الغنوشي تكتب عن العيد في غزة.. كان بركة دماء والهدنة مجرد كذبة

الغنوشي قالت إن تدمير القطاع الصحي في غزة قد بلغ حدا لا مثيل له تقريبا في الحروب الحديثة- جيتي
الغنوشي قالت إن تدمير القطاع الصحي في غزة قد بلغ حدا لا مثيل له تقريبا في الحروب الحديثة- جيتي
شارك الخبر
سلطت الكاتب التونسية، سمية الغنوشي، الضوء على المآسي والأزمات وحالة البؤس التي تعيشها غزة في ظل وقف إطلاق النار الهش، والانتهاكات الجسيمة التي يواصل الاحتلال ارتكابها على مدار الساعة.

وقالت الغنوشي، في مقال لها نشره موقع "ميدل إيست آي"، وترجمته "عربي21" إن الصور القادمة من غزة خلال عيد الأضحى، كانت لمحة خاطفة من واقع مستمر يتوارى خلف رواية مريحة ومزيفة تزعم أن الحرب قد انتهت.

وأضافت أن "إسرائيل" تواصل تنفيذ مخططاتها التوسعية في غزة، وعدوانها العسكري على سكانه المدنيين، في محاولة لتهجيرهم خارج القطاع، وسط صمت دولي مطبق، بل وتواطئ لتزييف الواقع في غزة بالترويج لمزاعم استمرار وصمود وقف إطلاق النار.

تاليا نص مقال الغنوشي:

انقضت أيام العيد للتو؛ وفي معظم أنحاء العالم الإسلامي، اجتمعت العائلات حول الموائد وارتدى الأطفال ملابسهم الجديدة وضجت البيوت بالضحكات والاحتفالات، ولكن في الوقت الذي أحيت فيه المجتمعات في أماكن أخرى هذه المناسبة ببهجة وتلاحم، كانت غزة تتجرع فصلًا آخر من فصول الفجيعة والنزوح والموت.

ولم تكن الصور القادمة من غزة خلال عيد الأضحى مجرد مآسٍ معزولة، بل كانت لمحة خاطفة من واقع مستمر يتوارى خلف رواية مريحة ومزيفة تزعم أن الحرب قد انتهت بشكل ما.

وأظهرت إحدى الصور أمًّا تُدعى “هداية“؛ خرجت برفقة بناتها لشراء ملابس العيد؛ حيث دخلت الفتيات إلى المتجر بينما استقرت الأم في الخارج، وفي غضون لحظات، ضربت غارة إسرائيلية المكان، فهرعت الفتيات إلى الخارج بذعر، ليرَين والدتهن ملقاة على الأرض في عرض الشارع، غارقة في دمائها.

وفي مقطع فيديو آخر لم يدم سوى ثوانٍ معدودة؛ وسط أنقاض مبنى دمرته غارة جوية إسرائيلية، ظهر رجل يحمل بين يديه جسد طفلة صغيرة.. كان جسدها ممزقًا، متفحمًا ومغطى بالدماء، وبينما كان يرفعها من تحت الركام، صرخ ملء فيه: “هذا أول أيام العيد!”.

وجاءت صورة ثالثة لتكشف عن خيام تحترق في عتمة ليلة العيد؛ فحتى الملاجئ المؤقتة للنازحين لم تسلم؛ إذ لم يعد كافيًا أن يُطرد الفلسطينيون من ديارهم، بل أصبحت حتى قطع القماش المهترئة التي يحتمون تحتها أهدافًا مستباحة.

اظهار أخبار متعلقة


هدنة بلا معنى

لم تكن هذه المشاهد استثنائية؛ فوفقًا للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية استشهد أكثر من 26 فلسطينيًا، معظمهم من النساء والأطفال، خلال الأيام الأولى للعيد وحده.

وفي اليوم الأول لعيد الأضحى، أسفرت غارة إسرائيلية استهدفت وسط مدينة غزة عن استشهاد 10 أشخاص على الأقل، من بينهم أربع فتيات وصبي وثلاث نساء.

