=نشر موقع "
كاونتر بانش" تقريرًا تناول فيه الترابط الخفي بين الاقتصاد العالمي والحرب الدائرة في
السودان، موضحًا كيف تُغذّي تجارة
السلاح واستخراج
الذهب والنفط والصمغ العربي وتمويلات الهجرة الصراع المستمر.
وأوضح الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي 21"، أن مشروباً غازيًّا مُثبتًا بالصمغ العربي، وذهبًا مُكررًا في دبي، ولحمًا مستوردًا لعيد الأضحى، تبدو جميعها بعيدة عن حرب السودان، لكنها في الواقع مرتبطة بها.
ومنذ نيسان/ أبريل 2023، اندلع صراع دموي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع بسبب خلافات حول إصلاح الأمن خلال مرحلة انتقالية متعثرة، وانتشر سريعًا في أنحاء البلاد، مدمرًا مناطق مدنية وجاذبًا جماعات مسلحة، ومقوضًا الآمال الهشة بعد سقوط البشير عام 2019.
وأشار الموقع إلى أن جذور الحرب تعود إلى تاريخ السودان ما بعد الاستعمار، حيث حكمت الأنظمة المتعاقبة بالقوة لا بالتوافق، وخاضت حروبًا طويلة ضد المناطق المهمشة، ورغم أن انفصال جنوب السودان عام 2011 أنهى صراعًا لكنه رسّخ دولة أمنية تعتمد على وكلاء مسلحين بدلاً من مؤسسات مدنية.
وقال الموقع إن نظام البشير أسس هذا النهج بشكل رسمي، إذ لم تُحل الميليشيات التي روعت دارفور، وعلى رأسها الجنجويد المتهمون بالإبادة الجماعية، بل جرى تحويلها إلى قوات الدعم السريع، مما رسّخ العنف الممنهج والإفلات من العقاب داخل الدولة.
وأضاف الموقع أن الجيش وقوات الدعم السريع كانا حلفاء في حكم البشير واحتفظا بالنفوذ بعد سقوطه. ورغم ثورة 2018–2019، دخلت القوى المدنية المرحلة الانتقالية بلا سيطرة على الأمن، وأدى بقاء النخب المسلحة في السلطة إلى اندلاع الحرب عند تهديد إصلاح القطاع الأمني لمصالحها.
اظهار أخبار متعلقة
وكانت التكلفة الإنسانية كارثية، إذ قتل وأصيب عشرات الآلاف من المدنيين، ودُمرت أحياء وقرى ومخيمات كاملة. واستُخدم العنف الجنسي بشكل منهجي لترهيب المجتمعات، بينما أدى النهب وتدمير البنية التحتية المدنية الأساسية إلى انتهاكات واسعة للحقوق، بما في ذلك أفعال تُعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مثل الإبادة والاضطهاد.
وأصبح السودان مسرحًا لأكبر أزمة نزوح في العالم، حيث نزح داخلياً أكثر من 11 مليون شخص، وفرّ الملايين إلى الخارج، فيما تهدد المجاعة وسوء التغذية الجماعية الملايين، خصوصٕا الأطفال. واعتبرت منظمات حقوقية أن إبادة جماعية وأزمة جوع هي الأسوأ عالمياً قد تكونان في طور التشكّل في آن واحد.
ولا يمكن اعتبار العنف في السودان شأنًا داخليًا فقط، بل تُغذّيه دول وشركات أجنبية عبر السلاح والتمويل والدعم السياسي. ومن خلال تجارة الأسلحة واستخراج الموارد وضبط الهجرة، أصبحت قوى خارجية جزءًا من اقتصاد الحرب، بما يعزز استمراره. وهكذا يندرج السودان ضمن نمط عالمي يتكرر من الكونغو إلى غزة وبابوا الغربية: عنف محلي، ومسؤولية مُشتتة، وأرباح دولية.
الأسلحة
وأفاد الموقع أن حرب السودان تُغذّى عبر شبكة دولية واسعة لتجارة السلاح، ما يتيح تدفقاً شبه غير مُقيّد للأسلحة. وتُستخدم دول الجوار كمسارات رئيسية للعبور، فيما تواصل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الحصول على أسلحة رغم الحظر الأممي المفروض منذ سنوات على دارفور، وهو ما يكشف تواطؤ المجتمع الدولي حيث تغدو المصالح الإستراتيجية أهم من الشرعية والرقابة.
وأضاف الموقع أن الإمارات تلعب دوراً رئيسياً في تسليح قوات الدعم السريع، مع توثيق استمرار وتكثيف نقل الأسلحة منذ 2023، بما في ذلك طائرات مسيّرة صينية وأسلحة إسرائيلية. كما تورطت دول غربية ومصنّعون عالميون، حيث وُجدت مكونات من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وبلغاريا والولايات المتحدة في مخازن الدعم السريع، غالبًا بعد تحويلها من صادرات قانونية عبر الإمارات.
ولا تقتصر تدفقات السلاح على قوات الدعم السريع، إذ تلقى الطرفان أسلحة من الصين وروسيا وتركيا وصربيا واليمن وإيران، فيما حُددت تشاد وجنوب السودان وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى وإريتريا وإثيوبيا كمسارات لتوريد السلاح والوقود والمقاتلين.
وطرح الموقع سؤالاً جوهرياً: لماذا تستمر الدول في تمرير الأسلحة رغم المعاناة في السودان؟ الجواب قاتم: الربح العالمي والنفوذ الجيوسياسي يفوقان قيمة الأرواح، فتتحول الحرب إلى سوق وتصبح حياة السودانيين مجرد خسائر جانبية في سلاسل توريد العنف.
الموارد والاستخراج
ووفق الموقع؛ يرتبط تردّد الدول في مواجهة الفظائع بالسودان بمنطق الرأسمالية العالمية التي تعتمد على استخراج الموارد من الجنوب العالمي في ظل العنف؛ حيث إن اقتصاد الحرب السوداني يتجاوز السلاح، إذ يُموَّل عبر شبكة من الموارد الطبيعية والثروة الحيوانية وسلع مثل الصمغ العربي، ما يربط العنف المحلي بالاستهلاك العالمي.
وأشار الموقع إلى أن السودان يمتلك احتياطيات نفطية كبيرة وودائع ضخمة من الذهب، وأن السيطرة على هذه الموارد تتحول مباشرة إلى قوة عسكرية؛ فإيرادات الذهب تموّل عمليات القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ويُعد الذهب مصدرًا حيوياً للأخيرة لسهولة نقله وتحويله إلى سيولة لتمويل الميليشيات وشراء السلاح.
وتتورط الأطراف الخارجية بعمق، فروسيا تدير مناجم ذهب عبر كيانات مرتبطة بـ"أفريكا كوربس"، وتستورد الإمارات والسعودية الذهب والنفط والماشية السودانية ضمن صراع النفوذ في القرن الإفريقي. وأصبحت دبي مركزاً رئيسياً لتكرير وتجارة الذهب، حيث تعاملت مع معظم الصادرات الرسمية عام 2024، فيما يُعتقد أن التدفقات غير المشروعة تفوق القانونية بكثير.
وأوضح الموقع أن صادرات الماشية والمواد الغذائية تغذي الاقتصاد الحربي عبر الأسواق الخليجية، خصوصًا السعودية، مع فرض مسلحين ضرائب غير رسمية وتحويل التجارة لتمويل الحرب. كما أصبح الصمغ العربي، الذي يشكل نحو 80 بالمئة من الإمدادات العالمية، جزءًا من هذا الاقتصاد، حيث يتنافس الجيش والدعم السريع على الإنتاج ويستغلان طرقًا غير رسمية للوصول إلى سلاسل التوريد العالمية.
اظهار أخبار متعلقة
وتعكس البنية الاقتصادية للسودان نموذجًا استعماريًّا كلاسيكيًّا، حيث تتدفق موارده للخارج، ويظل العنف محليًا، بينما تتراكم القيمة في أماكن أخرى. وتتم الكثير من عمليات الاستخراج بطرق غير رسمية أو غير مشروعة، حيث تنقل المعادن والنفط والماشية عبر شبكات غير شفافة. ورغم انتهاء الاستعمار الرسمي، يظل السودان منطقة استخراج شبه استعمارية تُستنزف موارده ويُستبعد شعبه من القيمة التي يولدها، تحت هيمنة الإمارات والسعودية والصين.
وقال الموقع إن الذهب والنفط والماشية والصمغ العربي السوداني يمولون الجهات المسلحة ويغذّون اقتصاد حرب معولم، ما يجعل الاستهلاك اليومي - من الذهب المكرر إلى المشروبات الغازية واللحوم المستوردة - مرتبطاً بالموت، كاشفاً عن التكلفة الأخلاقية لسلاسل التوريد العالمية.
الموقع الجغرافي
وأكد الموقع على أن أهمية السودان لا تنحصر في موارده الطبيعية، بل تتعزز بموقعه الإستراتيجي على البحر الأحمر، الذي يوفّر منفذًا إلى قناة السويس ويجعله بوابة بين الشرق الأوسط وإفريقيا. كما تمنح السيطرة على موانئه، ولا سيما بورتسودان، نفوذًا جيوسياسيًا واقتصاديًا واسعًا يشمل التحكم في التجارة البحرية والوصول إلى الأسواق الإقليمية.
وأوضح الموقع أن دول الخليج استثمرت مليارات لتثبيت نفوذها، فالسعودية تدعم القوات المسلحة السودانية، بينما تدعم الإمارات قوات الدعم السريع بالمال والسلاح والدبلوماسية. وقد باتت هذه الاستثمارات مرتبطة مباشرة بالعمليات العسكرية والسيطرة على طرق التجارة والموانئ وتدفقات الموارد.
وأضاف الموقع أن السيطرة على الموانئ والممرات البرية تمكّن الجهات المسلحة من مراقبة السلع الحيوية وفرض الضرائب عليها، ما يحوّل موقع السودان الإستراتيجي إلى ركيزة في اقتصاد الحرب. وهكذا تعيد هذه الممرات إنتاج منطق قديم: التحكم بالطرق، وجني العوائد، وتوطين العنف.
الهجرة
وأفاد الموقع أن انخراط أوروبا في السودان يتحدد عبر سياسات ضبط الهجرة التي تُقدِّم الأمن على حقوق الإنسان. ففي 2016–2017 دفع الاتحاد الأوروبي 160 مليون يورو لحكومة البشير للحد من الهجرة. ورغم تعليق التعاون بعد مجازر 2019، استمرت "عملية الخرطوم"، ما أسهم في تعزيز شرعية وصعود قوات الدعم السريع رغم اتهامات بجرائم حرب وإبادة.
وقد يبدو أثر تمويل الهجرة أقل وضوحاً من تجارة السلاح، لكن باحثين يحذرون من نتائجه طويلة المدى، إذ تعلمت الجماعات المسلحة أن التلاعب بتدفقات الهجرة يجذب اهتمام أوروبا ويمكّنها من الحصول على تمويل وشرعية سياسية. ويقوم الأوروبيون بالحفاظ على الراحة والاستقرار والاستهلاك في بلدانهم على حساب أرواح السودانيين.
وقال الموقع إن حرب السودان ليست استثناءً، بل تجسيد مكثف لنظام عالمي يقوم على تبادل غير متكافئ ونهب منظم وتجاهل أخلاقي. فالعنف والنزوح والمجاعة تُغذّيها قوى إقليمية ودولية تستفيد من عدم الاستقرار. ومن الذهب والنفط إلى الصمغ العربي والماشية ومراقبة الهجرة، تُدمَج حياة السودانيين في سلاسل توريد تخدم الاستهلاك العالمي والنفوذ الجيوسياسي.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف الموقع أن الحياد مجرد وهم، إذ يظل الربح العالمي والمصالح الإستراتيجية تفوق قيمة الحياة البشرية. فالحرب لا تنتهي عند حدود السودان، بل تنعكس في رفوف المتاجر، وفي المصافي، وفي الموانئ حيث يتحول العنف إلى استهلاك يومي.
واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن العدالة تتطلب مواجهة ليس فقط من يقتل، بل أيضاً من يربح ويستهلك ويتغاضى، مشيرًا إلى أن الدعوات للسلام ستظل شكلية ما لم تُقطع شرايين التجارة والتمويل عبر العقوبات والتنظيم والقطيعة السياسية.