يواجه الأسرى
الفلسطينيون في سجون
الاحتلال الإسرائيلي ظروفًا قاسية وانتهاكات واسعة لحقوقهم الإنسانية، وذلك ضمن أنظمة طوارئ تسمح باعتقال تعسفي واحتجاز بلا محاكمة، مع استخدام واسع للتعذيب والمعاملة المهينة بمختلف أنواعها.
ويعاني الأسرى من اعتقال إداري بلا تهمة، وإجراءات قضائية غير عادلة، وهي التي تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال حرب الإبادة ضد قطاع غزة، ما يتضمن احتجاز جثث الأسرى الشهداء في مقابر سرية "مقابر الأرقام". ومنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، مرورًا بكل التغيرات الكبرى التي أثرت على القضية الفلسطينية، مرت قضية الأسرى بتقلبات كبرى أثرت على كيفية التعامل مع القضية، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود محطات تاريخية نضالية أبرزت قضية الأسرى الفلسطينيين.
وجاء في كتاب "
معاناة الأسير الفلسطيني" للكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط فراس أبو هلال: أن "السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه الأسرى تهدف بالأساس إلى تحويل الأسير الفلسطيني من إنسان صاحب قضية وحق، إلى مجرد رقم في سجلات مصلحة السجون، مع العمل الدؤوب على تحطيم معنوياته وكسر إرادته عبر سلسلة طويلة من الإجراءات التنكيلية التي تبدأ من لحظة الاعتقال ولا تنتهي بالإفراج".
التعذيب وأنواعه
تكشف تقارير حقوقية إسرائيلية وفلسطينية عن مسار طويل من الجدل القانوني حول استخدام التعذيب وسوء المعاملة في تحقيقات جهاز الأمن العام "الشاباك"، بين محاولات تقنين ما يُعرف بـ"الضغط الجسدي" وادعاءات بوجود تواطؤ قانوني يمنح غطاءً لهذه الممارسات.
بحسب تقرير صادر عن مركز "بتسيلم"، ظلّ نشاط جهاز الشاباك حتى عام 1987 بعيدًا عن الرقابة العلنية، إلى أن كشفت لجنة التحقيق الحكومية المعروفة بـ"لجنة لاندو"، التي شُكّلت عقب قضية عزات نفسو، أن الجهاز ضلل القضاء الإسرائيلي لمدة 16 عامًا بشأن استخدامه التعذيب لانتزاع اعترافات.
وعزات نفسو هو ضابط شركسي سابق في جيش الاحتلال اشتهر بقضيته التي كشفت تورط جهاز "الشاباك" في تلفيق اتهامات باطلة بالتجسس ضده، حيث تعرّض لتعذيب شديد أدى إلى اعترافات كاذبة. أدت قضيته إلى تشكيل لجنة "لاندو" للتحقيق في ممارسات التعذيب. ورغم إدانة اللجنة لهذه الممارسات، فإنها أوصت بالسماح باستخدام "الضغط النفسي" و"درجة معتدلة من الضغط الجسدي" في التحقيقات بدعوى "دفاع الضرورة"، وهو ما اعتبره حقوقيون تأسيسًا لما وُصف بـ"بيروقراطية التعذيب"، حيث تُنسب المسؤولية إلى الجهاز كمؤسسة لا إلى المحققين أفرادًا.
اظهار أخبار متعلقة
في عام 1991، نشر مركز "بتسيلم" تقريرًا استند إلى 41 إفادة لأسرى فلسطينيين خضعوا لتحقيقات الشاباك خلال الانتفاضة الأولى، ووفق التقرير، اتبعت التحقيقات نمطًا متكررًا شمل: الحرمان المطوّل من النوم، الذي وصل في بعض الحالات إلى عشرة أيام. وتضمنت أساليب التعذيب تغطية الرأس بأكياس قماشية لساعات أو أيام، والاحتجاز في زنازين ضيقة ومعزولة، والتقييد في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، مثل وضعية "الشبح" (تكبيل اليدين فوق الرأس) أو ما يُعرف بـ"ربطة الموز".
