لطالما أثارت الأسرار التي تحيط بحياة الزعيم الكوري الشمالي
كيم جونغ أون الجدل، وهو يمثل الجيل الثالث من أسرته التي حكمت البلاد وراثياً عن أبيه الزعيم السابق كيم جونغ إل، وابنه من زوجته
كو يونغ هوي.
ومنذ توليه السلطة عام 2011، أي قبل 13 عاماً، لم يذكر كيم اسم والدته "كو يونغ هوي" علناً ولو مرة واحدة، وقد يعود هذا الصمت الشديد حيالها إلى ما يُنظر إليه على أنه خلفية اجتماعية "مشوبة"، ووضعها كعشيقة، وهما أمران يقول محللون إنهما قد يهددان النظام الحاكم.
ووفقاً لتحليل نشرته "
بي بي سي"، تبقى "كو يونغ هوي" شخصية غامضة، ولا يحمل أي معلم أو مؤسسة اسمها تكريماً لها، خلافاً لوالدتي الزعيمين السابقين، كانغ بان سوك، والدة مؤسس البلاد كيم إيل سونغ، وكيم جونغ سوك،
والدة كيم جونغ إيل، اللتين جرى تبجيلهما بوصفهما "أمَّي كوريا".
اظهار أخبار متعلقة
ووفقاً لما أورده بعض كتّاب السيرة، فقد ولدت كو في أوساكا باليابان عام 1952، لوالدين ينحدران أصلاً من جزيرة جيجو، الواقعة اليوم في كوريا الجنوبية، أي في أراضي ما يوصف اليوم بـ"العدو".
وتعود جذورها إلى "الكوريين الزاينيشي"، وهم الذين عاشوا هناك خلال فترة الحكم الاستعماري الياباني لشبه الجزيرة الكورية بين عامي 1910 و1945.
ورغم أن الكثيرين كانوا ينظرون للعائدين من اليابان بشيء من الحسد، لما يملكونه من أموال وملابس وأجهزة منزلية من البلد الرأسمالي المجاور، إلا أنهم وُصِموا أيضاً بتسمية "جايبو"، وهي لفظ ازدرائي يُطلَق على جماعة يُنظر إليها على أنها "تلوّثت" بأفكار أجنبية وخطيرة.
وبحسب التصنيف الاجتماعي في
كوريا الشمالية الذي يوصف بالصارم، يُصنَّف الكوريون الزاينيشي ضمن "الطبقة المتذبذبة"، الواقعة بين الطبقة الأساسية والطبقات المعادية، حيث يخضعون لرقابة مشددة من الدولة، وغالباً ما يُحرمون من الالتحاق بجامعات مرموقة أو الحصول على وظائف واعدة.
يرى بعض المحللين أن النظام المجتمعي في كوريا الشمالية الذي يتصف بالـ"تراتبية"، يشبه نظام الطبقات المغلقة، وتقول الدكتورة جونغ يونغ-تاي، من جامعة دونغيانغ، إنه أيضاً "نظام يقوم على الذنب بالقرابة"، إذ يُعاقَب المواطنون على أفعال أفراد عائلاتهم.
هاجرت عائلة كو إلى كوريا الشمالية عندما كانت في العاشرة من عمرها، وكانت أسرتها من بين نحو 93 ألف كوري انتقلوا من اليابان إلى الدولة الشيوعية بين عامي 1959 و1984، ضمن حملة "الفردوس على الأرض"، وهي خطة وعدت العائدين بحياة مثالية.
لكن المميز في كو دون أقرانها، أنها أفلتت من حياة المشقة والفقر التي كانت تنتظر كثيرين من الكوريين الزاينيشي، بعدما لفتت انتباه الزعيم آنذاك كيم جونغ إيل، حيث كانت آنذاك عضوة في فرقة مانسوداي الفنية النخبوية، وجذبت انتباه كيم بسبب "جمالها الطبيعي ومهاراتها في الرقص".
ورغم أن كيم لم يقدّم زوجته أو شريكته علناً قط، تشير معلومات استخباراتية إلى أنه كان حينها متزوجاً بالفعل من كيم يونغ-سوك، ابنة مسؤول عسكري رفيع، إذ اختارها له والده كيم إيل-سونغ.
وعلى الرغم من أنها لم تتزوج الزعيم الأعلى قط، ولم يعترف النظام بعلاقتهما، فإن كو عاشت ما يصفه غومي بأنه "حياة أشبه بحكاية سندريلا"، وبحسب التقارير، وقع كيم في حب كو بشدة، وأنها أصبحت لاحقاً مهتمة بشؤون السياسة في البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
لكن بينما كانت زوجته الرسمية تقيم في العاصمة بيونغ يانغ، عاشت كو وأطفالها الثلاثة بعيداً، على مسافة 210 كيلومترات، في مدينة وونسان الساحلية.
يقول كيم هيونغ-سو، من جمعية الدراسات الشمالية: "كيم جونغ-أون ليس ابن الزوجة الرسمية. إنه في الأساس الابن غير الشرعي لكو يونغ-هوي"، ويضيف: "تعتبر سلالة جبل بايكتو "الحاكمة" مقدسة، ولذلك فإن فكرة أن يكون الزعيم ابن امرأة من الـ'جايبو' أمر لا يمكن تصوره".
وتستند شرعية الحكم في كوريا الشمالية إلى ما يعرف بسلالة "جبل بايكتو"، نسبةً إلى أعلى جبل في شبه الجزيرة الكورية، والذي يُحتفَى به بوصفه المهد الأسطوري للشعب الكوري، وهو أيضاً الموقع الذي خاض فيه مؤسس الدولة، كيم إيل-سونغ، حرب عصابات ضد المستعمرين اليابانيين.
ويواجه الأطفال المولودون خارج إطار الزواج وصمة اجتماعية شديدة في كوريا الشمالية. فالبلاد رغم واجهتها الشيوعية، لا تزال متجذرة في المعتقدات الكونفوشيوسية. ويقول محللون إن مفاهيم مثل برّ الوالدين والولاء استُخدمت لتلقين السكان أيديولوجياً.
ويقدّم غومي سبباً آخر لنشأة كيم جونغ-أون بعيداً عن العاصمة. ففي ذلك الوقت، كانت عبّارة تُسيّر رحلات بين وونسان واليابان، ما سهّل على كو لقاء أشخاص قادمين على متنها والحصول على بضائع يابانية.
وقال كينجي فوجيموتو، وهو طاهٍ للسوشي خدم كيم جونغ إيل بين عامي 1988 و2001، في كتاب له إن كيم جونغ أون كان "يجيد غناء الأغاني اليابانية" و"يحسد اليابان على اقتصادها المتقدم".
بل إن كيم جونغ أون زار ديزني لاند في طوكيو مع شقيقه الأكبر، وفق ما نقلته وسائل إعلام يابانية عن مسؤولين في ذلك الوقت. ويقول غومي إن كو سافرت أيضاً إلى اليابان، في رحلة منفصلة، برفقة سكرتيرتها.
بدوره، أورد ريو هيون-وو، الدبلوماسي الكوري الشمالي المنشق، في كتابه "خزنة كيم جونغ أون السرّية"، قائلا: "لم يعترف كيم إيل سونغ قط بكو يونغ هوي زوجةً لابنه".
ويقول الدكتور تشونغ سونغ-تشانغ، من معهد سيجونغ، إن صور كيم إيل سونغ مع حفيده جونغ أون كانت ستُعمّم على نطاق واسع، لو أن كو حظيت بموافقة كيم الأكبر.
لكن رغم أن ذلك لم يحدث، نالت كو ثقة كيم جونغ إيل، وتصرّفت بصفتها السيدة الأولى الفعلية للبلاد، إذ رافقت زوجها في جولاته التفقدية العسكرية، ونسجت صداقات مع أفراد حاشيته، وقال فوجيموتو، الطاهي، إن كيم كان يستشيرها حتى قبل اتخاذ قرارات سياسية.
يعتقد كثير من كتّاب السيرة أن كو عملت بجدّ على تهيئة كيم جونغ أون لخلافة والده، وكتبت الصحفية آنا فايفيلد في كتابها "الخليفة العظيم: الصعود السرّي لكيم جونغ أون وحكمه" أن شقيقة كو الصغرى قالت لها إن عليه أن يصبح الزعيم المقبل، وإلا فإن العائلة ستكون في خطر.
أما الابن الأكبر لكيم جونغ إيل، كيم جونغ نام، فإنه فقد حظوته مبكراً لأنه شكك في مبدأ الخلافة الوراثية في كوريا الشمالية ودعا إلى الإصلاح، بحسب غومي، الذي تبادل معه رسائل إلكترونية على مدى سنوات.
وقد تكون مواقف جونغ نام السياسية نتاج عقدٍ أمضاه في الدراسة في الخارج، كما أنه كان يتقن الفرنسية والإنجليزية. واكتسب أيضاً سمعةً بأنه محبّ للحفلات، بسبب رحلاته المتكررة إلى الكازينوهات ونمط حياته المترف وكثرة التنقل.
وبعد عودة جونغ نام إلى كوريا الشمالية، استمرت الشائعات حول إعداد كو يونغ هوي أبناءها للخلافة. لكن ابنها الأكبر، جونغ تشول، استُبعد من وراثة الحكم بسبب إدمانه الشديد على الأفيون، وفقاً لكتاب ريو، الدبلوماسي السابق.
ويقول محللون إن كيم جونغ أون أصبح الابن المفضّل لدى والده بفضل ما أظهره من قابلية للقيادة وطبيعة تنافسية، وكانت شقيقة كو وزوجها مكلّفَيْن برعاية كيم وشقيقه الأكبر أثناء دراستهما في سويسرا.
لكنّ الزوجين فرّا إلى الولايات المتحدة عام 1998، بعد تشخيص كو بسرطان الثدي. وكانا يخشيان، بحسب مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست عام 2016 استند إلى مقابلة معهما، ألّا يحتاج إليهما النظام لفترة أطول.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم أن كيم جونغ أون أصبح بالفعل خليفة والده، فإن مخاوفهما كانت، على الأرجح، في محلها. فبعد وصوله إلى السلطة، أعدم أحد أعمامه، بينما اغتيل جونغ نام في ماليزيا، كما توفيت كو في أحد مستشفيات باريس، ومرّت وفاتها من دون أي إشارة في وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية.
ويقول محللون إن النسب السرّي لكيم جونغ أون قد يكون أحد أسباب عدم إعلان عيد ميلاده عطلةً وطنيةً، على خلاف عيدَيْ ميلاد جده ووالده؛ فالتركيز على ولادته قد يثير أسئلة شائكة حول والدته، وحول سبب تنشئته خارج بيونغ يانغ.
ورغم أن كيم جونغ أون يقف على قمة الهرم في كوريا الشمالية، فإن تصنيفه الاجتماعي، أو "سونغبون"، يضعه تقنياً في مرتبة متدنية نسبياً ضمن السلم الاجتماعي، بسبب صلاته بالكوريين الزاينيشي والمنشقين، بحسب ما كتب ريو، الدبلوماسي السابق.
ويرى تشونغ أن السرّية المحيطة بنسب كيم جونغ أون قد تكون جزءاً من السبب الذي دفعه إلى تقديم زوجته ري سول جو إلى العلن في وقت مبكر من حكمه، فيما يبدو أنه يمهّد لابنته المراهقة جو آي حتى تكون خليفة محتملة له في المستقبل.