قراءة إسرائيلية في الحالة النفسية لنتنياهو.. "جملة كشفت حجم قلقه"

قالت باحثة إسرائيلية إن "الفصل بين القائد والجمهور يعد نمطا معروفا"- جيتي
قالت باحثة إسرائيلية إن "الفصل بين القائد والجمهور يعد نمطا معروفا"- جيتي
شارك الخبر
تحدثت باحثة إسرائيلية عن الحالة النفسية التي يمر بها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي المتهم بأربعة قضايا فساد، بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع الحديث عن الفشل في تحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران.

وقالت الباحثة المتخصصة في دراسة السلوك الإنساني في العصر الرقمي الدكتورة ليراز مرغليت في مقال لها بصحيفة "معاريف" العبرية: "نتنياهو خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بشأن إيران، "وبعد الانتقادات التي وُجهت إلى الاتفاق بين واشنطن وطهران، والفجوة بين الأهداف التي أُعلنت في بداية العملية والنتائج التي تحققت فعليا، وكذلك التساؤلات حول ما الذي أُنجز بالفعل، استوقفتني جملة واحدة على وجه الخصوص قال فيها: "لو لم نتحرك، لكنتم جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي".

سيناريو الإبادة


وذكرت أن هذه "جملة استثنائية، ليس بسبب مضمونها، بل بسبب الموقف النفسي الذي تكشف عنه، قبل تحليلها  يجدر التوقف عند كلمة واحدة فيها؛ هو لم يقل: "لكنا جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي"، بل قال: "كنتم جميعا"، فهو لم يدرج نفسه ضمن المجموعة؛ الجمهور كان في خطر، أما هو فكان المنقذ، فئتان بشريتان منفصلتان، كشفت عنهما زلة لسان واحدة".

وأوضحت مرغليت، وهي باحثة مهتمة أيضا في مجالات علم النفس الاجتماعي، واتخاذ القرار، والاقتصاد السلوكي، أن "هذه ليست بلاغة محسوبة، فالخطاب المحسوب كان سيقول: "كنا جميعا في خطر، وتحركنا معا". لكن البنية اللاواعية للجملة كشفت ما لم يكن الوعي ليسمح له بقوله صراحة:: "أنا لست جزءا من هذا الجمهور، بل أنا فوقه وأنا حاميه".

وأضافت: "في علم نفس القيادة النرجسية، يعد هذا الفصل بين القائد والجمهور نمطا معروفا؛ فالجمهور ينظر إليه كقطيع يحتاج إلى الإنقاذ، بينما القائد هو الراعي والراعي لا يقول: "لقد خفنا جميعا"، بل يرى ويتصرف وينقذ"، منوهة أنه "يمكن للقائد أن يقول: لقد أضعفنا قدرات العدو، وأبعدنا الخطر، وحققنا إنجازا استراتيجيا، وكسبنا الوقت، لكن عبارة "كنتم جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي" لم تعد مجرد توصيف لإنجاز أمني، بل أصبحت لغة ذات طابع كارثي، تنقل الجمهور مباشرة إلى سيناريو الإبادة، ثم تضع المتحدث (نتنياهو) في موقع من حال دون وقوعها".

اظهار أخبار متعلقة



ورأت أن "هذه الجملة لا تبدو مجرد محاولة لتفسير العملية العسكرية، بل تبدو وكأنها محاولة لإنقاذ الرواية نفسها، ولفهم ذلك، ينبغي الابتعاد قليلا عن الحدث ذاته والنظر إلى الموقع الذي يقف فيه نتنياهو اليوم؛ فعلى مدى عقود، بنى هويته السياسية حول صورة واحدة وه؛ القائد الذي رأى الخطر الإيراني قبل الجميع، الرجل الذي حذر بينما لم يكن العالم يصغي، والذي يفهم التهديد الوجودي، ويعرف كيف يخاطب الأمريكيين، ويصمد أمام الضغوط، ويرى ما يعجز الآخرون عن إدراكه في الوقت المناسب".

الأسطورة مهددة


وتابعت حديثها: "لم تكن هذه مجرد سياسة، بل كانت أسطورته الشخصية، واليوم تبدو هذه الأسطورة مهددة، ليس بسبب إيران وحدها، بل بسبب تراكم عوامل عديدة منها؛ الانقسام الداخلي، محاكمته، عملية السابع من أكتوبر، العلاقات المعقدة مع الولايات المتحدة، الانتقادات الداخلية، والشعور بأن ما قدم بوصفه إزالة لتهديد وجودي انتهى إلى واقع أكثر تعقيدا، يتضمن اتفاقا أمريكيا–إيرانيا وأسئلة مفتوحة حول ما الذي تحقق فعليا".