ويشمل ذلك استخدام الضرب المبرح، ما أدى في بعض الحالات إلى فقدان الوعي أو إصابات استدعت علاجًا طبيًا، إضافة إلى التهديد بإيذاء المعتقل أو أفراد أسرته. وأشار التقرير إلى أن شدة هذه الأساليب لم تكن مرتبطة بخطورة التهم، كما لم تُسفر إفادات الأشخاص المشمولين عن إدانات تتعلق بـ"نشاط إرهابي عدائي"، ما أثار تساؤلات حول مبررات استخدام "الضغط الجسدي المعتدل".
كما لفت التقرير إلى أن الاعترافات المنتزعة تحت هذه الظروف كانت تُقبل في المحاكم العسكرية، في ظل صعوبة الطعن في قانونيتها، مع تمديد فترات العزل ومنع لقاء المحامين، وصلاحيات واسعة للشاباك دون رقابة خارجية فعالة.
في أيلول/ سبتمبر 1999، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم وجود أساس قانوني يُجيز استخدام وسائل تحقيق جسدية، واعتبرت أساليب مثل التقييد المؤلم والحرمان من النوم غير قانونية، بحسب تقرير آخر لـ"بتسيلم". ورغم ذلك، أقرت المحكمة في الوقت ذاته بإمكانية إعفاء المحققين من المسؤولية الجنائية في حالات استثنائية استنادًا إلى "دفاع الضرورة".
القاضي
أهارون باراك صاغ ما عُرف لاحقًا بمبدأ "القنبلة الموقوتة"، الذي يتيح، في حال "وجود خطر وشيك ومحدد"، استخدام وسائل عنيفة لمنع هجوم محتمل، بحسب تقرير لـ"المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".
ويرى باحثون أن هذا الاستثناء فتح الباب أمام توسيع استخدام ما يُسمى "الوسائل الخاصة"، رغم أن القانون الدولي يحظر التعذيب دون أي استثناءات. أُقر عام 2002 "قانون جهاز الأمن العام" الذي نظّم عمل "الشاباك"، فيما أُدرجت صلاحيات تتعلق باستخدام القوة في إطار تشريعات "مكافحة الإرهاب"، وفق ما أورد موقع "
واينت".
وأُنشئت آلية لفحص شكاوى التحقيقات تُعرف باسم "مراقب شكاوى تحقيقات الشاباك"، إلا أن صحيفة "هآرتس" أفادت بأنه منذ عام 2001 حتى 2017، قُدمت نحو 1200 شكوى تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة، دون أن تُفضي أي منها إلى لائحة اتهام.
في قرارات لاحقة، توسّع تفسير مبدأ "القنبلة الموقوتة"، بحيث لم يعد مشروطًا بخطر فوري ومحدد بدقة، وسمحت المحكمة باستخدام "وسائل خاصة" في التحقيق، ووصفتها بأنها إجراءات محظورة في الظروف العادية لكنها "لا ترقى إلى مستوى التعذيب".
وتشمل هذه الوسائل، بحسب تقارير صحفية وبحثية، الحرمان من النوم لفترات طويلة، واحتجاز المشتبه به في أوضاع جسدية مؤلمة مثل "ركعة الضفدع"، ويتطلب استخدامها موافقة قيادات عليا في "الشاباك"، مع إمكانية تنفيذها فورًا في الحالات العاجلة ثم طلب المصادقة بأثر رجعي.
وأكد أبو هلال في كتابه أنّ "عمليات التعذيب في أقبية التحقيق الإسرائيلية لا تستهدف انتزاع المعلومات فحسب، بل هي عملية سحق منظمة للكرامة الإنسانية، حيث يُستخدم الضغط الجسدي المعتدل كغطاء قانوني لتمزيق أجساد ونفوس الأسرى عبر وسائل تفنّن المحققون في ابتكارها، بدءًا من الحرمان من النوم وصولًا إلى الهز العنيف ووضعيات الشبح المؤلمة، في ظل تواطؤ كامل من المنظومة القضائية التي توفر الحصانة للمحققين".
