يرى المقدم عميت ياغور، الضابط السابق في الشعبة الاستراتيجية التابعة لشعبة التخطيط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس
مادورو في عملية أمريكية خاصة لم يكن حدثا معزولا أو ذا بعد اقتصادي فقط، بل شكل ضربة استراتيجية عميقة لما يسميه “محور المقاومة”، وعلى رأسه
إيران وحزب الله.
ويستهل ياغور مقاله المنشور على موقع “
معاريف أون لاين” بالإشارة إلى أن
فنزويلا، حتى وقت قريب، لم تكن حاضرة في الوعي الإسرائيلي، لا سياسيا ولا أمنيا، باعتبارها دولة بعيدة جغرافيا في أمريكا الجنوبية، تعارض قيادتها إسرائيل والولايات المتحدة، دون أن تمثل تهديدا مباشرا. بل إن الرابط الأشهر في الذاكرة الشعبية الإسرائيلية مع فنزويلا لم يتجاوز أغنية قديمة لدان ألماجور.
غير أن هذا الواقع تغير، وفق ياغور، منذ الإعلان عن اعتقال مادورو في عملية أمريكية وصفها بـ”الرائعة استخباراتيا وعملياتيا” داخل العاصمة كاراكاس، إذ بدأ الاهتمام الإسرائيلي والأمريكي يتركز على دوافع واشنطن وتداعيات هذه الخطوة، خاصة ما يتعلق بالسيطرة على الاحتياطيات
النفطية الضخمة، وقطع علاقات فنزويلا مع إيران وروسيا والصين، إضافة إلى توجيه رسالة ردع مباشرة إلى طهران، وربما إلى حماس وحزب الله، مفادها أنهم “التاليون في الدور”.
ما وراء النفط.. ما الذي أغفلته القراءة السطحية؟
لكن ياغور يذهب إلى أبعد من هذا التفسير، معتبرا أن التركيز على النفط وحده يغفل “الصورة الكبرى”. ويستشهد بصورة نشرها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 27 أيار/مايو 2020، بمناسبة “يوم القدس العالمي”، تظهر المسجد الأقصى تحت شعار “سنصلي في القدس”، وفي مقدمة المشهد شخصيات بارزة من المحور الشيعي، من بينها – وعلى نحو لافت – الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويتساءل ياغور: ما الذي يفعله رئيس غير مسلم، ورئيس دولة في أمريكا الجنوبية، في صورة رمزية لمحور “المقاومة الشيعية”؟ ويجيب بأن مجرد إدراج مادورو في هذا السياق الأيديولوجي ليس تفصيلا عابرا، بل دليل على الدور الحقيقي لفنزويلا داخل هذا المحور، وهو دور يتجاوز العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية التقليدية.
فنزويلا كـ”نموذج مصغر” لمحور المقاومة
وبحسب الكاتب، بات واضحا أن فنزويلا شكلت في السنوات الأخيرة “العمق الاستراتيجي” لمحور المقاومة، بل نموذجا مصغرا له داخل القارة الأمريكية، بعيدا نسبيا عن الرقابة الاستخباراتية الإسرائيلية، وعن أنظمة العقوبات التقليدية.
اظهار أخبار متعلقة
ويفصل ياغور هذا الدور عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
أولا: العمق الاستراتيجي في مجال الطاقة
يشير الكاتب إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، بنحو 17% من الإمدادات العالمية، متقدمة على السعودية. وقد أتاح ذلك لها لعب دور محوري في تأمين احتياجات الصين النفطية، في ظل استثمارات صينية ضخمة في القطاع.
في الوقت ذاته، أصبحت إيران “المنقذ التقني” لقطاع الطاقة الفنزويلي، عبر إرسال ناقلات وقود ومكونات كيميائية لمعالجة النفط الثقيل، وتجديد المصافي باستخدام معدات إيرانية بدلا من الأمريكية، إضافة إلى تطوير “أسطول ظل” من ناقلات النفط لتجاوز أنظمة التتبع والعقوبات الدولية.
ثانيا: العمق الاستراتيجي العسكري
يوضح ياغور أن فنزويلا، بدعم إيراني مباشر، بدأت إنتاج طائرات مسيرة محلية تعد نسخا معدلة من طائرات “المهاجر” الإيرانية، لاستخدامها في جمع المعلومات الاستخباراتية، وربما في عمليات هجومية محتملة قرب قناة بنما أو حتى داخل المجال الحيوي للولايات المتحدة.
وبحسب الكاتب، تحولت فنزويلا فعليا إلى مركز لتصنيع وتوزيع التكنولوجيا العسكرية الإيرانية في القارة الأمريكية، ما أتاح لطهران تثبيت موطئ قدم لها في نصف الكرة الغربي، بالتوازي مع بناء حزب الله بنية تحتية عسكرية وقاعدة أمامية محتملة لتنفيذ عمليات في الغرب.
ثالثا: قناة بديلة للإيرادات والتمويل
أما على الصعيد الاقتصادي، فيكشف ياغور أن فنزويلا لعبت دورا محوريا في تمويل إيران وحزب الله، عبر قنوات غير تقليدية. فهناك، بحسب تقارير أشار إليها، رحلات جوية مباشرة بين كاراكاس وطهران يعتقد أنها كانت تنقل سبائك ذهب إلى إيران.
وفي الوقت نفسه، حول حزب الله فنزويلا إلى مركز ربحي ولوجستي رئيسي له في أمريكا الجنوبية، ثانيا فقط بعد إيران. وتعد البلاد نقطة عبور أساسية للكوكايين القادم من كولومبيا، حيث يتولى الحزب تأمين الشحنات وتنظيم عمليات التهريب، مستفيدا من شبكات صرف العملات والجالية اللبنانية الكبيرة في المنطقة، قبل غسل الأموال وتحويلها إلى لبنان.
ويؤكد ياغور أن مستوى الاندماج بلغ حد حصول عناصر من حزب الله على بطاقات هوية وجوازات سفر فنزويلية رسمية، ما أتاح لهم حرية الحركة في أنحاء القارة.
اظهار أخبار متعلقة
ضربة تتجاوز “الرسائل السياسية”
انطلاقا من هذا المشهد، يرى الكاتب أن الإطاحة بنظام مادورو لا يمكن اختزالها في كونها رسالة ردع لإيران، بل تمثل ضربة مباشرة وعميقة للعمق الاستراتيجي لمحور المقاومة، ولشبكة القنوات المالية واللوجستية التي بنيت عبر فنزويلا خلال سنوات.
ويضيف أن توقيت هذه الضربة ليس عشوائيا، إذ تأتي في لحظة تواجه فيها إيران احتجاجات داخلية وضغوطا اقتصادية غير مسبوقة، بينما يعاني حزب الله من صعوبات متزايدة في تمويل أنشطته، مع اقتراب الانتخابات اللبنانية.
حجر كبير في “ترتيب الشرق الأوسط الجديد”
ويخلص ياغور إلى أن “العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة” الذي منح هذا المحور ثقة وقدرة على المناورة في السنوات الأخيرة، قد تلقى ضربة قاصمة. وفي سياق ما يصفه بصورة “الشرق الأوسط الجديد”، تبدو فنزويلا – من وجهة نظره – واحدة من “الأحجار الكبيرة” التي تعمل الولايات المتحدة على إعادة ترتيبها، ليس فقط في المنطقة، بل على مستوى النظام العالمي بأسره