وبالنسبة للضحايا، يغدو الجدال حول وجود وقف لإطلاق النار من عدمه بلا معنى؛ فهم أموات في كلتا الحالتين؛ وهذا هو الخداع الأكبر الكامن في قلب الخطاب السياسي الحالي بشأن غزة.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القوات الإسرائيلية قتلت نحو 1000 فلسطيني منذ إعلان هدنة أكتوبر/تشرين الأول، مما يرفع الحصيلة الإجمالية للشهداء منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى قرابة 73 ألفًا، فضلًا عن آلاف المفقودين الذين يُعتقد أنهم قضوا تحت الأنقاض.

إن الواقع جليّ ولا لبس فيه؛ فالجانب الفلسطيني التزم بالهدنة إلى حد كبير، في حين لم تلتزم بها إسرائيل. ورغم ذلك؛ توشك الحكومات الغربية والمؤسسات الإعلامية والدوائر السياسية على مواصلة الحديث وكأن وقف إطلاق النار قائم بالفعل.

ويبدو أن التعريف الجديد للهدنة يمنح إسرائيل الحق في مواصلة شن الغارات الجوية، وإطلاق النار على المدنيين، وهدم المنازل، وقتل الفلسطينيين بشكل شبه يومي، ومع ذلك يصر العالم على تسمية هذا الوضع بـ”وقف إطلاق النار”. أما إذا أُطلقت رصاصة واحدة من غزة، فتضج العناوين الرئيسية بالاتهامات حول “الخرق والتصعيد”.

ويؤدي هذا التزييف غرضًا واضحًا؛ فهو يزيح غزة من صدر العناوين الإخبارية، ويخفف حدة الرقابة والضغط الشعبي، ويفسح المجال لإسرائيل لمواصلة هجومها بينما يسوق القادة السياسيون أنفسهم كصناع سلام.

ولا يوجد شخص يجسد هذا الخداع بوضوح أكثر من توني بلير؛ ففي حديثه الأخير عن غزة، صرح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق قائلًا: “لقد وضعنا خطة أنهت الحرب”. لكن السؤال: أنهت الحرب لمن؟ ألهداية التي قُتلت وهي تشتري ملابس العيد لبناتها؟ أم للطفلة الصغيرة التي نُشلت من تحت الركام في أول أيام العيد؟ أم للعائلات التي احترقت وهي حية داخل الخيام؟

إدارة حرب الإبادة

ويقر بلير بأنه لا يزال هناك “بعض القتال الجاري”، وهي عبارة مراوغة إلى حد لافت؛ فمن يقاتل من؟ ومن الذي يشن الغارات الجوية اليومية؟ ومن الذي يوسع سيطرته العسكرية على غزة؟ ومن الذي يقتل المدنيين بشكل شبه يومي؟ إن بلير لا يجيب عن ذلك أبدًا.

وبدلًا من ذلك، يتحدث بلير عن مفاوضات إضافية؛ ليس مع الطرف الذي يخرق وقف إطلاق النار، ولا مع الطرف الذي ينفذ عمليات القصف، ولا مع الطرف الذي يناقش علنًا الاحتلال الدائم لغزة وتهجير سكانها. بل إن المفاوضات، كما هو الحال دائمًا، تجري مع الفلسطينيين؛ وهكذا، يختفي الجاني تمامًا من القصة، بينما يظل الضحية قابعًا في قفص الاتهام بصورة دائمة.

وهذه هي الوظيفة الحقيقية لما يُسمى “مجلس السلام“؛ وهو ليس وقف حرب الإبادة الجماعية، بل إدارة التصورات العامة بينما تستمر المجازر.

بيد أن وعود هذا المجلس بدأت تتهاوى بالفعل؛ فقد اختفى الحديث عن دخول قوات دولية إلى غزة في صمت، ولم تتبلور خطط إعادة الإعمار البراقة التي روج لها جاريد كوشنر. ومؤخرًا، كشفت صحيفة فاينانشال تايمز أن صندوق “مجلس السلام” لا يحتوي على شيء تقريبًا.. صفر دولار.

وفي غضون ذلك؛ أفادت وكالة رويترز بوجود خطط لإغلاق البعثة التي تقودها الولايات المتحدة، والتي كانت مكلّفة افتراضيًا بمراقبة وقف إطلاق النار وتسهيل تسليم المساعدات، وسواء أغلقتها واشنطن رسميًا أم لا، فإن الأمر لم يعد جوهريًا؛ إذ أنها لم تعد في الواقع سوى هيكل أجوف.

إن الواقع على الأرض يروي قصة مغايرة تمامًا لتلك التي تُعرض في المؤتمرات الدبلوماسية؛ فبينما يتحدث الدبلوماسيون عن السلام، يتباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علنًا بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على غزة؛ حيث صرح مؤخرًا بأن القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو 60 بالمئة من القطاع، وأن هدفه هو رفع هذه النسبة إلى 70 بالمئة.

وفي الوقت نفسه؛ يواصل وزير دفاعه، يسرائيل كاتس، الترويج لما يسميه بـ”الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من غزة. والتاريخ حافل بالاحتلالات التي أدركت مدى فائدة وصف التهجير القسري بأنه “طوعي”.

ولا يمكن للمرء أن يخطئ المفارقة الصارخة هنا؛ كاتفاق وقف إطلاق النار نفسه الذي احتفت به واشنطن وعد بإعادة الإعمار لصالح سكان غزة، ومع ذلك، يناقش القادة الإسرائيليون علنًا توسيع سيطرتهم على القطاع وتشجيع رحيل سكانه.
وماذا كان رد “مجلس السلام”؟ حرفيًا: لا تعليق.

ولم يكن رد الفعل الصادر من العواصم الغربية أكثر جدوى؛ إذ اقتصر على بيانات قلق صيغت بعناية، وتحذيرات بروتوكولية، وتعبيرات عن الأسف والدعوات لضبط النفس.. وهي المفردات المألوفة لحكومات عازمة على إظهار امتعاضها دون أن تغير شيئًا على أرض الواقع.

أما العواصم العربية والإسلامية، فلم تقدم الكثير سوى الصمت.
والنتائج هنا متوقعة تمامًا؛ فالإفلات من العقاب يولد التصعيد، وغياب العواقب يورث الغطرسة. وبعد قرابة ثلاث سنوات من عدم مواجهة أي ثمن حقيقي لأفعالها، باتت إسرائيل أكثر عدوانية، وأكثر تبجحًا، وأكثر استخفافًا بالقانون الدولي بشكل علني.

ولهذا السبب تظل غزة هي القضية الأساسية؛ لأن ما يحدث في غزة لا ينحصر فيها أبدًا؛ فالأساليب التي تم تطبيعها وإتقانها هناك تمتد إلى أماكن أخرى، والسابقة القانونية والعسكرية التي رُسخت هناك تُطبق في أماكن أخرى، والحصانة الممنوحة هناك تُنقل إلى أماكن أخرى.

اظهار أخبار متعلقة


حصانة بلا نهاية

انظروا إلى لبنان؛ بلدات كاملة تحولت إلى ركام ونزوح جماعي واستهداف للصحفيين  واعتداءات على المنشآت الطبية. وبات من الصعب؛ وبشكل متزايد، التمييز بين الصور القادمة من جنوب لبنان وتلك القادمة من خان يونس.

فالأنماط ذاتها تتكرر، والذرائع نفسها تُساق، ويليهما الصمت الدولي ذاته.
ولا شيء يوضح هذا أكثر من استهداف العاملين في القطاع الصحي. ففي غزة؛ تشير التقارير إلى استشهاد أكثر من 1700 كادر طبي، ما يمثل نحو 80 حالة وفاة بين العاملين الصحيين لكل 100 ألف شخص.

وعلى سبيل المقارنة، تشير التقديرات في أوكرانيا إلى مقتل ما بين 280 و450 عاملًا في الرعاية الصحية خلال الحرب هناك، وهو ما يعادل أقل من حالة وفاة واحدة لكل 100 ألف نسمة.

