نشرت صحيفة "
لوموند" الفرنسية تقريرًا سلطت خلاله الضوء على أسباب تردد شركات
الشحن في استئناف استخدام
قناة السويس رغم عبور بعض السفن الكبيرة من خلالها.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن اتفاق وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" وحركة حماس فتح الباب أمام احتمال عودة الحركة البحرية بشكل واسع عبر قناة السويس.
وتضيف الصحيفة أنه في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عبرت سفينة الحاويات سيباروك التابعة لمجموعة ميرسك الدنماركية قناة السويس، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر ومن ثم بالمحيط الهندي. ويعد هذا العبور الأول للناقلة منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023، عندما توقفت ميرسك، مثل كبرى شركات الشحن العالمية، عن استخدام هذا الممر الإستراتيجي بسبب هجمات
الحوثيين اليمنيين على السفن الغربية المارة بمضيق باب المندب، الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وذكرت الصحيفة أنه بين سنتي 2023 و2024 شهدت قناة السويس تراجعاً حاداً في حركة الملاحة، إذ انخفض عدد سفن الحاويات المارة عبرها بنحو 90 بالمئة، فيما تراجع إجمالي حركة السفن إلى النصف، وفق بيانات هيئة قناة السويس.
ومع اتفاقيات وقف إطلاق النار بين الحوثيين والولايات المتحدة في آيار/ مايو 2025، ولاحقاً بين "إسرائيل" وحركة حماس في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، ظهرت بوادر استئناف الحركة البحرية بشكل واسع في هذا الممر الذي يشكل نقطة عبور لأكثر من 10 بالمئة من التجارة العالمية في الظروف الطبيعية.
اظهار أخبار متعلقة
ويفرض تجنب القناة على السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا، ما يزيد مدة الرحلة بحوالي 11 يومًا. ومع ذلك، لا تزال شركات الشحن متحفظة، بل وحتى مترددة، في العودة إلى الطريق عبر البحر الأحمر. ويظل الوضع الجيوسياسي غير مستقر، ولا يمكن لأحد ضمان استمرار فترة الهدوء الحالية.
ووفق الصحيفة؛ فسر جيروم دي ريكليس، الخبير البحري لدى شركة أوبلي الفرنسية الناشئة الوضع بالقول: "الهجمات الحوثية أقل حدة، لكن لا أحد يعرف ما إذا كانت لديهم القدرة على شن هجمات جديدة". ويشير أيضاً إلى "عودة نشاط القرصنة المنظمة في خليج عدن"، ما يجعل إعادة تنظيم طرق الملاحة في المنطقة أمراً محفوفاً بالمخاطر، إذ لا تزال تعتبر من قبل شركات التأمين منطقة نزاع مسلح.
الخوف من انهيار الأسعار
وبحسب الصحيفة يعزى تردد شركات الشحن في استخدام قناة السويس أيضاً لأسباب اقتصادية. فقد نشبت الأزمة في الشرق الأوسط بعد سنوات من الازدهار للنقل البحري، إذ مكّنت الأحجام الاستثنائية للشحن وأسعار الشحن التاريخية بعد جائحة كوفيد 19 الشركات من تحقيق أرباح هائلة، أعيد استثمار معظمها في طلب سفن جديدة.
وفي الوقت الراهن بدأت هذه السفن الجديدة تدريجياً دخول الخدمة في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي اضطرابات نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية، ما أعاد القطاع إلى مواجهة مشكلة مزمنة، وهي الزيادة المفرطة في القدرة الاستيعابية.
ويلفت بول توريه، مدير المعهد العالي للاقتصاد البحري، إلى أن "التفاف السفن حول أفريقيا شكّل فرصة لتجميد القدرات المكتسبة بعد فترة كوفيد"، وهو ما يفسر الحذر الذي تبديه شركات الشحن في العودة إلى المسارات التقليدية عبر البحر الأحمر.
ووفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نما حجم البضائع المنقولة بحراً بنسبة 2.2 بالمئة في 2024، في حين زادت المسافة التي قطعتها بنسبة 5.9 بالمئة. ويُعد هذا الرقم مؤثراً، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 5 بالمئة و6 بالمئة من القدرة الاستيعابية العالمية لسفن الحاويات تُستخدم لتفادي قناة السويس.
