يعيش سكان قطاع
غزة
المحاصر أوضاعا كارثية نظرا لعدم توفر المواد الأساسية الضرورية لحياة الإنسان
وارتفاع أسعار الكميات القليلة المتوفرة من تلك المواد، بفعل حصار بالتزامن مع
تقليص بعض المؤسسات دعمها في ظل الأوضاع الاقتصادية الصفرية لبعض العائلات.
عائلة
"محمد"، هي نموذج حي يعكس الواقع الكارثي الذي تعيشه معظم العائلات
الفلسطينية في القطاع، حيث يبت أفرداها في بعض الليالي بلا طعام، والأب الذي لا
يمتلك أي مصدر للدخل، أوضح لـ"عربي21" أنه يبحث عن عمل منذ أشهر كي
يتمكن من توفير ما يلزم من الحد الأدنى لعائلته من الطعام، لكنه لم يحصل على أي
فرصة للعمل.
أوان فارغة
وذكر "محمد"
النازح مع عائلته المكونة من 5 أفراد، على شاطئ البحر في خانيونس جنوب القطاع، أنه
يتوجه يوميا إلى التكية التي تعمل بالقرب من مكان نزوحه لجلب وجبة طعام لأطفاله؛
وقال: "في بعض الأيام أتمكن من الحصول على وجبة طعام وأحيانا أغادر المكان
وطنجرة الطعام فارغة".
اظهار أخبار متعلقة
وتساءل بألم: "من
أين أتي بالمال لشراء الطعام؟، يمر علينا اليوم واليومين وليس لدينا خبز، نضطر
أحيانا لطلب الخبز من الجيران كي نأكل نحن وأطفالنا"، موضحا أن التكية توزع
في بعض الأيام الخبز على النازحين، ولكن الكثير لا يحصلون عليه نظرا لعدد النازحين
الكبير.
وأفاد النازح أنه
وصلته صباح الأحد الماضي رسالة نصية على جواله لاستلام طرد غذائي من مدينة دير
البلح، لكنه لم يتمكن من الخروج لجلب الطرد لعدم توفر قيمة المواصلات من خان يونس
إلى دير البلح والعكس، علما أن سعر المواصلات تضاعف قرابة 4 أضعاف عن سعر ما قبل
الحرب، وهو بحاجة إلى قرابة 24 شيكلا (8.5 دولار تقريبا) من أجل أن يتمكن من جلب
ذاك الطرد.
جدير بالذكر، أن
الكثير من مخيمات النازحين، كانت توزع على الأسر قبل فترة قصيرة ربطة خبز كاملة (2
كيلو) بشكل شبه يومي مورد من برنامج الغذاء العالمي، أما اليوم، فبات توزيع الخبر
محدود جدا، ومن الممكن أن تحصل العائلة كل ثلاثة أيام على نصف ربطة خبر، وهي لا
تكفي لوجبة غداء واحدة.
تقليص الدعم
ولأجل الوقوف على
الواقع الحالي لعمل "منظمة المطبخ المركزي العالمي" الذي بدأ عمله في
قطاع غزة عقب اندلاع حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تواصلت
"عربي21" مع أحد الموظفين ، حيث أكد أن إدارة المطبخ العالمي قامت
بتسريح مئات الموظفين الذين يعملون بنظام المياومة، موضحا أن "هناك تقليصا كبيرا
في عمل المطبخ في الفترة الأخيرة في القطاع، ولا أحد يعرف سبب ذلك".
وذكر الموظف الذي فضل
عدم ذكر اسمه، أن "إدارة المطبخ قامت بتوقيف 462 موظفا عن العمل، وهؤلاء كانت
لديهم عقود عمل مؤقتة ولم يتم تجديدها، وكان آخر يوم لهم في 20 أيار/يوليو الجاري
وتم منحهم مكافأة نهاية الخدمة ومن ثم تسريحهم".
وأفاد أن "المطبخ
وصل إلى مليون وجبة في اليوم، وأقل مطبخ كان يقدم في اليوم 600 قدر كبير، ونحن
اليوم في مطبخنا نقدم قرابة 200 قدر فقط، وهذا يدل على أن التقليص في عمل المطبخ
في القطاع وصل لنحو 65 في المئة، حتى أنه تم تقليص عدد المخيمات المستفيدة من
الوجبات المقدمة".
وفي زيارة ميدانية
لأحد التكيات العاملة غرب خانيونس قرب البحر، ظهر جليا الجهد الكبير المبذول من
أجل إعداد الطعام في ظل شح المواد ومحدودية الموارد التي تقدمها المؤسسات الدولية.
