أثيرت حالة من السخرية والجدل والتلاسن الافتراضي بين نشطاء وسياسيين وكتاب ومعلقين، على خلفية مقاطع تم تداولها لكلمات وهتافات في مؤتمر القوى الوطنية المصرية لدعم
فنزويلا.
بدأ الأمر ساخرا من الهتافات الداعمة لمادورو من وسط
القاهرة داخل مقر حزب لا يسمع ما يقال فيه خارج جدرانه، وامتد لنقاشات أكثر جدية حول الأدوات والخطاب والوجوه التي ظهرت في هذه الفعالية.
استهداف وتصفية حسابات
بين ما بدا استهدافا لشخص حمدين صباحي وتياره ومساءلة له على سوابق انحيازاته في قضايا الداخل، والذي رأى هو في تصريح لـ "عربي21" أنه واحد من مبررات الهجوم، باعتبار تاريخه وضعه كرمز لرؤية وخط سياسي وطريقة أداء بعينها، وهو ما يضعه في خلاف دائم مع طرفين رئيسيين في أي معادلة سياسية وإعلامية: "الإخوان والدولة"، وهو ما يراه ليس جديداً بل مجرد امتداد لحملة مستمرة ودائمة بغض النظر عن مضمونها.
من جهة أخرى، دخل محمد الباز الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية والمنخرط في العديد من حملات التحريض والإهانة ضد معارضين وتيارات سياسية على خلاف مع الدولة على الخط، وهاجم المؤتمر والمشاركين فيه، واتهمهم بالانفصال عن الواقع السياسي، وقال بأن النقاش معهم لا يجدي وأن مستشفى الأمراض العقلية والعلاج بالكهرباء لن يجدا نفعاً مع حالتهم الميؤوس منها.
اظهار أخبار متعلقة
وسار عدد من وسائل الإعلام الرسمية، المملوكة لأجهزة أمنية، على النهج نفسه في تغطية المؤتمر والتعليق عليه، من خلال السخرية أو الهجوم.
السخرية كمرآة للفراغ السياسي
العديد من الكتاب نشروا ردوداً على هذه الحملة، تصف المهاجمين بالمصطفين مع ترامب والبلطجة الأمريكية أو المنبطحين للواقع المخزي وغيرها من الاتهامات، لكن المهندس مصطفى شوقي الباحث السياسي رأى أن تحول الفضاء الإلكتروني لمجال عام بديل السخرية أبرز أدواته، هي ظاهرة عالمية لها خصائص نحتاج لفهمها واستيعابها لنستطيع التعامل معها، بدءاً من مبرراته التي أهمها غياب أي حركة سياسية واجتماعية وترسخ فراغ مرعب يمثل خطراً على واقع هذا البلد ومستقبله.
و استغرب "شوقي" من تعامل دولة جنوب وشعب جنوب كمصر، مع مأساة جنوبية تشابكت مصائرنا ومسيرتنا طويلاً كفنزويلا، ولفت الانتباه إلى واقعة -ساخرة- جرت قبل أيام في مباراة الجزائر والكونغو، حين سخر لاعب الجزائر من مشجع الكونغو الذي وُصف بالتمثال البشري الذي حاول تذكير الناس برمز من رموز مكافحة الاستعمار في القارة وهو "لومومبا"، حيث سبقت السخرية إدراك الواقع والانحياز وغلب "الترند" حقيقة الموقف.
أبعاد الأزمة: من القوانين الدولية إلى المعاناة اليومية
أكد أحمد الطنطاوي المرشح الرئاسي السابق لـ "عربي 21" على أن المسألة متخطية نظرة الجنوب والشمال، إلى سؤال وجود القانون الدولي والسيادة في هذا العالم، ويذكر بأن العرب سبق وأن اكتووا بهذه النار قبل غيرهم في العراق واختطاف صدام حسين ومحاكمته على يد الاحتلال الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يتفق مع "شوقي" في ضرورة الحاجة لتأمل ظاهرة السخرية كوسيلة لمواجهة التهميش والقمع والظلم والانتهاك، خاصة وأن القائمين بها هم أصحاب المعاناة الذين يعجزون عن توفير أساسيات حياتهم والمهددون بالسجن لعامين أو ثلاثة إذا عبروا عن معاناتهم ولو بكلمة أو تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يرى طنطاوي أن السخرية لم تكتف بالواقع البائس إنما امتدت لمن يذكرون الناس بحقوقهم ويدفعونهم للنضال معاً لاستردادها، بدلاً من الغضب وانتزاع هذه الحقوق، وقال: "لو كانت هذه طريقته في التعبير عن غضبه فهي طريقة سلبية وبحاجة لإعادة نظر، ولو كانت إعلان انسحاب فهو من سيدفع الثمن".