التعذيب بعد 7 أكتوبر
أظهرت شهادات وثقتها جهات مختلفة تعرض الأسرى الفلسطينيين لانتهاكات وحشية وبشعة وغير إنسانية، عدّدها رئيس نادي الأسير الفلسطيني في الصعقات الكهربائية والتعرية والنهش من طرف الكلاب البوليسية وهم عراة، وقال إن أصعب ما تم توثيقه هو عمليات الاغتصاب التي مارسها السجانون وجنود الاحتلال بحق الأسرى، وهي جريمة ضد الإنسانية يُحاسب عليها القانون الدولي الإنساني. وأكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني أنهم وثقوا شهادات أسرى حُرموا من النوم ومن العلاج وتعرضوا للضرب، وحتى قيادات الحركة الأسيرة وعلى رأسها مروان البرغوثي تتعرض لاعتداءات مباشرة من السجانين.
ووّثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إفادات جديدة لمعتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم مؤخرًا من سجون ومعسكرات احتجاز إسرائيلية، تتضمن شهادات حول تعذيب جنسي ممنهج، شمل الاغتصاب، والتعرية القسرية، والتصوير أثناء التعذيب، والاعتداء بأدوات وباستخدام كلاب، إلى جانب الضرب والإذلال النفسي المتعمد.
وأكد المركز أن هذه الممارسات، وفق ما أورده، لا تمثل حوادث فردية، بل تندرج ضمن سياسة منظمة تُمارس بحق معتقلين من قطاع غزة، في ظل غياب الرقابة الدولية على أماكن الاحتجاز. وبحسب الشهادات التي جمعها محامو وباحثو المركز، تعرّض معتقلون مدنيون، بينهم نساء، لاعتداءات جنسية متكررة خلال فترات احتجازهم، إضافة إلى الحرمان من النوم، والتهديد بإيذاء أفراد العائلة، والاحتجاز في ظروف مهينة.
كما أفاد معتقلون بتعرضهم لاعتداءات بأدوات صلبة، وللاعتداء من قبل كلاب مدربة، فضلًا عن الضرب المبرح والصعق بالكهرباء، ما خلّف إصابات جسدية ونفسية جسيمة.
وأشار المركز إلى أن تقريرًا أصدره في أيار/ مايو 2025، استند إلى شهادات 100 معتقل أُفرج عنهم، خلص إلى أن أنماط المعاملة الموثقة ترقى إلى مستوى التعذيب وفق القانون الدولي، بل وتندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، من حيث إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير وفرض ظروف معيشية قاسية على مجموعة سكانية محددة.
ودعا المركز المجتمع الدولي، والدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب، إلى التحرك العاجل لوقف ما وصفه بسياسة التعذيب الممنهج والإخفاء القسري، مطالبًا بتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول غير المقيّد إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج عن المعتقلين المحتجزين تعسفًا، وضمان توفير رعاية طبية ونفسية للضحايا.
كما حذّر من مخاطر إضافية تهدد المعتقلين، في ضوء تطورات تشريعية داخل إسرائيل تتعلق بعقوبة الإعدام، مؤكدًا ضرورة توفير حماية دولية فورية للمحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب.
قانون الإعدام
رغم حالات التعذيب وسياسة الإهمال الطبي والتعذيب الممنهج، اتجهت "إسرائيل" إلى تبني قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بشكل رسمي وعلني. صادقت الهيئة العامة للكنيست، في نهاية آذار/ مارس الماضي، بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون إعدام الأسرى، وذلك بتأييد من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو.
بادرت إلى مشروع القانون عضو الكنيست ليمور سون هارميلخ، فيما قاده وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي طالما تفاخر بتعذيب الأسرى الفلسطينيين وتجويعهم وارتكاب انتهاكات وجرائم بحقّهم. وتجاوزت اللجنة أكثر من 2000 تحفظ قُدمت على مشروع القانون خلال مداولاتها، قبل إقراره تمهيدًا للقراءتين الثانية والثالثة، بحسب ما جاء في بيان صدر عن الكنيست، في خطوة تعكس تسريع مسار التشريع رغم الجدل المثار حوله.
ويقضي القانون بفرض عقوبة الإعدام على من "يتسبب عمدًا بمقتل إنسان في إطار عمل يُصنف على أنه عمل إرهابي". كما ينص المشروع على عدم إمكانية منح عفو في مثل هذه الحالات، ما يعني تثبيت الحكم دون إمكانية تخفيفه أو تغييره بقرار سياسي أو قانوني لاحق.
وشمل مشروع القانون، وفق نصه، فرض عقوبة إلزامية من دون الحاجة إلى إجماع قضائي، وتنفيذ حكم الإعدام شنقًا بواسطة مصلحة السجون الإسرائيلية، على أن يتم تنفيذ الحكم خلال مدة محددة لا تتجاوز 90 يومًا من صدوره. ووفق صيغته الرسمية، ينصّ القانون على أن هدفه هو "تحديد عقوبة الإعدام لمنفذي عمليات قتل تُصنف على أنها عمليات إرهابية، في إطار مكافحة الإرهاب"، كما يحدد أن من "يتسبب عمدًا بمقتل إنسان بهدف الإضرار بمواطن أو مقيم في إسرائيل، أو بدافع إنكار وجود الدولة، يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد فقط".
ويتضمن القانون تمييزًا في آلية تطبيقه بين داخل إسرائيل والضفة الغربية، إذ ينص على فرض عقوبة الإعدام في الضفة باعتبارها العقوبة الأساسية، مع منح المحكمة العسكرية صلاحية استثنائية لفرض السجن المؤبد في "ظروف خاصة"، على أن يحدد وزير الأمن سياسة الجهة القضائية المختصة بمحاكمة المتهمين، بحسب ما ذكر موقع "عرب 48".
الاعتقال الإداري وجاء في كتاب "معاناة الأسير الفلسطيني" أن "المحاكم العسكرية الإسرائيلية تعتبر أداة طيعة في يد جهاز المخابرات (الشاباك)، حيث تفتقر هذه المحاكم إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة، وتستند في أحكامها الجائرة إلى ملفات سرية لا يُسمح للأسير أو محاميه بالاطلاع عليها، مما يجعل من القضاء الإسرائيلي شريكًا كاملًا في جريمة الاعتقال والتعذيب".
ويعد الاعتقال الإداري من أبرز أدوات الاعتقال التعسفي لدى الاحتلال، إذ يسمح القانون الإسرائيلي القائم على أوامر طوارئ بسجن أي فلسطيني لمدة مفترض أنها محددة حتى ستة أشهر دون توجيه تهمة، ويجوز تجديد الأمر عدة مرات لأجل غير مسمى.
ولا يتم إخطار المعتقل بتفاصيل الاتهام التي تعتمد على "ملف سري"، ويُحال إلى "محكمة أمن مركزية" في أحيان قليلة لمراجعة سطحية. عمليًا، يبلغ عدد المعتقلين إداريًا نحو 3442 شخصًا حتى نهاية آذار/ مارس 2026، ومن بينهم مرضى وكبار سن وأكاديميون.
رغم المادة 4 من قانون الطوارئ الإسرائيلي التي تفترض مراجعة قضائية خلال 48 ساعة، تشير التقارير إلى أن القاضي يرى غالبًا مجرد ملخصات للأدلة السرية دون مناقشة المحققين، وتُنفذ أغلب الأوامر كما هي دون تعديل.
ورفض الاحتلال حتى الآن تطبيق معايير محاكمة عادلة أو الإفصاح عن الأسباب، بل جدّد القادة العسكريون سياسة تجديد الإداريين بشكل شبه دائم، وهو ما يتعارض مع المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد على "مراجعة وضع المعتقل بصفة دورية".
وتتعارض هذه السياسة مع المبدأ القاضي بعدم جواز احتجاز المدني "حتى أثناء الصراع" دون محاكمة عادلة، فقد تبين أن الغالبية المطلقة من الحالات لا يطلع القاضي إلا على ملخص بالملفات، دون الحصول على الإفادات كاملة، مما يحرم الأسرى من حقهم في الدفاع. وتكمن خطورة الاعتقال الإداري في استمراريته، إذ يسلخ المعتقل عن الحاضر ويتركه في حالة قانونية معلقة، تُلقي بسلاح فريد في يد جهاز الأمن ضد أي نشاط مستقبلي ينفيه الاحتلال مُسبقًا على شكل "إرهابي مفترض".