وبالتالي، فإن العودة إلى المرور عبر قناة السويس ستعيد ضخ هذه القدرة في سوق يُتوقع أن يشهد ركوداً في التجارة العالمية خلال 2026. يأتي ذلك في وقت كان من المتوقع أن تزيد القدرة الاستيعابية للأسطول العالمي بمقدار 1.37 مليون حاوية، أي بزيادة قدرها 4 بالمئة عن إجمالي القدرة الحالية.
في المقابل، يخشى مالكو السفن من أن يؤدي هذا التوازن غير المتكافئ بين العرض المتزايد والطلب المحدود إلى انهيار أسعار الشحن، التي تكبدت بالفعل خسائر كبيرة خلال عام 2025. ووفقاً لمؤشر دروري العالمي للحاويات بلغ متوسط تكلفة شحن حاوية 40 قدماً نحو أربع آلاف دولار في كانون الثاني/ يناير 2025، مقابل 2181 دولاراً في 18 كانون الاول/ ديسمبر بعد سبعة عشر أسبوعاً من الانخفاض، وسجلت أدنى مستوى لها في تشرين الأول/ أكتوبر عند 1651دولاراً.
اظهار أخبار متعلقة
وأفادت الصحيفة أنه للحد من مشكلة الزيادة في القدرة الاستيعابية، تقف شركات الشحن أمام عدة خيارات، تشمل إلغاء بعض الرحلات أو تقليل سرعة السفن لتقليل تكاليف الوقود، أو اتخاذ إجراءات أكثر حدة مثل إرسال بعض السفن للتفكيك. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، عند إعلان النتائج المالية للربع الثالث، أشار المدير المالي لشركة "سي إم إيه سي جي إم" رامون فيرنانديز إلى وجود "مرشحين للتفكيك" ضمن أسطول الشركة.
"فقاعة الراحة النسبية" في الشحن البحري
وأفادت الصحيفة أنه وفقاً لما يلاحظه بول توريه تسير الأمور كما لو لم تعد هناك حاجة فعلية لقناة السويس.
من جانبه، يقول جيروم دي ريكليز: "بعد إعادة تنظيم سلاسل الإمداد عبر رأس الرجاء الصالح، أصبحت أوقات التوريد أطول، لكن الأسعار لا تزال مقبولة وسلاسل الإمداد تعمل بكفاءة. في النهاية، يبدو أن الوضع الراهن يلبي احتياجاتهم".
ويحذر آرثر باريلاس دي ثيه، رئيس شركة الشحن "أوفرسي" من تداعيات هذا التوازن النسبي. بحسبه عندما تعود حركة السفن عبر قناة السويس، "سيصطدم نوعان من الرحلات: الطويلة حول إفريقيا والقصيرة عبر قناو السويس، ما قد يؤدي إلى ازدحام في الموانئ الأوروبية التي اعتادت خلال العامين الماضيين على الوضع الطبيعي الجديد".
ويضيف رئيس شركة الشحن "أوفرسي": "مثل هذا الازدحام سيقلل من كفاءة النقل البحري وقد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وإذا حدث ذلك خلال موسم الذروة بين حزيران/ يونيو وآب/ أغسطس، فقد ترتفع معدلات الشحن بسرعة قبل أن تعود للانخفاض لتعكس التوازن الحقيقي بين العرض والطلب".
حتى مع مرور سفينة الحاويات العملاقة "جاك ساديه" عبر قناة السويس في 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025، يظل الغالبية العظمى من أسطول الشركة تفضل المرور حول جنوب إفريقيا، كما هو مخطط لبداية عام 2026. ولا تزال سفن قليلة تستخدم القناة، كما كان الوضع خلال العامين الماضيين.
وبحسب المعلومات المتوفرة فقد عبرت نحو 300 سفينة تابعة للشركة قناة السويس منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023، مستفيدة من الحماية التي توفرها العملية البحرية الأوروبية "أسبيدس".
وفي ختام التقرير تنوه الصحيفة بأن قناة السويس باتت تمثل مشكلة ثانوية، وربما مجرد ظاهرة عابرة، بالنسبة لقطاع يواجه تحديات شبه وجودية، ويضطر لمواكبة إعادة تشكيل التجارة العالمية نتيجة الحرب التجارية وفصل العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة.