في كتابه
الشهير "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"، يبرز العالم الإسلامي
الكبير أبو الحسن علي الندوي (رحمه الله) حقيقة عميقة تعكس دور الإسلام في حفظ
الإنسانية من الانهيار
الأخلاقي والحضاري. يقول الندوي: "فكانت الإنسانية
متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من
التردي"، مشيرا إلى أن هذه القوة هي الديانة الإسلامية المتكاملة، التي توازن
بين الروح والجسد، والدنيا والآخرة. هذا الاقتباس ليس مجرد كلام نظري، بل هو تشخيص
دقيق للواقع البشري، خاصة في عصرنا الحالي الذي يشهد تفشي الفتن والفساد الأخلاقي،
كما في التقارير الأخيرة عن فضيحة جيفري إبستين، التي كشفت عن شبكة واسعة من
الفساد الجنسي والاستغلال، تشمل شخصيات بارزة في العالم الغربي.
تفسير
كلام الندوي في سياق الواقع المعاصر
يرى (رحمه
الله) الإنسانيةَ بأنها "متدلية منحدرة"، وأنها في حالة سقوط مستمر نحو
الهاوية الأخلاقية والروحية. هذا التردي يأتي من غياب قوة توازن بين الغرائز
البشرية والقيم العليا. في غياب الإسلام، يصبح الإنسان عبدا لشهواته، يفقد السيطرة
على نفسه، ويتحول المجتمع إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف. وهذا بالضبط ما نراه
في فضيحة إبستين، حيث كشفت التقارير عن تورط شخصيات مثل دونالد ترامب، وإيلون
ماسك، وبيل غيتس، في شبكات تتعلق بالاستغلال الجنسي للقاصرات، والحفلات السرية في
جزيرة إبستين، والصور والفيديوهات التي تكشف عن فساد أخلاقي عميق. هذه الفضيحة
ليست حادثة فردية، بل هي عرَض لمرض حضاري ينتشر في مجتمعات فقدت البوصلة
الأخلاقية، حيث يصبح السلطان والمال مبررا لكل شيء، حتى الاعتداء على البراءة
والكرامة الإنسانية.
في
التفاصيل الأحدث، أصدرت وزارة العدل الأمريكية في الأول من شباط/ فبراير 2026 أكثر
من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، وآلاف الصور والفيديوهات والإيميلات. هذه
الإصدارات الجديدة أثارت جدلا كبيرا، حيث تضمنت صورا مثيرة للجدل تظهر الأمير
أندرو في مواقف مشينة، وإيميلات من شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك، ووزير التجارة
هوارد لوتنيك، والمنتج ستيف تيش. كما أعادت تسليط الضوء على علاقات إبستين بالرئيس
السابق بيل كلينتون والرئيس الحالي دونالد ترامب، رغم نفي الاثنين أي معرفة
بجرائمه. بالإضافة إلى ذلك، أدت هذه الوثائق إلى تأثيرات دولية، مثل تورط أميرة
التاج النرويجية ميتي ماريت في صداقة مع إبستين، مما دفعها إلى الاعتذار علنا. كما
طالب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأمير أندرو بالشهادة أمام الكونغرس
الأمريكي.
ومع ذلك،
أكد نائب المدعي العام الأمريكي تود بلانش أن مراجعة القضية انتهت، ولا توجد أدلة
كافية لتهم جنائية جديدة، رغم وجود "صور فظيعة" وإيميلات مقلقة. هذه
التطورات تؤكد على عمق الشبكة، التي شملت تجارة الأطفال، والطقوس الشيطانية
المزعومة، والارتباطات بين السلطة والفساد، مما يذكرنا بقول الندوي أن العالم كله
يخسر بانحطاط المسلمين، لأن الإسلام هو الوحيد الذي يقدم نموذجا متوازنا يمنع مثل
هذا الانهيار.
قال تعالى
في كتابه الكريم: "وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وَسَاء سَبِيلاً" (الإسراء: 32). هذه الآية تحذر من الاقتراب من الزنا، لا
مجرد ارتكابه، لأن الإسلام يبني حواجز وقائية تحول دون التردي.
الإسلام
كقوة مانعة للتردي
يؤكد
الندوي أن "الديانة الإسلامية المتكاملة" هي تلك القوة التي تمسك بيد
الإنسانية وتمنعها من السقوط. فالإسلام ليس دينا روحيا فقط، بل نظاما شاملا يوازن
بين الحياة الدنيا والآخرة. إليك بعض الأبعاد الإسلامية التي تمنع التردي
الأخلاقي، خاصة في مواجهة فتن مثل فضيحة إبستين:
الخوف من
الله والحساب الآخر: في الإسلام، يعلم المؤمن أن كل عمل يسجل، قال تعالى: "فَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة: 7-8). هذا الوعي يمنع الإنسان من الاستغلال الجنسي
أو الفساد، بخلاف المجتمعات الغربية حيث يبرر الفساد بالسلطة أو الثروة، كما في
حالة إبستين الذي مات بطريقة مشكوك فيها عام 2019، ربما لإخفاء أسرار الآخرين.
حفظ العفة
والكرامة: يأمر الإسلام بغض البصر وصيانة الفرج، كما في الحديث النبوي: "زنا
العين النظر، وزنا اللسان المنطق.." (رواه البخاري). في الفضيحة، نرى كيف أن
النظرة المادية للإنسان تحول المرأة والطفل إلى سلعة، بينما الإسلام يرفع من
شأنهما ويحميهما بالزواج والأسرة.
العدالة
الاجتماعية: الإسلام يحارب الاستغلال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري). في سياق التقارير،
يظهر الفساد كنتيجة لتركز السلطة في أيدي قلة فاسدة، بينما الإسلام يدعو إلى توزيع
العدالة ومحاسبة الجميع، حتى الملوك.
التوازن
بين الدنيا والآخرة: الندوي يصف الإسلام بـ"المتكاملة" لأنه لا يهمل
الجسد لصالح الروح، ولا العكس. في الغرب، أدى التركيز على المادة إلى فقدان
الروحانية، مما أدى إلى تردي أخلاقي كالذي نراه في الفضيحة، حيث يقارن البعض في
العالم العربي بين "حضارة الغرب المنافقة" وفساد داخلي، لكن الإسلام
يقدم الحل الشامل.
في زمن
الفتن هذا، حيث أثارت التقارير عن إبستين موجة من نظريات المؤامرة والمقارنات بين
فساد الغرب ومشكلاتنا الداخلية، يتجدد صدى كلام الندوي: العالم يحتاج إلى الإسلام
كقوة توازن وتمنع التردي. إن غياب المسلمين عن دورهم التاريخي أدى إلى خسارة
العالم كله، كما قال الندوي. لذا، يجب على الأمة الإسلامية العودة إلى مبادئها،
تعزيز التربية الأخلاقية، ونشر الدعوة بقوة وعدل.
قال
تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" (آل
عمران: 110). فلنكن هذه الأمة الخيّرة، نمنع التردي ونبني حضارة العدل والرحمة.