المؤبد الإسرائيلي تختلف مدة السجن المؤبد عند الاحتلال الإسرائيلي، فإذا ارتكب الأسير عملية على خلفية وطنية أو قومية أو فدائية، فإن مدة المؤبد تكون مدى الحياة (99 عامًا)، أي إن السجين لا يخرج إطلاقًا ولا يُخفف حكمه، وهو ما يُطلق عليه (السجين الأمني)، ويُصْدَر الحكم المؤبد بحق من قام بعملية القتل ومن ساعده أو اشترك فيها حتى لو بشكل ثانوي.
أما إذا كانت نوايا "القاتل" جريمة عادية أو شجارًا عاديًا وما إلى ذلك، فإن المؤبد تُحدد مدته لتكون 25 عامًا، وقد يخرج بعفو في حال كان القاتل يهوديًا (وهو غالبًا ما يُوافق عليه) قبل عشرة أعوام من انتهاء محكوميته، وهنا يُطلق عليه (السجين المدني). وفي شباط/ فبراير 2025، أفرجت إسرائيل عن نائل البرغوثي، أقدم أسير فلسطيني في سجونها، بعد أن أمضى أكثر من أربعة عقود خلف القضبان، وذلك ضمن الدفعة السابعة من صفقة تبادل الأسرى حينها، التي جرى التوصل إليها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس.
اظهار أخبار متعلقة
ووُلد نائل البرغوثي في بلدة كوبر شمال رام الله، واعتُقل للمرة الأولى في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1978، بتهمة المشاركة في عملية مسلحة. وحُكم عليه بالسجن المؤبد و18 عامًا إضافية، ليصبح من ذوي المؤبدات والأحكام الطويلة وأحد أقدم الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود قضاها في السجن بشكل متواصل، رفضت "إسرائيل" الإفراج عنه في العديد من صفقات التبادل التي جرت بين الفصائل الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، رغم الدعوات المتكررة لإطلاق سراحه. وفي 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، أُفرج عن البرغوثي ضمن صفقة تبادل الأسرى المعروفة بـ"وفاء الأحرار"، التي تمت بوساطة مصرية، وأُطلق بموجبها سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي كان محتجزًا لدى حماس منذ عام 2006، مقابل 1027 أسيرًا فلسطينيًا.
وخلال فترة حريته القصيرة، تزوج البرغوثي من الأسيرة المحررة أمان نافع، إلا أن فرحته لم تدم طويلًا، إذ أعادت إسرائيل اعتقاله في 18 حزيران/ يونيو 2014، خلال حملة واسعة شنتها في الضفة الغربية عقب اختطاف ثلاثة مستوطنين.
وأصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية في البداية حكمًا بسجنه 30 شهرًا، لكنه بعد انقضاء مدة محكوميته، فوجئ بقرار إعادة الحكم السابق الصادر بحقه بالسجن المؤبد و18 عامًا إضافية، بداعي وجود "ملف سري" يمنع الإفراج عنه. احتجاز الجثامين ومقابر الأرقام يتبع الاحتلال الإسرائيلي سياسة سابقة بتجريد الشهداء الفلسطينيين من كرامتهم بعد الموت، ووفق تقارير حقوقية وإعلامية، أنشأت "إسرائيل" سرًا منذ منتصف القرن الماضي "مقابر الأرقام" (تُعرف إسرائيليًا باسم "مقابر الأعداء") لدفن جثث الشهداء الفلسطينيين. في هذه المقابر السرية لا تُذكر أسماء الشهداء على شواهد القبور، بل يُعلق على كل قبر رقم معدني فقط، وتحيط بها أسوار سلكية عسكرية، ويرفض الاحتلال أن يطلع الأهالي أو منظمات حقوقية على مواقعها أو عددها الحقيقي. وتُحتجز الجثامين في ثلاجات خاصة أو في تلك المقابر كوسيلة ضغط، إذ يعتبرها ضباط الاحتلال "ورقة مساومة" تُستخدم خلال أي مفاوضات تبادل أسرى أو سيطرة على الوضع الأمني. وأصدر القضاء الإسرائيلي حكمًا عام 2017 قضى بوجوب إعادة جثث المحتجزين لمستحقيها خلال ستة أشهر، لكنه تراجع لاحقًا بعدما أقرّت إسرائيل تشريعًا جديدًا يُعفي الشرطة من هذا الالتزام. (جرى تسليم جثمان الشهيد بهاء عليان لاحقًا بشرط ألا يحضر جنازته سوى 25 شخصًا).