ومن ثم، فإن تدمير القطاع الصحي في غزة قد بلغ حدًا لا مثيل له تقريبًا في الحروب الحديثة.
والنمط نفسه بات واضحًا الآن في لبنان؛ فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية، أسفرت الهجمات على المرافق الصحية والطواقم الطبية عن مقتل العشرات من العاملين في المجال الصحي هناك أيضًا.
والرسالة هنا لا تخطئها عين: إن العالم الذي تغاضى عن الهجوم على المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية في غزة، لا ينبغي له أن يتفاجأ عندما تنتقل هذه الممارسات وتتمدد خارجها.

كما لا ينبغي لأحد أن يتوهم أن الطموحات الإسرائيلية تتوقف عند حدود غزة أو لبنان أو حتى إيران؛ فهذا النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمجهز أمريكيًا، والمحمي دبلوماسيًا، لم يظهر أي حدود واضحة لعدوانه. والمنطق نفسه الذي دمر غزة طُبّق لاحقا في لبنان، والحجج نفسها التي استُخدمت لتبرير الهجمات في لبنان وُظِّفت بعد ذلك ضد سوريا وإيران.

وفي كل مرة؛ يُصوَّر كل تصعيد على أنه حالة استثنائية، وكل حرب تُنعت بأنها ضرورة حتمية. وكل هدف جديد يُرسم على أنه تهديد وجودي، ومع ذلك تستمر قائمة الأعداء في الاتساع.

وجاء أحدث تجسيد لذلك على لسان جوناثان بولارد، محلل الاستخبارات الأمريكي السابق الذي سُجن بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، والذي اقترح مؤخرًا وجوب النظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها مجرد تمهيد لمواجهات مستقبلية مع تركيا ومصر.

ويا لها من مفارقة مذهلة، فتركيا ومصر ليستا دولتين في حالة حرب مع إسرائيل، وتجمعهما بها علاقات رسمية، وكانتا، إلى جانب قطر، الوسطاء الرئيسيين في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة. ومع ذلك، يبدو أن هذا كله لا يوفر حماية كافية تمنع مناقشتهما كأهداف مستقبلية.

غزة هي القضية

وسواء كان بولارد يتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية أم لا، فإن هذا ليس جوهر المسألة؛ بل إن الأهمية تكمن في أن مثل هذه الأفكار تتردد علنًا وبشكل متزايد داخل الخطاب السياسي والإستراتيجي الإسرائيلي، وهي تكشف عن عقلية صاغها الإفلات من العقاب: الاعتقاد بأن القوة العسكرية يمكن استخدامها إلى ما لا نهاية ضد قائمة تتسع باستمرار من الخصوم دون مواجهة أي عواقب حقيقية.

وذلك لأن غزة ليست مجرد كارثة إنسانية؛ بل هي البقعة التي أُزيلت فيها كل الخطوط الحمراء والحدود؛ حيث إن تدمير أحياء بأكملها، واستهداف المستشفيات، وقتل الكوادر الطبية، وتهجير المدنيين، وتطبيع العقاب الجماعي، والنقاش العلني حول ترحيل السكان، كلها ممارسات جُربت واختُبرت هناك على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

والدرس الذي يبدو أن إسرائيل قد استخلصته لم يكن أن هذه الأفعال ستؤدي إلى عواقب وخيمة، بل كان الدرس أنها ستمر دون أي عواقب على الإطلاق.

وهذا هو السبب في أن كل نقاش حول لبنان يعود بنا في نهاية المطاف إلى غزة. وكل جدال حول التصعيد الإقليمي يعود بنا إلى غزة. وكل حوار حول القانون الدولي، والمساءلة، ومستقبل الشرق الأوسط يعود بنا إلى غزة.

وكل ذلك لأن غزة ليست مجرد قضية من بين قضايا أخرى.. غزة هي القضية الأساسية والمرتكز.
التعليقات (0)