وأشارت الباحثة، أن "الإنسان عندما يشعر بأن القصة التي بناها عن نفسه توشك أن تفلت من بين يديه، تنشأ عملية نفسية معروفة: فهو لا يحاول الإقناع، بل يسعى إلى الفرض، ترتفع حدة اللغة ويتسع إطار الخطاب ويصبح الطرح أكثر تطرفا، لأن الشخص يشعر بأن الإطار المتطرف وحده قادر على احتواء التهديد الذي يواجهه".

وعندما ينظر نتنياهو إلى الصورة الكاملة، "يدرك أن هذه البقع ليست مجرد هوامش عابرة، بل قد تتحول إلى جزء من إرثه التاريخي، وتهدد الصورة التي أمضى حياته السياسية في بنائها: صورة القائد التاريخي، الحارس، الرجل الذي شخص الخطر الوجودي وأنقذ إسرائيل"، بحسب رأي مرغليت التي قالت: "لهذا تكتسب عبارة "كنتم جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي" هذه الأهمية، فهي لا تقول فقط: لقد تصرفنا بصورة صحيحة، بل تحمل رسالة أعمق وأكثر شحنة عاطفية: بدوني، لكنتم قد متم".

القلق الكامن


ونهت أن "هذه لم تعد لغة سياسة، بل لغة قلق؛ قلق من ألا يفهم الجمهور، وقلق من ألا يغفر التاريخ، وقلق من أن تكون القصة التي ستبقى عنه ليست قصة الإنقاذ، بل قصة الانقسام، والمحاكمة، والحرب، والإخفاقات، والاعتماد على الآخرين، والوعود التي لم تتحقق بالكامل، فعندما يضع الإنسان نفسه في موقع المنقذ من "الموت الجماعي"، فهو لا يطلب الامتنان فحسب، بل يحاول تغيير قواعد اللعبة، وففي اللحظة التي يصبح فيها الإطار هو النجاة من كارثة وجودية، تبدو أي انتقادات مشروعة للأهداف أو التكلفة أو الفجوة بين التصريحات والواقع مختلفة؛ لا كمساءلة مشروعة، بل كنوع من الجحود من أشخاص لا يدركون مما تم إنقاذهم".

اظهار أخبار متعلقة



ورأت أن "المفارقة في هذه الجملة، أن قوة هذه العبارة تكشف مقدار القلق الكامن خلفها؛ فالشخص الواثق من إنجازه لا يحتاج إلى الحديث عن "الموت الجماعي"، بل يمكنه عرض النتائج، وشرح الأهداف، وبيان ما تحقق وما لا يزال مطلوبا، أما عندما لا يكون الإنجاز راسخا بما يكفي في الوعي العام، اللغة تصبح أكثر تطرفا؛ فهي لا تكتفي بالتفسير، بل تحاول فرض شعور معين على الجمهور".

ونوهت أن "القادة الذين يمضون سنوات طويلة في السلطة يبدأون، في مرحلة ما،بالتحدث ليس إلى الجمهور فقط، بل إلى التاريخ أيضا، هم لا يشرحون ما حدث، بل يحاولون تحديد الكيفية التي ينبغي أن يتذكر بها ما حدث، ومن هذا المنظور، لم يكن نتنياهو يتحدث عن إيران فقط، بل كان يتحدث عن نفسه، وعن موقعه في الرواية الإسرائيلية، وعن خوفه من بقاء الندوب، وعن احتمال انهيار الصورة التي بناها حول نفسه بوصفه "القائد التاريخي".

وبينت الباحثة، أن "الرسالة الضمنية التي حملتها جملة نتنياهو تتضمن؛ لا تتذكروا الانقسام ولا المحاكمة ولا السابع من أكتوبر، ولا حتى الخلافات مع الولايات المتحدة وفشل تحقق أهداف الحرب، بل تذكروا شيئا واحدًا فقط: أنا أنقذتكم"، منوهة أن "هذا هو الجانب الأكثر خطورة في الخطاب السياسي؛ فعندما يبدأ القائد بالدفاع عن إرثه الشخصي بقدر دفاعه عن سياساته، فإنه لا يدير الأحداث فحسب، بل يحاول إدارة ذاكرتنا الجماعية أيضا".

التعليقات (0)