حذرت مؤسسة
القدس الدولية
من تصاعد ما وصفته بـ"الحملة الصامتة" التي يشنها
الاحتلال الإسرائيلي داخل
المسجد
الأقصى المبارك، معتبرةً أن هذه الإجراءات تمثل محاولة ممنهجة لتغيير الوضع
التاريخي والقانوني القائم في المسجد، وفرض هيمنة شرطة الاحتلال على جميع وظائف وصلاحيات
الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن في القدس.
وأكدت المؤسسة أن أي
مساس بمكانة الأوقاف الإسلامية أو صلاحياتها في إدارة المسجد الأقصى يعد خطوة متقدمة
في مشروع تهويد المسجد وتغيير هويته الإسلامية، مشددة على أن ما يجري ليس إجراءات معزولة
أو مؤقتة، بل يأتي في سياق مسار متدرج يستهدف فرض واقع جديد داخل المسجد ودعت الأمة
الإسلامية إلى التحرك العاجل لمواجهة هذا "التهويد المتدرج" الذي قالت إنه
بلغ مراحل متقدمة وخطيرة.
مداهمات واعتقالات
عقب استقبال وفد أوروبي
وأشارت المؤسسة إلى
أنه في يوم الثلاثاء الثالث من شباط / فبراير وبعد قيام الأوقاف الإسلامية في القدس
التابعة للأردن باستقبال وفد من سفراء الاتحاد الأوروبي داخل المسجد الأقصى، اقتحمت
قوات الاحتلال ليلا عددا من قباب المسجد وخلواته ومدارسه، وخلال هذه المداهمات اعتقلت
القوات أربعة من حراس المسجد، وأبعدت اثنين منهم عن الأقصى، فيما حوّلت اثنين آخرين
إلى الاعتقال الإداري، وهما عبد الرحمن الشريف ومهدي العباسي، ولا يزالان رهن الاعتقال
في سجون الاحتلال.
ورأت المؤسسة أن هذه
الخطوة جاءت في إطار محاولة واضحة لردع الأوقاف عن استقبال أي وفود دبلوماسية أو رسمية
داخل المسجد الأقصى دون إذن أو تنسيق مع شرطة الاحتلال، بما يعكس سعي الاحتلال لفرض
نفسه كجهة مرجعية وصاحبة قرار في كل ما يتعلق بإدارة المسجد.
استدعاء مدير الأوقاف
ورفض تغيير الوضع القائم
وفي تطور لاحق، ذكرت
المؤسسة أنه في يوم الأحد 15 شباط / فبراير، استدعت شرطة الاحتلال مدير أوقاف القدس،
عزام الخطيب، الذي يشغل كذلك منصب رئيس مجلس الأوقاف في القدس، للمثول أمامها
في مركز شرطة القشلة، برفقة مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب البيان، رفضت
الأوقاف هذا الاستدعاء بالشكل الذي طرح به، معتبرة أنه يمثل تغييرا صارخا للوضع التاريخي
القائم، ومحاولة من شرطة الاحتلال لفرض وصايتها المباشرة على الأوقاف ووضعها تحت سلطتها
الإدارية والأمنية، في مخالفة لما استقر عليه الوضع قبل احتلال القدس الشرقية في الخامس
من حزيران / يونيو عام 1967، والذي يحفظ للأوقاف الإسلامية التابعة للأردن كامل صلاحياتها
في إدارة المسجد الأقصى.
إجراءات عقابية وتصعيد
قبيل رمضان
وأوضحت المؤسسة أن
سلطات الاحتلال ردت على موقف الأوقاف بسلسلة من الإجراءات العقابية، تمثلت في منع إدخال
وجبات الإفطار والسحور إلى المسجد الأقصى، ومنع تجهيز عيادة المسجد، إضافة إلى تعطيل
جميع التحضيرات الخاصة باستقبال شهر رمضان، بما في ذلك إدخال مستلزمات التنظيف والتجهيزات
اللازمة لتهيئة المسجد قبل حلول الشهر الفضيل.
كما عززت سلطات الاحتلال
سياسة الإبعاد بحق خطباء المسجد وأئمته وحراسه وسدنته، حتى باتت قرارات الإبعاد تطال
نحو 45 موظفاً من موظفي الأوقاف، ممن تقتضي طبيعة عملهم الرسمي التواجد الدائم داخل
المسجد الأقصى.
