في أطول إغلاق له منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، تواصل سلطات
الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد
الأقصى المبارك، بما ينذر بأخطار بالغة تقترب من أولى القبلتين وتمس وجوده وطبيعته كمسجد خاص وخالص للمسلمين وحدهم، إضافة لتهميش دور الأردن صاحب الوصاية بالتوازي مع فرض إدارة إسرائيلية أوسع على المسجد ومحيطه.
وتحت ذريعة الطوارئ ومبرر السلامة العامة والأمن بسبب الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ38 على التوالي، وهو سابقة تاريخية تنذر بتنفيذ فعلي لمخططات تهويدية أكثر خطورة تستهدف قدسية المسجد الأقصى.
والاثنين، اقتحم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار
بن غفير المسجد الأقصى، وألمح إلى إعلان وشيك عن السماح لـ150 مستوطن متطرف باقتحام الأقصى، مع عدد يماثلهم من المصلين المسلمين لدخول المسجد.
اظهار أخبار متعلقة
إحكام السيطرة وتهميش الأوقاف
ويسير هذا الإغلاق العسكري المحكم جنبا إلى جنب مع الكثير من إجراءات الاحتلال العسكرية والأمنية التي تسعى لعزل القدس ومسجدها عن محيطة الإسلامي، حيث لا تسمح سلطات الاحتلال إلا بدخول عدد محدود من الموظفين التابعين لدائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن التي من المفترض أنها هي الجهة الوحيدة التي تدير وتتحكم بالمسجد الأقصى، فيما قرر الاحتلال السماح للمستوطنين باقتحامه وتدنيسه.
وعن إصرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي مواصلة إغلاق المسجد الأقصى، أوضح الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزاوي، أن "إغلاق المسجد الأقصى بذريعة "الطوارئ" أو "الحرب" يتجاوز كونه إجراء أمنيا ظرفيا، ليفهم ضمن سياسة أوسع لإدارة المكان وإحكام السيطرة عليه".
ولفت في حديثه لـ"عربي21"، أن "الإجراءات(الإسرائيلية تطبق بشكل انتقائي يستهدف الحضور الفلسطيني تحديدا، وهو ما يظهر في التناقض بين تقييد دخول المسلمين واستمرار الحياة الطبيعية في مرافق وأماكن أخرى (يهودية)، بل والسماح بتجمعات للمستوطنين".
ورأى غزاوي، أن "الإغلاق في هذا الإطار، يتحول إلى أداة سيادية لإعادة تأكيد السيطرة على الأقصى، ومنع تشكل حشود فلسطينية قد تتحول إلى فعل جماعي أو سياسي، خاصة في المواسم الدينية".
وأضاف: "كما يمكن فهم هذا الإغلاق باعتباره خطوة ضمن مسار تدريجي يُراد من خلاله تهيئة الواقع لتغييرات محتملة تحت غطاء الظروف الاستثنائية، بما يسهم في إعادة تنظيم الفضاء في المسجد الأقصى ومحيطه وفرض قيود أكثر ديمومة على الوصول إليه".
وعن الأهداف والأخطار المترتبة على استمرار إغلاق الأقصى، أكد الباحث أن "هذه السياسات تشير إلى محاولة تدريجية لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، من خلال تقليص دور الأوقاف الإسلامية وتهميش صلاحياتها، بما يمهد لفرض إدارة إسرائيلية أوسع على المسجد ومحيطه".
اظهار أخبار متعلقة
مخططات عالية الخطورة
ونوه أن "الخطر يكمن أن استمرار الإغلاق قد يتحول إلى أمر واقع يعيد تعريف العلاقة مع الأقصى ويقوض حق الوصول إليه، ويمهد لتثبيت تغييرات أعمق مستقبلا، وفي المحصلة، لا يقتصر الأمر على إجراء مؤقت، بل يحمل تداعيات تمس المكانة الدينية والوطنية للأقصى، وتفتح الباب أمام تغييرات بنيوية في إدارته وهويته".
وبين أن إجراءات الاحتلال التهودية بحق أولى القبلتين، "يتقاطع مع تصاعد الخطابات الدينية المتطرفة التي توظف الروايات التلمودية لتبرير مشاريع تغيير الواقع القائم في المسجد الأقصى، مستغلة ظروف الحرب وحالة الضعف الفلسطيني والعربي والإسلامي، بما يعزز المخاوف من دفع هذه السياسات نحو سيناريوهات أكثر خطورة تمس وجود المسجد وطبيعته".
من جانبه، أكد المحامي الفلسطيني المختص في شأن القدس والمسجد الأقصى، خالد زبارقة، أن المبرر الذي تسوقه سلطات الاحتلال لاستمرارها في إغلاق المسجد الأقصى هو "مبرر مضلل، وهي حجة تتذرع بها سلطات الاحتلال من أجل تهيئة الأوضاع لتمرير مخططات تهويدية على المسجد الأقصى".
