مع الاعتراف
المفاجئ لدولة الاحتلال
الإسرائيلي بأرض
الصومال كدولة مستقلة، تصاعدت تساؤلات
سياسية حول ما إذا كان هذا التطور مرتبطا بترتيبات إقليمية سابقة، ولا سيما في ظل
الوجود
الإماراتي الطويل في الإقليم، الذي جعل الخطوة أقل كلفة سياسيا وأمنيا رغم
ما أثارته من ردود فعل دولية وإقليمية غاضبة.
وانصبت هذه
التساؤلات على الدور الذي لعبته الاستثمارات والنفوذ الإماراتي في صوماليلاند،
خاصة في ميناء بربرة ومناطق أودال، في تهيئة بيئة سياسية واستراتيجية مستقرة سمحت
بتمرير الاعتراف الإسرائيلي، وسط تحذيرات صومالية وإقليمية من تداعيات الخطوة على
الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وأعلنت
صوماليلاند انفصالها عن الصومال عام 1991 عقب انهيار النظام المركزي في مقديشو إثر
الحرب الأهلية، ومنذ ذلك الحين، أدارت شؤونها بشكل مستقل، مع نظام سياسي ديمقراطي متعدد الأحزاب،
وانتخابات منتظمة، ومستوى استقرار أعلى مقارنة بالصومال الفيدرالي.
ومع ذلك، لم
تحظ باعتراف أي دولة عضو في الأمم المتحدة حتى الاعتراف الإسرائيلي الأخير، وتؤكد الحكومة الصومالية أن صوماليلاند
جزء لا يتجزأ من أراضيها، وهو موقف تدعمه كل من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية.
اظهار أخبار متعلقة
وبالرغم من غياب الاعتراف الدولي بشرعيته، أقام أرض الصومال علاقات دبلوماسية وتجارية غير رسمية مع عدد من الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة والإمارات، وجميعها افتتحت مكاتب تمثيلية في هرجيسا.
وسجل التقارب الإسرائيلي مع أرض الصومال تاريخيا ضمن نطاق محدود، إذ اعترفت به لفترة وجيزة عام 1960، قبل اندماجه مع الصومال الذي كان يخضع آنذاك للإدارة الإيطالية.
ورغم غياب العلاقات الرسمية لاحقا، برزت محاولات متقطعة من الطرفين، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلية عام 2010 استعدادا للاعتراف بأرض الصومال مجددا في حال تلقي طلب رسمي، وفي عام 2020، أعلن أرض الصومال دعمه العلني لتطبيع العلاقات بين دولة الاحتلال والإمارات.
بداية أبو ضبي التجارية
سعت
الإمارات إلى توسيع نفوذها في صوماليلاند منذ عام 2016، عندما وقعت شركة "دبي بورتس
وورلد" اتفاقية بقيمة 442 مليون دولار لتطوير وإدارة ميناء بربرة لمدة 30 عاما،
بحصة 51 بالمئة للشركة، و30 بالمئة لصوماليلاند، و19بالمئة لإثيوبيا، وفق ما أفادت به وكالة "رويترز" وتقارير صادرة عن مركز أفريقيا سنتر.
ويُعد ميناء
بربرة موقعا استراتيجياً على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، ويُستخدم في
تصدير الماشية والتجارة مع الشرق الأوسط.
ووافق برلمان
صوماليلاند عام 2017 على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة، تضم مدرجا طويلا ومرافق بحرية، بحسب ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية، كما استخدمت الإمارات هذه
القاعدة في عملياتها ضد الحوثيين في اليمن، ودربت
قوات صوماليلاند الأمنية، واستثمرت في مشاريع بنية تحتية شملت طرقا تربط بربرة
بإثيوبيا.
أهداف اقتصادية واستراتيجية
جاءت هذه
الاستثمارات بدوافع اقتصادية واستراتيجية، من بينها تأمين طرق التجارة في البحر
الأحمر، وتوسيع الوصول إلى الأسواق الأفريقية، ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث أسهم الوجود
الإماراتي في خلق بيئة سياسية مستقرة وعلاقات وثيقة مع سلطات هرغيسا، ما سهل
التقارب الإسرائيلي مع صوماليلاند.