وأشارت المؤسسة إلى
أن الاحتلال لا يزال يستخدم هذه الإجراءات كورقة ضغط، مشترطاً مثول رئيس مجلس الأوقاف
أمامه. ونبّهت إلى احتمال أن تلجأ سلطات الاحتلال إلى طرح "تسويات" شكلية،
مثل اقتراح عقد جلسة الاستدعاء داخل مركز الشرطة الذي أقامته في الخلوة الجنبلاطية
في صحن الصخرة داخل المسجد الأقصى، في محاولة لانتزاع اعتراف ضمني بشرعية هذا المركز
داخل باحات المسجد، وهو ما تسعى إليه منذ عقود، وفق البيان.
وأكدت المؤسسة أن جوهر
القضية لا يتعلق بمكان الاستدعاء فحسب، بل بمحاولة شرطة الاحتلال، من خلال هذا الإجراء،
فرض تغيير في الوضع التاريخي والقانوني القائم، وانتزاع اعتراف بسيادتها الإدارية على
المسجد، بما يعني عملياً تقويض الدور الحصري للأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
وأمام هذه التطورات،
شددت مؤسسة القدس الدولية على أن ما يجري يمثل محاولة لفرض الاحتلال نفسه كصاحب سلطة
مطلقة داخل المسجد الأقصى، ووضع الأوقاف الإسلامية تحت هيمنته المباشرة.
وأكدت في هذا السياق
عدة مواقف رئيسية:
أولا: أن حملة الاحتلال
على المسجد الأقصى تستهدف تهويده وتصفية هويته الإسلامية، وهي حملة تستوجب المواجهة
والتصدي وعدم الرضوخ لمطالب الاحتلال، لأن الاستجابة لها لن تؤدي إلا إلى مزيد من التغول
والتوسع في الإجراءات.
اظهار أخبار متعلقة
ثانيا: أعلنت المؤسسة
وقوفها الكامل إلى جانب الأوقاف الإسلامية في القدس، ودعمها لموقفها الرافض لما وصفته
بتغول الاحتلال، مطالبةً الأردن بالتحرك الرسمي الجاد والعاجل لوقف هذه الإجراءات،
باعتبار أن نجاح الاحتلال في فرض شروطه سيعني عمليا إنهاء الدور التاريخي للأردن في
رعاية المسجد الأقصى، وفتح الباب أمام الاحتلال لفرض نفسه كإدارة أمر واقع لأحد أقدس
المقدسات الإسلامية.
ثالثا: دعت الدول العربية
والإسلامية، إلى جانب التيارات والحركات الشعبية، إلى تبني موقف موحد يرفض هذه الإجراءات،
ويتمسك بالهوية الإسلامية الكاملة للمسجد الأقصى بكامل مساحته، وبالأوقاف الإسلامية
في القدس باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة قانوناً ودينياً بإدارته وصيانته وإعماره.
رابعا: حذرت المؤسسة
من محاولات الاحتلال ابتزاز بعض خطباء وأئمة المسجد، عبر السماح لهم بالدخول مقابل
الالتزام بشروط تمليها سلطات الاحتلال فيما يتعلق بالخطابة والدعاء والصلاة، معتبرة
أن الاستجابة لمثل هذه الشروط ستضع منبر المسجد الأقصى ومحرابه تحت تحكم مباشر من قبل
سلطات الاحتلال.
"رمضان الأقصى"
واختتمت المؤسسة بيانها
بالتأكيد على أن ما يجري يأتي في سياق حرب متواصلة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية،
معتبرة أن المسجد الأقصى والقدس يشكلان قلب هذه المعركة. ودعت الأمة الإسلامية إلى
اعتبار شهر رمضان الحالي "رمضان الأقصى"، ليكون موسماً لتعزيز الوعي بالقضية،
وتكثيف الدعاء والاعتكاف، وتفعيل أشكال التحرك الشعبي والرسمي كافة، دعماً لصمود الفلسطينيين
في القدس، ومساندةً لرباطهم المستمر دفاعاً عن المسجد الأقصى، الذي كان محور عشر هبّات
وانتفاضات وحروب خلال العقود الثلاثة الماضية.