فتح معبر رفح "شكلياً".. قيود الاحتلال تُفرغه من مضمونه الإنساني

حوّل الاحتلال المعبر إلى أداة ضبط وإذلال لا إلى مرفق إنساني سيادي- الأناضول
حوّل الاحتلال المعبر إلى أداة ضبط وإذلال لا إلى مرفق إنساني سيادي- الأناضول
شارك الخبر
رغم الإعلان عن وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يتحوّل معبر رفح إلى بوابة حياة كما يأمل الغزيون، بل أعيد تشغيله ضمن آلية وُصفت من حقوقيين ومسؤولين بأنها أكثر إحكاما سياسيا وأشد قسوة إنسانيا.

فتحٌ جزئي، مشروط، ومُدار من خلف الكواليس الأمنية للاحتلال، يفرغ فكرة "حرية التنقل" من معناها، ويحوّل المعبر إلى أداة ضبط وإذلال لا إلى مرفق إنساني سيادي.

"وجود شكلي"


مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة تيسير محيسن يؤكد أن ما جرى بعد اتفاق وقف الحرب على غزة يمثل تغيرا جذريا في عمل المعبر، لكن ليس بالمعنى الإيجابي، فحتى اتفاق 2005، الذي يُستشهد به دائما، لم يُفعّل عمليا، بسبب استمرار سيطرة الاحتلال وتحكمه الكامل في آلية الدخول والخروج.

ويقول محيسن في تصريح لـ"عربي21" إن الاحتلال لا يسمح للمعبر بالعمل بكفاءة أو ضمن إطار حرية تنقل حقيقية، لافتًا إلى أن الوجود الأوروبي شكلي لا فعلي، ولا يملك أي قدرة على التأثير أو الرقابة، وحتى من يُسمح لهم بالسفر، يتعرضون لإجراءات قمعية وتفتيش عنصري ومهين.

وفيما يتعلق بالمرضى، يوضح أن وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تضع كشوفات بأسماء المرضى الأكثر حاجة للسفر، بحد أقصى خمسين مريضا يوميا، رغم وجود عشرات الآلاف ممن يحتاجون للعلاج خارج القطاع بشكل عاجل؛ هذه الكشوفات، بحسب محيسن، تُعرض على الاحتلال لفحصها وتدقيقها، ليقرر وحده من يُسمح له بالسفر ومن يُمنع.

اظهار أخبار متعلقة



ويضيف مستشار الإعلام الحكومي أن كشوفات السفر الحالية تقتصر على المرضى والحالات الإنسانية الطارئة فقط، ما يعني أن فئات واسعة كطلبة الجامعات وغيرهم باتت رهينة الموافقة الأمنية للاحتلال.

ويصف محيسن هذا الواقع بأنه حالة استثنائية مفروضة، مطالبا الوسطاء بتوسيع تفعيل المعبر ليعمل بكفاءة وحرية كاملة، دون تحديد أعمار أو فئات، إلا أن الاحتلال، كما يقول، مصرّ على إبقاء يده مسيطرة، بغض النظر عن الحاجة الإنسانية الحقيقية.

انتهاك صريح


من جانبه، يرى نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، أن آلية عمل المعبر الحالية تتناقض كليّا مع الحق في حرية الحركة والتنقل كما نصت عليه المواثيق الدولية، سواء في القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني.

ويؤكد أن اتفاقيات جنيف تكفل للسكان الواقعين تحت الاحتلال حرية التنقل والسفر، ما يجعل ما يجري اليوم انتهاكا صارخا لجملة من الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الكرامة الإنسانية.

ويشدد زقوت في حديثه لـ"عربي21" أن الأصل في الإنسان هو حرية التنقل، حتى في حال عدم توفر تقارير طبية تثبت خطورة المرض، معتبرًا أن اشتراط التسجيل المسبق وفحص الأسماء ومنح إذن بالسفر من قبل الاحتلال يقلب القاعدة القانونية رأسًا على عقب.

ووفق قوله، "الأصل هو الإباحة، والحظر يجب أن يكون استثناء محدودا بقرار قضائي في حالات خاصة جدًا، وليس قاعدة جماعية"، مضيفا أن الفلسطيني في غزة محروم من حرية التنقل ليس فقط عبر معبر رفح، بل حتى داخليًا، في الوصول إلى منازله أو إلى مدارس الإيواء التي نزح إليها خلال الحرب.

ويصف التنسيق المسبق للسفر بأنه إجراء غير مشروع، وشكل من أشكال العقاب الجماعي، مؤكدًا أنه إجراء لا يوجد له مثيل في أي مكان في العالم سوى غزة.

اظهار أخبار متعلقة



ويرى زقوت أن المسؤولية في هذا الملف سياسية بالدرجة الأولى، لكنها لا تلغي المسؤولية القانونية الواضحة للاحتلال كقوة احتلال، محملا الدول الوسيطة التي تعهدت بضمان تنفيذ الاتفاق مسؤولية الضغط، وحذر من أن صمتها يُفهم على أنه قبول بفكرة أن "الإبادة انتهت"، بينما الواقع يناقض ذلك.

هدف تهجير مستمر


يذهب زقوت أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما يحدث على معبر رفح، خاصة بحق العائدين إلى غزة، يحمل رسالة واضحة: "ما ينتظركم هو الذل والإهانة". رسالة لمن يفكر بالعودة بأن العودة مكلفة نفسيًا، ورسالة لمن يفكر بالسفر بأن التفكير بالعودة لاحقًا يجب أن يُعاد حسابه.

ويؤكد أن الحديث لا يمكن أن يكون عن وقف حقيقي لحرب الإبادة، طالما أن الاحتلال لا يلتزم بأي من واجباته القانونية الأصيلة، وهي التزامات لا تسقط بالتقادم ولا يمكن التذرع بالواقع الأمني للتهرب منها. ويختم بالقول إن انتهاك حرية التنقل يمسّ حقوقًا أخرى كالتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل القضية أعمق من مجرد "إجراءات معبر".

اظهار أخبار متعلقة



أما مدير مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان محمود الحنفي، فيصف الآلية الراهنة بأنها قائمة على "مبدأ الإذن الأمني لا الحق"، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا للمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويرى الحنفي في حديثه لـ"عربي21" أن إخضاع المدنيين لهذا النمط من التحكم يرقى إلى عقاب جماعي محظور بموجب القانون الدولي الإنسان، مضيفا أن تعطيل المرور الإنساني يخالف التزامات قوة الاحتلال بضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين، ويحوّل المعبر إلى أداة ضغط سياسي بدل أن يكون مرفقًا إنسانيًا.

وفيما يتعلق بشهادات العائدين، خاصة النساء، يشير الحنفي إلى توثيق حالات تفتيش قسري واستجوابات مهينة ترقى إلى معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة، محظورة بشكل قطعي في القانون الدولي، مؤكدا أن هذه الممارسات تنتهك مبدأ عدم التمييز، وتحمّل الجهات المسيطرة على المعبر مسؤولية قانونية مباشرة عن أي أذى نفسي أو جسدي.

ويقترح الحنفي اعتماد بروتوكول عبور مكتوب وموحّد يضمن الشفافية وحق الاعتراض، ووقف أي تفتيش مهين، مع إنشاء آلية رقابة مستقلة لتلقي الشكاوى وتوثيق الانتهاكات، إضافة إلى تثبيت ممرات إنسانية ملزمة للمرضى والطلاب ولمّ الشمل بعيدًا عن الابتزاز السياسي.

إدارة أزمة لا حل سياسي


في السياق السياسي الأوسع، يرى الخبير في الشؤون الفلسطينية والأمريكية توفيق طعمة أن معبر رفح لم يُعامل يومًا كبوابة إنسانية خالصة، بل كأداة نفوذ وضبط إيقاع. فوقف إطلاق النار، بحسب طعمة، لا يعني نهاية الصراع أو معالجة جذوره، بل يُستخدم غالبًا لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

ويشرح أن الفتح الجزئي يحقق معادلة دقيقة: تخفيف الضغط الإنساني بما يمنع الانفجار، دون رفع كامل للحصار يفقد الأطراف المؤثرة ورقة الضغط. فتح يكفي لامتصاص الغضب الدولي، لكنه لا يصل إلى مستوى كسر القيد أو تمكين غزة اقتصاديًا وسياسيًا.

ويحذر طعمة في حديثه لـ "عربي21" من أن هذا الواقع يُضعف مصداقية الوساطة، ويحوّلها من "جهود سلام" إلى "إدارة أزمات"، فالمعبر، في شكله الحالي، أقرب إلى صمام يتحكم بالتنفس الجماعي، يُفتح ويُغلق وفق الحسابات السياسية، لا وفق حاجات الناس، ليبقى شاهدًا على غياب الحل السياسي، لا بوابة لمرحلة جديدة.
التعليقات (0)