وحذر في حديثه لـ"عربي21"، من سعي سلطات الاحتلال إلى "عزل المسلمين عن المسجد الأقصى معنويا وعزلا قاسيا، وهي تستغل الحرب لتنفيذ هذا المخطط وتهيئة الأوضاع للسيطرة بشكل كامل على الأقصى وإدارته"، منبها أن "المسجد الأقصى يقف في صلب النبوءات اليهودية التي تتعلق بأحداث آخر الزمان".
وقال زبارقة: "علينا قراءة هذا الإغلاق مع استحضار المخطط الإسرائيلي الاحتلال، الذي يهدف إلى هدم الأقصى وإقامة هيكلا مزعوما مكانه، إضافة لاستحضار البقرات الحمراء التي توجد الآن داخل إسرائيل والخطاب النشط حولها وعمليات ذبح البقرات وتطهير اليهود كمقدمة لاقتحام المسجد الأقصى وإقامة الطقوس اليهودية بداخله، وكل هذا يتعلق بالتوقيت الذي اختارته واشنطن وتل أبيب لشن الحرب على إيران، وهو توقيت تلمودي يتعلق بتفسيراتهم للنصوص التلمودية التي تتعلق بأحداث آخر الزمان وعقيدة الخلاص عند اليهود".
وذكر المختص، أن "اليهود يؤمنون أن جميع علامات مشيح اليهود قد ظهرت، وبقي منها علامة واحدة وهي ضرب إيران كمقدمة لتعجيل ظهور المسيح المنتظر الخاص بهم، ولذلك نحن أمام حالة يجب استيعابها وأبعادها بشكل جيد وخاصة استيعاب الخلفية الفكرية والدينية والسياسية التي تقف خلف هذه الممارسات من أجل فهم الخطوة التالية".
مبررات الاحتلال تضليلية
وأضاف: "نحن لا نثق برواية الاحتلال، لأن آخر ما يسعى إليه هو سلامة المواطنين الفلسطينيين وسلامة العرب بشكل عام، ومن الواضح لنا أن هناك مخطط للانقضاض على المسجد الأقصى في ظل الفوضى العارمة التي تضرب الإقليم"، مشددا على أهمية أن "تتوجه العيون والاهتمام نحو المسجد الأقصى، مع اليقظة التامة لما يحدث داخل وحول الأقصى، لأن مبررات الاحتلال تضليلية ويقف خلفها مخططات تلمودية تهويدية عالية الخطورة في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى".
بدوره، رأى الباحث في تاريخ القدس إيهاب الجلاد، أنه "لا أفق حتى الآن لإعادة فتح المسجد الأقصى، رغم أن الكثير من المساجد مفتوحة ويأتي إليها عدد كبير من المصلين، وهذا يؤكد لنا أن حجة الأمن والأمان غير سلمية"، متفقا مع حديث من سبقه أن "الاحتلال يسعى من وراء هذا الإجراء إلى فرض السيطرة على المكان وإثبات أن الحكومة الإسرائيلية هي من تسيطر وتقرر متى يفتح ويغلق".
وأكد في حديثه لـ"عربي21"، أن "سلطات الاحتلال تريد أولا القضاء بشكل تام على الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، وثانيا تسعى إلى إضعاف العلاقة الروحية والجسدية والنفسية بين المسجد الأقصى والمسلمين، لأن البعيد عن العين بعيد عن القلب كما يقال".
وأوضح الجلاد أن "سلطات الاحتلال خلال السنوات الماضية فحصت علاقة الناس بالأقصى وكيف كانت ردود الأفعال في الشارع التي أظهرت قوة التمسك بالأقصى، بينما في هذه الأيام لا توجد تحركات في الأمة الإسلامية، وهذا ما قد يدفعهم إلى اتخاذ خطوات أخطر (تهويدية) نحو الأمام".
ونوه أن "إغلاق الأقصى ينم عن التخطيط لتنفيذ أمر متدرج أخطر مما يجري حاليا، هم دوما يفحصون ردود فعل الشارع والجمهور، وفي القترة الأخيرة حاولوا عبر الكثير من الأمور من مثل محاولتهم إدخال القرابين للمسجد الأقصى لفحص رد فعل الشارع الفلسطيني"، لافتا أن "ردود فعل الشارع (الفلسطيني والعربي) لم تكن بالمستوى المطلوب، وهذا قد يدفعهم لزيادة وتيرة الانتهاكات بحق الأقصى، هم دوما يفحصون ردود الشارع ويستمرون في مخططاتهم".