ما سر ظهور "الحفر الانهدامية" التي تبتلع أكثر أراضي تركيا خصوبة؟

ظهرت ما يقرب من 700 حفرة انهيارية في أجزاء من تركيا - الجيولوجي التركي سيركان إيشيلي
ظهرت ما يقرب من 700 حفرة انهيارية في أجزاء من تركيا - الجيولوجي التركي سيركان إيشيلي
شارك الخبر
أثار ظهور حفرة عملاقة جديدة، يبلغ عمقها حوالي 10 أمتار وعرضها 10 أمتار، قلق السكان المحليين في ولاية قونية وسط تركيا، بعد أن تشكلت بشكل فجائي في حقل زراعي بالمنطقة التي تشهد زيادة كبيرة في تكوينات الحفر الانهيارية في السنوات الأخيرة.

رئيس مجلس المهندسين الجيولوجيين في قونيا، شُكرو أرسلان، حذّر من أن ارتفاع معدلات الأمطار مؤخراً قد يسبب تشكيل مزيد من التخسفات، أو ما يُعرف باللغة التركية بـ "obruk"، ويُقصد بها الحفر الانهدامية.

Image1_62026312752856828122.jpg

وأشار أرسلان إلى أن عدد الحفر التي تم رصدها في العديد من مقاطعات قونيا، خاصةً في كارابينار، بلغ تقريباً 700 حفرة، لافتاً إلى أن الأمطار بدأت تساهم في تشكيل "عملية ديناميكية" تحت الأرض.

 
وأوضح أن الأمطار زادت من الحركة تحت الأرض، وخلق تدفق المياه حالة من الـ"تآكل الداخلي"، ما شكّل العديد من الفجوات الهشة التي أدت في النهاية إلى حدوث حالات انهيار تحت الأرض ظهرت على شكل حفر عميقة وكبيرة على السطح.

ظهور نحو 700 حفرة

أكثر ما يثير قلق السكان هو أن ظهور الحفر تركز في سهل قونيا الأوسط، الذي يُعتبر "سلة الخبز" للبلاد، حيث بلغ عددها حوالي 684 حفرة كبيرة، مع ظهور المزيد باستمرار، بأعماق تتراوح ما بين متر واحد إلى 60 متراً، وقطرها ما بين 15 إلى 160 متراً، قادرة على ابتلاع حافلة أو منزل بأكمله.

المناطق المتضررة

تركزت معظم الحفر في محافظة قونيا (مثل كارابينار وكرمان)، حيث يعتمد الزراع على الري الجوفي لمحاصيل تُعد مستهلكة للمياه، مثل البنجر السكري والذرة، وتمثل هذه المنطقة نحو 77 بالمئة من استهلاك المياه الزراعي في تركيا.

السبب الرئيسي

أدى استنزاف المياه الجوفية (انخفاض مستوياتها بـ60 متراً مقارنة بـ1970) بسبب الجفاف غير المسبوق الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ 52 عاماً، إلى انهيار الكهوف الجوفية تحت الأرض، حيث فقدت التربة دعمها.

 
ومع انخفاض هطول الأمطار بنسبة 26-60 بالمئة في بعض المناطق، ساهمت الآبار غير الشرعية (حوالي 35,000 بئر مرخصة، بالإضافة إلى آلاف غير مرخصة) في تفاقم المشكلة.

التأثيرات


تهدد هذه الحفر الأراضي الزراعية، والمنازل الريفية، والبُنى التحتية، مما يعرض حياة آلاف السكان للخطر. كما أدت إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، وفقدان التربة الخصبة، وزيادة خطر التصحر الذي يهدد 88 بالمئة من أراضي تركيا بحلول عام 2030، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة.

الجهود لمواجهة الأزمة

يقوم مركز بحوث الانهيارات في جامعة قونيا التقنية، بقيادة البروفيسور فتح الله أريك، بتسجيل أعداد الحفر يومياً، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد للتنبؤ بها.


الحلول المقترحة

دعوات لتحسين أنظمة الري، وتقليل الاعتماد على المياه الجوفية، ونقل مياه من مناطق أخرى (مثل بحيرة بيشهير). كما يدعو خبراء إلى سياسات زراعية مستدامة لمواجهة تغير المناخ، الذي يُعتبر المحرك الرئيسي لهذه الظاهرة.

التحذيرات


التقرير الأممي بعنوان "بؤر الجفاف 2023-2025" يصف تركيا كجزء من "حزام الجفاف" الممتد من أوروبا الجنوبية إلى آسيا الوسطى، محذراً من كارثة غذائية إذا لم تتغير السياسات الإروائية ولم يُتوقف عن استنزاف المياه الجوفية.

تحليل طبقات الصخور

المهندس المختص بالتعدين وعلوم الأرض سيركان إيشيلي قدّم عدداً من الأدلة التي تؤكد وجود خلل في الطبقات الأرضية التي باتت تتسبب في ظهور تلك الانهيارات على شكل حفر عميقة.

ولفت إلى أن الوحدات العلوية (الألوسيال/الكسرية) في الأجزاء القريبة لتلك الحفر من السطح تسودها بنية طينية-رملية. ونظراً لانخفاض تماسك هذه الوحدات (قدرتها على الالتصاق ببعضها البعض)، فهي تظهر انفصالات على طول خطوط دائرية أثناء الانهيار.

 
وفي الجدران الجانبية، أشار إلى التراكب الأفقي (الستراتيغرافيا) الذي يظهر بوضوح تام، والذي يمثل فترات ترسيب مختلفة، ويظهر نفسه من خلال اختلافات في اللون والملمس، ومع النزول نحو أعماق الحفرة، تأخذ المادة شكلاً أغمق وأكثر رطوبة.

اظهار أخبار متعلقة


أما في النقطة السفلية الدنيا للحفرة، فيتكون تجمع مائي أو بنية طينية مشبعة بشكل مفرط، وهذا الوضع يثبت أن الانهيار قد يكون مرتبطاً مباشرة بتغيرات في مستوى المياه الجوفية (الانسحاب أو التحميل المفرط).

"الذوبان الكارستي"

يوضح إيشيلي أن هناك سببين رئيسيين وراء نشأة هذه الأنواع من الهياكل، حيث يعود تشكل فراغات جوفية أرضية إلى وجود صخور قابلة للذوبان، وهي عملية تسمى بـ"الذوبان الكارستي"، وهو ما يحدث حين تتآكل الصخور مثل الحجر الجيري (الكالسيت) أو الجبس في الطبقات السفلية.

Image1_62026312837775006733.jpg

وأضاف قائلاً: "عندما لا تستطيع الطبقة الهشة حمل الأوزان العلوية، يحدث الانهيار المفاجئ، خاصة مع انسحاب المياه الجوفية؛ فإن الضغط الهيدروستاتيكي الذي توفره المياه يزول، مما يسمح للأرض بابتلاع نفسها تحت ثقلها الخاص".

وأشار إلى أن الشقوق الدائرية الواقعة مباشرة على حافة الحفرة، تشير إلى اضطراب استقرار المنحدر، وأن التمدد سيستمر، كما أن تسرب المياه السطحية بسرعة نحو القعر سيؤدي إلى تليين الطبقات السفلية بشكل أكبر.
التعليقات (0)