الحركة المدنية: قيادة المعارضة أم ضرورة لتجميل المشهد؟
طرح الاشتباك الكلامي على هامش مؤتمر دعم فنزويلا، تساؤلاً حول دور وجدوى الحركة المدنية الديمقراطية في الحياة السياسية المصرية، وأسئلة حول إعادة تدوير ذات الوجوه القديمة التي أوصلت البلاد لحال الانسداد أو العدم التي هي فيه، ووصلت لمطالبات بقياداتها بالتنحي عن العمل السياسي تماماً وترك الفرصة والمساحة لجيل جديد بأدوات جديدة، وهو ما رآه حمدين كلاماً ملتبساً.
وقال لـ "عربي 21": "من لا يريد فاعلية بها خطبة لحمدين أو غيره فليفعلها بدوننا وسندعمه، نحن نستجدي الجيل الجديد ليتقدم ويشارك، لكن تصورات كسر الجمود بإقصائنا مسألة تحتاج لتفكير من أصحابها".
اظهار أخبار متعلقة
وشدد على أن ظهور جيل جديد في العمل العام يعتمد على الإزاحة والكفاءة، وهو ما يسعده شخصياً، وضرب مثالاً باستيعاب مبادرة أسطول الصمود المصري ودعمها بفتح المقرات والتواجد في الفعاليات والحديث العلني عنها والدعوة للمشاركة فيها وغيرها من سبل الدعم.
ووجه صباحي رسالة للجيل الجديد مفادها أن ظهوركم وتوليكم المسؤولية هو الأصل، بخطاب وأدوات تناسب اللحظة، لكن هذا مشروط بالوجود وتحمل الدور وابتكار وسائل وأدوات وخطاب تتخطانا، وليس بنفي وجود غيرهم، لأن من حق الجميع أن يتحرك في حدود أدواته وقدراته خاصة إذا كان المقابل هو الفراغ.
صراع الأجيال وتحديات "المساحات الآمنة"
وعبر عدد من الرموز البارزة لجيل الشباب والوسط الذين تواصلنا معهم، عن استيائهم من المشهد العام، الذي تتجسد فيه خلاصة الإحباطات والتطبيع والمرارات وخشية العقاب، باعتبار احتكار الحركة المدنية للحق في المعارضة لمجرد حصولها على اعتراف السلطة واحداً من صور ذلك الحال، بل ويرى بعضهم أن الأجهزة الأمنية تحافظ على وجود الحركة المدنية بهذه الصورة وتستهدف بالتصفية أي محاولة شبابية للتنظيم أو التنسيق أو الحراك.
وضرب مثلاً بـ "خلية الأمل" التي قامت السلطة بتحييد المشاركين فيها من رموز سياسية لجيل الوسط باعتقالهم بتهم الإرهاب والتخطيط لقلب النظام وغيرها، لمجرد عملهم على بناء تحالف انتخابي معارض.
اظهار أخبار متعلقة
ويتفق حمدي قشطة، عضو مجلس أمناء الحركة المدنية عن الشباب، مع النقد الموجه، لكنه يرى أن جهوداً حقيقية تبذل داخل الحركة لاستيعاب الأصوات الشابة وتصحيح المسارات رغم بعض العراقيل التي تواجه الشباب داخل الحركة لتحقيق ذلك.
نقد الأداء السياسي ومرارة المشهد
وفي سياق نقده للحركة المدنية، يصف مصطفى شوقي -الباحث والقيادي بائتلاف شباب الثورة- أداءها بالهزيل والمنسحق الذي اكتفى بـ "سياسة الأسقف المنخفضة" وتسجيل المواقف الصورية دون محاولة حقيقية لانتزاع مساحات نضالية جديدة، كما انتقد بشدة رداءة مشهد التضامن مع فنزويلا، واصفاً إياه بالابتذال والركاكة في الشعارات والإخراج، معتبراً أن الحركة قد طبعت مع مساحات الحركة "الآمنة" التي حددتها السلطة، مما أدى في النهاية إلى توقف ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي وتحويلها إلى مشهد تمثيلي يثير المرارة في نفوس المتابعين.
أما الطنطاوي، فيختم حديثه مع "عربي 21" بالقول إن وجود أي مساحة وحركة هو في مصلحة الجميع، وأنه يحترم كل رأي لكنه يرفض دعوات التيئيس واللامبالاة وأن يستسلم الجميع ويذهبوا لنهاياتهم بسلام وصمت، وأن بإمكانه هو وغيره أن ينتقد موقفاً أو حراكاً أو خطاباً، لكنه لا يرى التسخيف كبديل، ويتساءل: "هل يجب إعلان أننا أصبحنا جثة هامدة؟".