإسرائيلية للاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لها، وهذا المبلغ، يعادل 23 مليار شيكل تقريبًا، هو صادرات، أي دخل الشركات والموظفين، وليس دخل الحكومة".
وأشار أنه "حسب إجمالي العبء الضريبي في إسرائيل، البالغ 30% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن خسارة بهذا الحجم من النشاط الاقتصادي قد تُترجم لخسارة في الإيرادات الضريبية تُقدّر بـ7 مليارات شيكل سنويًا، بما يعادل تكلفة بناء جميع الفصول الدراسية في إسرائيل لثلاث سنوات كاملة، لأن ميزانية البناء السنوية 2.3 مليار شيكل، أو 6 أبراج مستشفيات بحجم برج مستشفى سوروكا الجديد، لأن تكلفة كل برج أكثر من مليار شيكل".
يمكن الاستنتاج من هذه السطور أن دولة
الاحتلال في الطريق لأن تصبح دولة معزولة ومقاطعة ومعرضة لمزيد من العقوبات، والتخوف الاسرائيلي أنها تسير بالفعل على طريق اللاعودة، لأن ما تعيشه حاليا هو مأزق تاريخي قد يأخذ بها نحو الانهيار.