وأشار تقرير سابق نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إلى أن الإمارات، الشريك في اتفاقيات أبراهام
منذ عام 2020، تتشاطر مع دولة الاحتلال مصالح مشتركة في القرن الأفريقي، تشمل مواجهة تهديدات
الحوثيين وتعزيز الأمن البحري، في حين لم تصدر أبو
ظبي إدانة للاعتراف الإسرائيلي، على خلاف دول خليجية أخرى، وهو ما عكس تقاربا في
المواقف.
اظهار أخبار متعلقة
وفي السياق أعتبرت صحيفة "معاريف" أن الاستثمارات الإماراتية في ميناء بربرة جعلت المنطقة أكثر جاذبية من
الناحية الاستراتيجية لدولة الاحتلال، التي تسعى إلى موطئ قدم قريب من اليمن لمراقبة
التهديدات، من دون وجود ادعاءات مثبتة بشأن تنسيق مباشر بين الطرفين.
وبالمقابل، قال الدكتور مراد يغيت، المتخصص في العلاقات الدولية، إن التحركات التي تقودها دولة الاحتلال والإمارات تستهدف بالدرجة الأولى قوى صاعدة في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، مشيرا إلى أن الشراكة الإماراتية الإسرائيلية باتت تتبنى مواقف مناهضة لتركيا في عدد من الملفات، سواء في شرق المتوسط أو شرق أفريقيا أو في مناطق أخرى، وهو ما يظهر أيضا بوضوح في غرب أفريقيا.
و من البديهي، أن الحكومة الصومالية أدانت الاعتراف الإسرائيلي بشدة، واعتبرته "عدواناً غير
قانوني" و"اعتداء متعمداً" على سيادتها، وأكد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن صوماليلاند جزء لا
يتجزأ من الدولة الصومالية.
ورفض الاتحاد
الأفريقي الخطوة، محذراً من "تداعيات بعيدة المدى على السلام والاستقرار في
القارة"، بحسب بيان لرئيس مفوضية الاتحاد محمود علي يوسف، كما أدانت الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي
الاعتراف، محذرة من تهديد الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
اظهار أخبار متعلقة
جاء ذلك في
سياق تنافس جيوسياسي أوسع في البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية،
في ظل تنافس بين الإمارات وتركيا وقطر، الداعمتين لمقديشو عسكريا واقتصاديا، وفق
تحليل صادر عن معهد بروكينغز.
ومن جانبه، قال المحلل في شؤون الشرق الأوسط عماد الدين بادي إن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند يعزز نفوذ الإمارات العربية المتحدة في محيط خليج عدن، في ظل تصاعد المنافسة مع السعودية في البحر الأحمر، لافتا إلى أن هذه الخطوة تستقطب بشكل غير مباشر إدارة أمريكية ملتزمة تلقائيا بحماية المصالح الإسرائيلية، وهو ما يخدم أبو ظبي بصورة غير مباشرة من دون الحاجة إلى امتلاك إماراتي صريح.
امتدادات جنوب اليمن والبحر الأحمر
وأفادت صحيفة معاريف بأن إسرائيل تدرس الاعتراف بكيان ناشئ في جنوب اليمن مدعوم من الإمارات، بعد اعترافها بأرض الصومال، بهدف تعزيز تعاون استراتيجي على سواحل البحر الأحمر، وسط آمال لدى المجلس الانتقالي الجنوبي بأن يشكل ذلك تمهيدا لاعتراف إسرائيلي بمشروعه الانفصالي.
ولفتت الصحيفة إلى أن قراءة الخريطة تكشف فرصا واسعة للتعاون بين إسرائيل وأرض الصومال، إلى جانب كيان مستقل محتمل في جنوب اليمن، معتبرة أن هذا التنسيق قد يشكل مصدر تهديد لجماعة الحوثي المتمركزة أساسا في شمال البلاد، ويقوض استقرارها بفعل الأهمية الاستراتيجية لسواحل البحر الأحمر.
ويمثل
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند تحولاً محتملاً في موازين القوى في القرن
الأفريقي والبحر الأحمر، مدعوماً جزئياً بالنفوذ الإماراتي المتجذر. وعلى المدى
الطويل، قد يسهم هذا الاعتراف في تعزيز الاستقرار الاقتصادي لصوماليلاند، لكنه في
المقابل يفاقم التوترات مع الصومال، ويفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية.
ويبقى التحدي
الأساسي متمثلاً في الحفاظ على وحدة الصومال واستقرار المنطقة في ظل تصاعد التنافس
الجيوسياسي، مع مخاطر مهددة للسلام الإقليمي إذا لم تُدار هذه التحولات عبر مسارات حوار شاملة.