وقال نضال الأخرس،
مدير عمليات منتدى "شارك الشبابي" الذي يشرف على العديد من التكيات:
"يتم العمل على تقديم وجبات طعام للمواطنين النازحين في مخيماتهم عبر التكيات
التي قامت على مبدأ التيسير على الناس في تجهيز الطعام، وهي أنشئت في ظل الفقد
الشديد للطعام وغياب المواد الأساسية وعدم توفر مصادر دخل للعائلات النازحة".
معاناة متصاعدة
ونوه في حديثه
لـ"عربي21"، إلى أن "عمل التكيات يخفف من معاناة الناس وتساندهم في
ظل هذه الأوضاع الصعبة، ونحن نعمل بالتنسيق مع مجموعة من المؤسسات الدولية الداعمة
ومنها؛ برنامج الغذاء العالمي والمطبخ العالمي، ومن خلالهم نقوم بطهي الطعام
وتوزيعه على الناس، إضافة لتأمين ربطة خبز لكل عائلة، ومن ثم الآن نصف ربطة".
وأوضح الأخرس، أنه
"رغم أن المعاناة لم تنتهي تم تقليص كمية الخبز بعد دخول التهدئة حيز التنفيذ
في القطاع"، معربا عن أسفه لأن "المؤسسات الدولية تعمل عبر فلسفة يتم من
خلالها تحويل بعض برامج الطوارئ إلى برامج التعافي؛ أي التحول من تقديم خدمات
طارئة لخدمات تعافي مثل توفير مبلغ من المال يرسل على المحافظ للمواطنين لشراء ما
يناسبهم من الطعام".
ولفت إلى أن
"رؤية المؤسسات الدولية لإنتاج الطعام أنها باهظة؛ تكاليف الاستيراد والنقل
مرتفعة، هم يهتمون بإعادة إحياء الأسواق المحلية من خلال تنشيط عمل المحال
التجارية وتوفير مبلغ مالي للعائلات، وهذا التدخل اتضح لنا أنه لا يسد احتياجات
الأسر الضرورية للحياة، لأن الاحتياج كبير والبضائع في الأسواق مرتفعة الثمن بشكل
كبير".
وأشار إلى عدم توفر
الغاز والخشب في القطاع وهو ما يشكل تحديا أمام العائلات لطهي طعامهم، منوها أنه
"من المبكر جدا دخول المؤسسات الدولية بالعمل في مرحلة التعافي، لأن الناس ما
زلت في حاجة شديدة لتقديم الطعام الجاهز لهم، وخاصة كما ذكر في ظل عدم توفر الوقود".
وعن أهم المشاكل التي
تواجه عمل التكيات، ذكر أنه "لا يوجد تنوع في نوعية المواد الغذائية (عدس
ورز) بما يناسب الاحتياج الغذائي للإنسان، إضافة لعملية التقليص في ظل الاحتياج
الشديد، ما أدى إلى توقف تقديم خدمة الطعام في بعض المخيمات، إضافة لعدم توفر غاز
الطهي وشح الحطب".
نقص حاد
وردا على شكاوى بعض
الموطنين من الجودة المنخفضة للطعام المقدم من بعض التكيات وعدم التنوع، قال
الأخرس: "الأمر مرتبط بنوعية الطعام الذي يصل لنا من تلك المؤسسات، وأصناف
محددة يتم دعمنا بها ونحن نضطر لطهي ما هو متوفر".
وذكر أنه "تم
مناشدة المؤسسات الداعمة مرارا بضرورة التنوع في أصناف الطعام، لأن الناس ملت من
تقديم ذات الوجبة، ولماذا لا نقدم لهم وجبات طازجة من الخضار واللحوم المجمدة
المتوفرة في القطاع، لأجل مساعدة الناس على تحسين المستوى الغذائي عندهم، ولكن
للأسف لا توجد استجابة".
اظهار أخبار متعلقة
وعن مدى توفر المواد
الغذائية الضرورية في قطاع غزة، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة،
إسماعيل الثوابتة، أن "القطاع يعاني من نقص حاد ومتفاقم في المواد الغذائية
الأساسية نتيجة استمرار الحصار والإغلاق ومنع
الاحتلال إدخال الكميات الكافية من
المساعدات والبضائع التجارية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي لأكثر
من 2.4 مليون مواطن".
وأضاف في حديثه
لـ"عربي21": "رغم الجهود التي تبذل لتنظيم توزيع ما يتوفر من مواد
غذائية، إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن الكميات الداخلة لا تلبّي الحد الأدنى من
الاحتياجات الإنسانية، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والنزوح وتدمير مصادر الدخل والإنتاج
المحلي".
وأوضح الثوابتة، أن
"استمرار القيود المفروضة على إدخال السلع الأساسية والوقود يؤدي إلى اضطراب
سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة التشغيلية للمخابز والمنشآت الحيوية،
ما يفاقم معاناة المواطنين وينذر بمزيد من التدهور الإنساني والمعيشي في القطاع
المحاصر".