وحتى أبريل/ نيسان 2026، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي احتجاز جثامين 98 جثمانا لشهداء الحركة الأسيرة الذين قضوا داخل السجون، وترفض الإفراج عنهم لتشييعهم ودفنهم بكرامة، بحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء. وكشفت عن وصول عدد جثامين الشهداء المحتجزين الكلي لدى الاحتلال إلى 778 جثمانًا، وهو رقم يعكس التصعيد الكبير في سياسة القتل والاحتجاز الممنهج، وأوضحت المعطيات أن من بين هذا العدد الإجمالي، هناك 256 شهيدًا محتجزًا فيما يُعرف بـ"مقابر الأرقام".
وتحتجز سلطات الاحتلال 479 شهيدًا منذ بداية العام الماضي 2025 وحتى الآن في الثلاجات.
في سياق تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تسلّمت وزارة الصحة في قطاع غزة مئات جثامين الشهداء الذين كانت سلطات الاحتلال تحتجزهم، وجرى دفن العشرات منهم دون التمكن من التعرف عليهم. وأوضحت وزارة الصحة أن عددًا من الجثامين وصل في أوضاع صعبة جدًا، إذ ظهرت على بعضها آثار إطلاق نار في مناطق حساسة كالصدر والرأس، فيما حملت أخرى شظايا وكسورًا في الجمجمة والأطراف وبعضها مفقود الأعضاء الداخلية، كما سُجّلت حالات لجثامين متحللة أو متجمدة، الأمر الذي أعاق عمليات التوثيق والتعرّف، وأثار تساؤلات حول ظروف الاستشهاد وما إذا كانت بعض الحالات قد تعرّضت لانتهاكات جسيمة قبل ذلك.
أدب السجون
شكّل أدب السجون الفلسطيني أحد أبرز تجليات التجربة الاعتقالية في تاريخ الحركة الوطنية، إذ حوّل الأسرى زنازينهم إلى فضاءات للكتابة والتوثيق والتأمل الفكري.
وعلى مدى عقود، خرج من خلف القضبان عشرات النصوص الروائية والشعرية واليوميات التي أرّخت لمعاناة الأسرى وأساليب التحقيق والعزل، وأسهمت في تشكيل وعي ثقافي جمعي حول قضية الاعتقال في الأراضي الفلسطينية، رغم القيود والتضييقات والحرمان من الأوراق والأقلام.
يبرز في هذا السياق اسم الأسير المحرر وليد دقّة، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في السجون الإسرائيلية، وكتب أعمالًا فكرية وأدبية من بينها رواية "حكاية سرّ الزيت" الموجهة للفتيان، والتي عالج فيها فكرة الزمن والحرية بلغة رمزية. كما أصدر كتاب "صهر الوعي" الذي تناول فيه سياسات السجون الإسرائيلية تجاه الأسرى، وحظي باهتمام نقدي واسع في الأوساط الثقافية الفلسطينية والعربية.
ومن الأسماء البارزة كذلك أسامة الأشقر، الذي وثّق تجربته الاعتقالية في روايات عدّة من بينها "سِحر الزيتون" و"الغرفة رقم 12"، مقدّمًا سردًا تفصيليًا لحياة التحقيق والعزل. وقد نالت أعماله اهتمامًا في معارض الكتب العربية، واعتُبرت من النصوص التي أسهمت في ترسيخ أدب السجون كنوع أدبي قائم بذاته في فلسطين.
أما الأسير المحرر باسم خندقجي، فقد واصل إنتاجه الروائي من داخل المعتقل، وصدرت له روايات عدّة أبرزها "مسك الكفاية: سيرة سيدة الظلال الحرة"، التي وصلت إلى القوائم الطويلة لجوائز أدبية عربية مرموقة، ما عُدّ إنجازًا استثنائيًا لكاتب يكتب من خلف القضبان ويصل إلى منصات التتويج الأدبي.
وفي 2024، فاز خندقجي بالجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" في دورتها الـ17 عن روايته "قناع بلون السماء"، وهو الذي تحرر بفعل صفقات التبادل التي تمت خلال حرب الإبادة. وفي حقل الشعر، يبرز اسم يوسف أبو سنينة، الذي دوّن تجربته في قصائد تناولت العزل الانفرادي والإضراب عن الطعام، إلى جانب كتابات أخرى لأسرى تحوّلت إلى دواوين منشورة بعد تهريبها من السجن بوسائل مختلفة، ما أضفى على النصوص بعدًا توثيقيًا وإنسانيًا عميقًا.
كما شكّل الأسير المحرر عبد الفتاح دولة نموذجًا للكاتب الذي مزج بين التوثيق السياسي والسرد الأدبي، حيث كتب عن تفاصيل الحياة اليومية في الأقسام، وأساليب التنظيم الداخلي للأسرى، وأسهمت كتاباته في نقل صورة دقيقة عن البنية الاجتماعية داخل المعتقلات.
النطف المهربة
بسبب سنوات الاعتقال الطويلة وأحكام المؤبد، تصاعد ظاهرة إنجاب أطفال لأسرى فلسطينيين عبر ما يُعرف بـ"النطف المهربة"، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ لسياسات السجون الإسرائيلية وحرمان الأسرى من حقهم في الحياة الأسرية.
وبعد أن كانت الفكرة تُعد غريبة على المجتمع الفلسطيني، تحولت إلى خيار يتزايد اللجوء إليه بوصفه شكلاً من أشكال الصمود والنضال. وسُجلت أول حالة ناجحة عام 2012، عندما أنجب الأسير عمار الزبن طفلين هما "مهند" و"صلاح الدين".
ومنذ ذلك الحين، نجح 71 أسيرًا فلسطينيًا في الإنجاب بهذه الطريقة، فيما بلغ عدد الأطفال الذين وُلدوا عبر النطف المهربة 102 طفل، مع تسجيل حالات فشل خلال محاولات التهريب.
وتقوم الفكرة على قيام أسرى محكومين لفترات طويلة بتهريب عينات من حيواناتهم المنوية إلى خارج السجن، لإجراء عمليات تلقيح صناعي لزوجاتهم في مراكز طبية متخصصة، وذلك بعد استيفاء ضوابط شرعية وقانونية محددة. وأجازت جهات دينية هذه الطريقة بشروط، من بينها وجود عقد زواج رسمي، وموافقة الزوجة، وإجراء العملية في مركز طبي معتمد، إضافة إلى حضور شهود وتوثيق العملية قانونيًا.
وتقول تقارير إن عددًا من زوجات الأسرى اللواتي أنجبن عبر هذه الطريقة استلهمن الفكرة من تجارب وأعمال درامية، فيما يرى متابعون أن الظاهرة تحولت إلى عنوان بارز في ملف الأسرى، لما تحمله من أبعاد اجتماعية وإنسانية وسياسية.
نضالات وحوادث بارزة شهدت السجون الإسرائيلية على مدار العقود الماضية محطات نضالية بارزة خاضها الأسرى الفلسطينيون احتجاجًا على ظروف اعتقالهم وسياسات إدارة السجون، كان أبرزها الإضرابات المفتوحة عن الطعام التي تحوّلت إلى أداة ضغط رئيسية لانتزاع حقوق معيشية وإنسانية.
من أبرز هذه المحطات إضراب عام 2012 المعروف بـ"إضراب الكرامة"، الذي شارك فيه آلاف الأسرى احتجاجًا على العزل الانفرادي والاعتقال الإداري، وانتهى باتفاق برعاية مصرية تضمّن تحسينات على ظروف الزيارة وتقليص استخدام العزل، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا" آنذاك. كما تكرر الإضراب الجماعي في نيسان/ أبريل 2017 تحت عنوان "إضراب الحرية والكرامة" بمشاركة مئات الأسرى، مطالبين بإنهاء العزل وتحسين الرعاية الطبية، بحسب نادي الأسير الفلسطيني.
