خبراء يحذرون من التصنيف السياسي للحركات الإسلامية.. كيف يؤثر قرار ترامب مجتمعيا؟

استهداف الحركات الاجتماعية يتم في سياق دولي أوسع - عربي 21
استهداف الحركات الاجتماعية يتم في سياق دولي أوسع - عربي 21
شارك الخبر
ناقش مفكرون وأكاديميون عرب، خلال الجلسة الأولى من ندوة دولية عقدت في مدينة إسطنبول التركية، مخاطر التوجه الأمريكي المتصاعد نحو تصنيف الحركات الاجتماعية الإسلامية كـ"كيانات إرهابية"، محذرين من اختزال ظواهر فكرية واجتماعية مركبة في مقاربات أمنية وسياسية ضيقة، ومؤكدين أن مثل هذه التصنيفات تفتح الباب لمزيد من الاضطراب بدلًا من تحقيق الاستقرار.

وانطلقت الندوة، التي ينظمها منتدى الحوار للثقافة والإعلام بالتعاون مع عدد من المراكز البحثية، تحت عنوان: "تصنيف الحركات الاجتماعية الإسلامية ككيانات إرهابية.. المخاطر والتداعيات"، وذلك عقب إعلان الولايات المتحدة تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان كتنظيمات إرهابية.

قراءة علمية لا أمنية

وفي كلمته الافتتاحية للجلسة الأولى، التي ترأسها الإعلامي والسياسي حمزة زوبع، أكد أن الندوة تهدف إلى تقديم قراءة علمية معمقة للتوجه الأمريكي، بعيدًا عن "الاختزال الأمني"، مشددًا على أن النقاش لا يدور فقط حول قرار سياسي، بل حول "منهج كامل في التعاطي مع الإسلام والحركات الاجتماعية".



وقال زوبع إن الندوة تسعى للإجابة عن أسئلة جوهرية، من بينها: هل كان هناك تقصير من المسلمين في تقديم صورة واضحة عن حركاتهم الاجتماعية؟ وهل ما يجري هو قرار أمني خالص أم قرار سياسي وثقافي؟، مؤكدًا أن الحوار الجاد هو المدخل الوحيد لفهم اللحظة الراهنة.

الوسطية ليست شعارا بل منهج حضاري


من جانبه، قدم المفكر الإسلامي ووزير الأوقاف السوداني الأسبق عصام البشير ورقة موسعة حول أثر فكر الإخوان الوسطي في الأمة والمجتمعات الإسلامية، مؤكدًا أن "الوسطية" التي تبنتها الحركات الإسلامية ليست موقفًا تكتيكيًا، وإنما منهج فكري متكامل.

وأوضح البشير أن مفهوم الوسطية في اللغة العربية يعود إلى ثلاثة معانٍ رئيسية: العدل، والخيرية، والتوازن المحمود، مستشهدًا بقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا»، وبآيات الميزان التي تحذر من الطغيان والإخسار.

وقال:"الوسطية التي نتحدث عنها ليست منطقة رمادية، بل هي توازن واع بين الإفراط والتفريط، وبين الجمود والانفلات".


Image1_12026141851371869356.jpg

وأضاف أن المشروع الوسطي سعى إلى تقديم الإسلام باعتباره "منهجًا هاديًا للزمان والمكان"، مرتبطًا بالواقع، ومعبّرًا بلغة العصر، جامعًا بين النص والعقل، وثابتًا في الأصول ومرنًا في الفروع.

مواجهة الغلو والتغريب معا

وأشار البشير إلى أن الفكر الوسطي تصدى لمسارات فكرية متطرفة ومتقابلة في آن واحد، موضحًا أن هذه المسارات شملت:التيار التكفيري الذي بدأ "بالتكفير وانتهى بالتفجير"، والتيار الانهزامي الذي انبهر بالحضارة الغربية وانتهى إلى التبعية والتغريب، إضافة إلى تيارات أخرى حوّلت مسائل الخلاف الظني إلى قضايا ولاء وبراء.

اظهار أخبار متعلقة


وأكد أن الفكر الوسطي عمل على تفكيك المفاهيم التي قامت عليها حركات الغلو، وفي مقدمتها المفاهيم الخاطئة للجهاد، والحاكمية، والجاهلية، والولاء والبراء، والعلاقة مع الآخر.

وقال في هذا السياق: "ليس كل قتال جهادًا، والجهاد أوسع من القتال، وهو بالكلمة والبيان والحجة قبل أن يكون بالسلاح".

العلاقة مع الآخر: رؤية قائمة على الكرامة الإنسانية

وتوقف البشير مطولًا عند قضية العلاقة مع "الآخر"، معتبرًا أن الخطاب الإسلامي الوسطي رفض منطق العداء المطلق، مؤكدًا أن القرآن لم يصف بالعداوة المطلقة إلا الشيطان.

وأوضح أن هذا المنهج قام على سبع مرتكزات، أبرزها وحدة الأصل الإنساني، وكرامة بني آدم، والاعتراف بالاختلاف بوصفه سنة كونية، والاحتكام إلى البر والقسط، والبحث عن المشترك الإنساني والحضاري.

Image1_120261418514924254706.jpg

وأشار إلى أن هذا الفهم أسهم في تأسيس مرجعيات فقهية للمسلمين في الغرب، تعيد تعريف العلاقة مع المجتمعات الغربية باعتبارها علاقة “عهد ومواطنة”، وليست صدامًا أو عزلة.

تجربة الحوار بدل المقاربة الأمنية

واستشهد البشير بتجربة شخصية من السودان، حين أشرف على حوار فكري مع مجموعة من الشباب المتأثرين بالفكر المتطرف، مؤكدًا أن الحوار – وليس السجن – كان المدخل الحقيقي لتفكيك أفكارهم وإعادة دمجهم في المجتمع.

وقال: "المقاربة الأمنية وحدها تزيد المشكلة تعقيدًا، أما الحوار الفكري فهو الذي يفتح باب المراجعة والتصحيح".

حركة مجتمعية قبل أن تكون سياسية

بدوره، استعرض القيادي الإخواني حلمي الجزار التجربة التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، مؤكدًا أنها نشأت استجابة لحاجة مجتمعية حقيقية، وليس كمشروع سلطوي.

وأوضح الجزار أن مؤسس الجماعة حسن البنا قدم تصورًا شاملًا للعمل العام، يجمع بين الدعوة والسياسة والخدمة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن الجماعة مارست العمل المجتمعي قبل أن تدخل المجال السياسي.

وقال: "الإخوان لم يروا أنفسهم حزبًا سياسيًا فقط، بل دعوة، وهيئة اجتماعية، ومشروع إصلاحي متكامل".

اظهار أخبار متعلقة


المشاركة السياسية وتجربة البرلمان

وتناول الجزار محطات المشاركة السياسية للإخوان في مصر، مؤكدًا أن دخولهم البرلمان منذ سبعينيات القرن الماضي تم عبر أدوات سلمية وقانونية، وأنهم قبلوا بقواعد اللعبة السياسية رغم ما شابها من تضييق وتزوير.

وأشار إلى أن الجماعة لعبت أدوارًا بارزة في العمل الخدمي والاجتماعي، من خلال المستشفيات والمدارس والجمعيات، معتبرًا أن تجاهل هذا البعد عند الحديث عن "التصنيف" يمثل تشويهًا للتاريخ.

وأضاف: "دفعنا ثمن المشاركة السلمية، لكننا نؤمن أن العمل الوطني لا يكون إلا في المجال العام وبوسائل سلمية".

التوصيف يسبق التصنيف

من جهته، ركز أستاذ العلوم السياسية سيف عبد الفتاح على الإطار المفاهيمي لقضية التصنيف، مؤكدًا أن الخلل يبدأ من "التوصيف الخاطئ".

وقال عبد الفتاح: "غالبًا ما يسبق التوصيف التصنيف، فإذا فسد الأول جاء الثاني مشوهًا".

وانتقد عبد الفتاح مصطلح "الإسلام السياسي"، معتبرًا إياه "بدعة مفاهيمية" تفترض تجزئة الإسلام، في حين أن الإسلام منظومة شاملة لا تنحصر في مجال دون آخر.

وأكد أن جماعة الإخوان لا يمكن اختزالها في حزب سياسي، موضحًا أن الحزب ليس سوى أحد تجليات الحركة الاجتماعية الأوسع.


Image1_120261418534920085189.jpg
وأضاف عبد الفتاح : "الحركة الاجتماعية أوسع من الحزب، وهي تعبير عن المجتمع في مواجهة الاستبداد والاستعمار".

المجتمع والدولة: علاقة توازن لا إقصاء


وتناول عبد الفتاح مفهوم العلاقة بين المجتمع والدولة، محذرًا من خطورة نزع التنظيم من المجتمع، معتبرًا أن تجفيف المجال العام يخلق فراغًا خطيرًا تستفيد منه السلطوية والتطرف معًا.

وأشار إلى أن استهداف الحركات الاجتماعية يتم في سياق دولي أوسع، مرتبط بصناعة صورة نمطية عن الإسلام، وبما وصفه بـ"تحريض منظم" تقوده دوائر صهيونية داخل الغرب.

الاستهداف يتجاوز الإخوان إلى الإسلام

وفي مداخلة ضمن الجلسة، قال المفكر والكاتب مختار الشنقيطي إن ما يجري لا يستهدف جماعة بعينها، بل يستهدف "مراكز القوة والمناعة في الأمة".

وأضاف: "الاستهداف لا لأنهم إخوان، بل لأنهم مسلمون، ولأنهم يمثلون نموذجًا للمقاومة والحرية والاستقلال".

وأكد الشنقيطي أن الحركات الإسلامية استهدفت لأنها تمثل تهديدًا لمنظومات الهيمنة، محذرًا من أن المعركة الحقيقية هي معركة وعي وخطاب وقيم، لا مجرد قرار إداري.
التعليقات (0)