إيران تنقل المعركة إلى الأمم المتحدة.. هل تنجح طهران في إدانة "الخليج" قانونيا؟

إيران حدد مواقع عسكرية على الأراضي الخليجية - جيتي
إيران حدد مواقع عسكرية على الأراضي الخليجية - جيتي
شارك الخبر
صعدت إيران خلال شهر آذار/ مارس من تحركاتها الدبلوماسية عبر سلسلة مذكرات وشكاوى رسمية قدمتها إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، متهمة دولا خليجية بالضلوع في "تسهيل العدوان" عليها، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة صياغة الصراع ضمن إطار قانوني يمنح طهران غطاء لتحركاتها العسكرية.

وجاء هذا التصعيد في أعقاب هجمات 28 شباط/ فبراير، التي شكلت نقطة تحول في مسار التوتر الإقليمي، إذ بدأت إيران منذ ذلك الحين في بناء ملف قانوني متكامل يستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتيح للدول حق الدفاع عن النفس، لتبرير ردودها العسكرية المتصاعدة داخل وخارج حدودها.

اتهامات مباشرة وتسمية قواعد عسكرية

وفي مذكراتها المقدمة إلى مجلس الأمن، لم تكتف طهران بتوجيه اتهامات عامة، بل ذهبت إلى تحديد مواقع عسكرية بعينها، قالت إنها استخدمت كنقاط انطلاق لشن هجمات ضدها، من بينها قاعدة العديد في قطر، وقاعدة الظفرة في الإمارات، وقاعدة علي السالم في الكويت.

واعتبرت إيران أن سماح هذه الدول باستخدام أراضيها ومجالها الجوي في العمليات العسكرية ضدها، يسقط عنها عملياً "الحصانة السيادية"، ويجعلها طرفاً مباشراً في النزاع، وهو ما يمنح طهران – وفق تفسيرها – حق استهداف هذه المواقع في إطار “الدفاع المشروع”.

ومثل الطرح القانوني أحد أكثر النقاط إثارة للجدل في المذكرات الإيرانية، إذ يتعارض مع التفسير التقليدي للقانون الدولي، ويضع دول الخليج في قلب النزاع بشكل مباشر، وليس فقط كحلفاء للولايات المتحدة.

مجلس الأمن يرد.. إدانة ورفض للرواية الإيرانية

في المقابل، لم تمر التحركات الإيرانية دون رد، إذ تبنى مجلس الأمن في 11 آذار/ مارس القرار رقم 2817، الذي أدان بشدة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت في دول الخليج.

وأكد القرار على السيادة الكاملة لهذه الدول، ورفض صراحة التبرير الإيراني القائم على المادة 51، معتبراً أن استهداف البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة يمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي.

وجاء تمرير القرار بأغلبية 13 صوتاً، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت دون استخدام الفيتو، في دلالة على وجود توافق دولي واسع ضد الطرح الإيراني، حتى مع تحفظ بعض القوى الكبرى.

كما حظي القرار بدعم واسع خارج المجلس، حيث شاركت أكثر من 130 دولة في رعايته، في خطوة تعكس حجم القلق الدولي من اتساع رقعة التصعيد في المنطقة.

رسائل احتجاج وتصعيد في نهاية الشهر

ومع استمرار التوتر، كثفت إيران من تحركاتها القانونية في الأيام الأخيرة من مارس، حيث قدمت في 24 من الشهر ذاته مذكرة احتجاج رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، اتهمت فيها مجلس الأمن بـ "الانحياز"، معتبرة أن تجاهله للهجمات التي تعرضت لها هو ما دفعها إلى الرد.

كما حملت طهران دول الخليج مسؤولية الأضرار التي لحقت بها، في تصعيد واضح للخطاب القانوني والسياسي في آن واحد.

اظهار أخبار متعلقة


بالتوازي، برز ملف مضيق هرمز كأحد أبرز نقاط التوتر، بعدما سجلت الأمم المتحدة شكاوى من دول خليجية تتهم إيران بعرقلة الملاحة، وهو ما ردت عليه طهران بمذكرة قانونية اعتبرت فيها أن هذه الإجراءات "احترازية" وتهدف إلى حماية أمنها القومي في ظل وجود قواعد أجنبية تحيط بها.

وفي 31 أذار / مارس، ردت دول خليجية عبر بيانات رسمية في الجمعية العامة، نفت فيها الاتهامات الإيرانية بوجود تنسيق عسكري لاستهداف طهران، مؤكدة أن القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها تعمل ضمن اتفاقيات دفاعية ولا تستهدف أي دولة في المنطقة.

"دفاع مشروع" وتعاون إقليمي


وفي قراءة للموقف الإيراني، يقول المحلل السياسي الإيراني ورئيس تحرير قسم الاخبار الخارجية في وکالة آنا الإخبارية مهدي عزيزي إن طهران تنظر إلى ما يجري باعتباره "عدواناً منظماً" تشارك فيه أطراف إقليمية إلى جانب الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

وأشار عزيزي في تصريحات خاصة لـ"عربي21" إلى أن هناك، وفق ما يصفه، "مؤشرات متداولة في الأوساط السياسية الدولية" على وجود تنسيق سابق للحرب، مضيفاً أن بعض الدول العربية لعبت دورا في تسهيل استهداف الأراضي الإيرانية عبر قواعد عسكرية أو المجال الجوي.

وأكد عزيزي أن استخدام هذه الأراضي في الهجمات يجعل الرد الإيراني "مشروعا"، متسائلاً: "كيف يمكن لإيران أن تتجاهل هجمات انطلقت من هذه الدول وأدت إلى سقوط آلاف الضحايا، بينهم مدنيون؟".

كما يتحدث عما يصفه بـ"تعاون استخباراتي وأمني" بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن ذلك يضع هذه الدول في موقع الشريك في الحرب، وليس مجرد طرف محايد.

وذهب عزيزي أبعد من ذلك بالإشارة إلى ما يسميه "معادلة الأمن مقابل النفط"، في إشارة إلى التحالفات الإقليمية، مؤكداً أن طهران ترى نفسها مضطرة لاستخدام “كل الأدوات المتاحة” للدفاع عن نفسها.



القانون كغطاء سياسي

في المقابل، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ابن طفيل القنيطرة بالمغرب أحمد صلحي أن التحركات الإيرانية في الأمم المتحدة تمثل امتدادا لمقاربتها القانونية للصراع، لكنها تحمل في جوهرها أبعاداً سياسية واضحة.

وأوضح صلحي في تصريحات خاصة لـ"عربي21" أن إيران تستند إلى محددين رئيسيين: الأول اعتبار ما تتعرض له "عدواناً" يستهدف سيادتها ومصالحها، والثاني حقها في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي.

لكن صلحي أشار إلى أن هذه المذكرات لا تقتصر على البعد القانوني، بل تسعى أيضاً إلى تبرير الهجمات الإيرانية على أهداف في دول الخليج، من خلال تصوير هذه الدول كشركاء في العمليات العسكرية ضدها.

اظهار أخبار متعلقة


ولفت إلى أن الخطاب الإيراني يركز في الفترة الأخيرة على استهداف المنشآت المدنية، خاصة بعد حوادث أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما تستخدمه طهران لتعزيز موقفها القانوني والمطالبة بالتعويض.

كما يرى أستاذ العلاقات الدولية أن هذه الرسائل تحمل "حمولة سياسية" تهدف إلى تحميل الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الأساسية عن التصعيد، وإقناع الرأي العام الدولي بأن إيران "تخوض حرباً مفروضة عليها".

ورقة هرمز وشروط التفاوض

وأضاف صلحي أن إيران توظف أيضاً ورقة مضيق هرمز ضمن هذا السياق، ليس فقط كأداة ضغط ميدانية، بل كجزء من خطابها القانوني، معتبرة أن السيطرة على الممرات الحيوية ترتبط بأمنها القومي.

كما أشار إلى أن طهران تربط هذه التحركات بما تسميه "شروط إنهاء الحرب"، والتي تشمل وقف الهجمات عليها، والحصول على تعويضات، وضمانات بعدم تكرارها، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى.

ويرى أن هذه الشروط تعكس محاولة إيرانية لتحويل التصعيد إلى ورقة تفاوض، عبر الجمع بين الضغط العسكري والتحرك القانوني والدبلوماسي.


وتابع أن إيران تحاول عبر هذه الاستراتيجية الجمع بين ثلاث مسارات متوازية: الضغط العسكري عبر الهجمات، والضغط الاقتصادي عبر التأثير على الملاحة في الممرات الحيوية، والتحرك القانوني والدبلوماسي عبر الأمم المتحدة، بما يمنحها هامشاً أوسع في إدارة الصراع.

واختم صلحي بالقول إن الشكوى الإيرانية، رغم طابعها القانوني، تعكس في جوهرها "مقاربة سياسية شاملة"، تهدف إلى توسيع مساحة تحرك طهران على مختلف المستويات، وإعادة تقديم نفسها كطرف يخوض حرباً مفروضة عليه، في محاولة لكسب تأييد دولي أو على الأقل تقليل الضغوط عليها، وصولاً إلى فرض شروطها في أي مسار تفاوضي محتمل لإنهاء الأزمة.
التعليقات (0)