وسُجّلت حالات فردية لافتة في سياق الإضراب عن الطعام، من بينها إضراب الأسير خضر عدنان الذي خاض عدة إضرابات احتجاجًا على اعتقاله الإداري، قبل أن يُعلن عن استشهاده في أيار/ مايو 2023 داخل السجن، وفق ما أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وأثارت وفاته ردود فعل فلسطينية واسعة ومطالبات بتحقيق دولي في ظروف احتجازه.
وفي تموز/ يوليو 1980، استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري خلال إضراب عن الطعام في سجن نفحة، بعد إخضاعهما للتغذية القسرية، بحسب ما وثّقته مؤسسات الأسرى الفلسطينية وتقارير رسمية صادرة عن هيئة شؤون الأسرى. وتُعد حادثة استشهادهما من أوائل المحطات في مسيرة الحركة الأسيرة. وفي 2021، برزت عملية الهروب الجماعي للستة من سجن جلبوع عام 2021 "نفق الحرية" كأكثر الحوادث تأثيرًا في الوعي الشعبي، حيث خرج الأسرى عبر نفق حفروا طوال أكثر من عام، ما مثّل فشلًا أمنيًا كبيرًا لـ"إسرائيل".
وعن صفقات التبادل، كانت صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي عام 2011 (تُسمى فلسطينيًا صفقة وفاء الأحرار)، من أضخم عمليات تبادل الأسرى العربية الإسرائيلية، وكانت مميزة لأن الفلسطينيين استطاعوا الحفاظ على الجندي الإسرائيلي أسيرًا لنحو 5 سنوات رغم خوض "إسرائيل" حربين على قطاع غزة.
وتضمنت الصفقة إفراج "إسرائيل" عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل أن تفرج حركة حماس عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط. وقد أُعلن عن التوصل لهذه الصفقة في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 بوساطة مصرية، وتعد هذه الصفقة الأولى في تاريخ القضية الفلسطينية التي تمت فيها عملية الأسر ومكان الاحتجاز والتفاوض داخل أرض فلسطين. وخلال حرب الإبادة التي استمرت لأكثر من عامين، مع الاتفاق ثلاث مرات على التهدئة، كانت أولى صفقات التبادل هي الهدنة الإنسانية في عام 2023، واستمرت أربعة أيام اعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر ومُدّدت يومين إضافيين، وقد التزمت خلالها حركة حماس بتسليم إسرائيل 105 أسرى، منهم 81 إسرائيليًا و24 أجنبيًا كان أغلبهم عمالًا في "إسرائيل" من شرق آسيا، وامرأة وقاصر تحت سن 19، مقابل التزام إسرائيل بإطلاق سراح 240 أسيرًا فلسطينيًا، منهم 169 طفلًا وقاصرًا، و71 امرأة.
ورغم ذلك، انتهى الاتفاق سريعًا واستمر القتال في غزة، فتضاعفت أعداد الأسرى في سجون الاحتلال ومعتقلاته الميدانية. في كانون الثاني/ يناير 2025، أعلنت الدوحة عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، تضمن صفقة تبادل للأسرى تُنفّذ على مراحل. إلا أن الاحتلال استأنف القتال في آذار قبل الانتهاء من تنفيذ الاتفاق، وفشلت الصفقة.
أما الصفقة الثالثة، التي جاءت بعد مرور عامين على حرب الإبادة، فقد التزمت حماس بتسليم 20 أسيرًا إسرائيليًا ممن تبقوا على قيد الحياة، بالإضافة إلى تسليم جثث الجنود والضباط الإسرائيليين جميعها، وعددها 28 جثة. في المقابل، التزمت "إسرائيل" بإطلاق سراح 1968 أسيرًا، منهم 192 محكومًا بالسجن المؤبد، و25 من ذوي الأحكام العالية، و16 أسيرًا متوقع حكمهم بالمؤبد، و17 متوقع حكمهم بأحكام عالية.