سياسة دولية

من غروزني إلى كييف.. هذه حروب روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؟

نتائج الحروب الروسية.. نفوذ موسع وكلفة متصاعدة  - أرشيفية
نتائج الحروب الروسية.. نفوذ موسع وكلفة متصاعدة - أرشيفية
شارك الخبر
مثل انهيار الاتحاد السوفييتي في كانون الأول/ديسمبر 1991 واحدا من أعنف التحولات الجيوسياسية في القرن العشرين، معلنا نهاية قوة عظمى كانت تمسك بمفاصل التوازن الدولي من أوروبا الشرقية إلى آسيا الوسطى. وفي مساء السادس والعشرين من ذلك الشهر، أُنزل العلم الأحمر عن مبنى الكرملين للمرة الأخيرة، إيذانا بولادة روسيا الاتحادية وحدود جديدة، وصراعات لم تتوقف منذ ذلك التاريخ.

فمن الشيشان إلى جورجيا، ومن أوكرانيا إلى سوريا، خاضت موسكو سلسلة من الحروب والتدخلات العسكرية، شكلت مجتمعة ملامح السياسة الخارجية الروسية في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، ورسخت دور القوة العسكرية كأداة مركزية في إعادة بسط النفوذ.

وفي وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية الروسية ضد الأراضي الأوكرانية، بالتوازي مع حراك سياسي متجدد تقوده واشنطن لإحياء مسار تفاوضي يهدف إلى إنهاء الحرب، تبدو موسكو وكأنها توظف التصعيد الميداني كأداة ضغط على طاولة المفاوضات، في نمط سبق أن اعتمدته في حروبها السابقة.

الشيشان.. حربان لتثبيت السيطرة
كانت الشيشان أول اختبار عسكري كبير لروسيا الاتحادية. ففي نهاية عام 1994، وبعد ثلاث سنوات من استقلال الأمر الواقع للجمهورية الواقعة في شمال القوقاز، أرسلت موسكو قواتها لإعادة إخضاع الإقليم. 

واجه الجيش الروسي مقاومة شرسة، واضطر إلى الانسحاب عام 1996، بعد خسائر فادحة وانتصار سياسي للشيشانيين توج باتفاق سلام.

غير أن هذا الفصل لم يكن الأخير. ففي تشرين الأول/أكتوبر 1999، ومع صعود فلاديمير بوتين إلى رئاسة الحكومة، عادت القوات الروسية إلى الشيشان من جديد، عقب هجوم شنه مقاتلون شيشان على داغستان وسلسلة تفجيرات داخل روسيا نسبت إليهم.

وفي شباط/فبراير 2000، سيطر الجيش الروسي على العاصمة غروزني بعد تدمير واسع النطاق، لكن حرب العصابات استمرت لسنوات. وفي عام 2009، أعلن الكرملين رسميا انتهاء العمليات، بعد مقتل عشرات الآلاف من الجانبين، وضم الشيشان فعليا إلى الاتحاد الفدرالي الروسي.



كوسوفو.. حضور رمزي في صراع دولي
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، شاركت روسيا بشكل غير مباشر في حرب كوسوفو، عبر دخول قواتها إلى مطار بريشتينا عام 1999، في خطوة وصفت حينها بمحاولة رمزية لمواجهة تمدد حلف شمال الأطلسي. وانتهى الدور الروسي باتفاق مع الولايات المتحدة حول المشاركة في قوات حفظ السلام.

اظهار أخبار متعلقة


جورجيا 2008.. حرب الأيام الخمسة
في صيف عام 2008، اندلعت مواجهة عسكرية خاطفة بين روسيا وجورجيا، إثر هجوم شنته تبليسي على إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي الموالي لموسكو. 

وردت روسيا بإرسال قواتها إلى داخل الأراضي الجورجية، وحققت خلال خمسة أيام فقط هزيمة عسكرية ساحقة.

أسفرت المعارك عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف، قبل أن تعترف موسكو باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وتبقي على وجود عسكري دائم فيهما. ونددت الدول الغربية بما وصفته “احتلالا بحكم الأمر الواقع”، بينما كرست الحرب واقعا جيوسياسيا جديدا في جنوب القوقاز.



سوريا.. قواعد عسكرية على المتوسط
في أيلول/سبتمبر 2015، فتحت روسيا جبهة جديدة خارج الفضاء السوفييتي السابق، بتدخل عسكري مباشر في سوريا دعما لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد. وبررت موسكو تدخلها بمكافحة “التنظيمات الإرهابية”، مستبعدة في البداية نشر قوات برية.

غير أن التدخل الجوي الكثيف، الذي ترافق مع دمار واسع، غير مسار الحرب، ومكن قوات النظام من استعادة مناطق استراتيجية. وأقامت روسيا قاعدتين عسكريتين دائمتين في حميميم وطرطوس، وشارك في الحرب أكثر من 63 ألف جندي روسي.

وعلى الرغم من إعلانات متكررة عن تقليص القوات أو الانسحاب الجزئي، حافظت موسكو على وجود عسكري فاعل، مؤكدة أن هدفها الأساسي كان منع سقوط النظام السوري، وهو ما تحقق عمليا. 

إذ  تمكن الثوار السوريون في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، من دخول العاصمة دمشق، معلنين الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد٬ الذي هرب إلى موسكو٬ والذي ورث الحكم عن والده حافظ (1971 ـ 2000).



أوكرانيا.. من القرم إلى حرب لم تنتهي
مثلت أوكرانيا أخطر ساحات المواجهة بين روسيا والغرب. ففي عام 2014، وبعد الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في خطوة لم تحظ باعتراف دولي.

تبع ذلك اندلاع نزاع مسلح في إقليمي دونيتسك ولوغانسك بشرق أوكرانيا، حيث أعلنت جمهوريتان انفصاليتان مواليتان لروسيا استقلالهما. واتهمت كييف والدول الغربية موسكو بدعم الانفصاليين عسكريا، بينما نفت روسيا ذلك، مؤكدة وجود “متطوعين” فقط.

خفت حدة القتال بعد توقيع اتفاق “مينسك” عام 2015، لكن التوتر ظل قائما. ومع نهاية عام 2021، حشدت موسكو أكثر من 150 ألف جندي على الحدود الأوكرانية، وأجرت مناورات واسعة النطاق.

وفي 24 شباط/فبراير 2022، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين إطلاق “عملية عسكرية خاصة” للدفاع عن الجمهوريتين الانفصاليتين، بعد الاعتراف باستقلالهما. 

وتحول النزاع إلى حرب شاملة، أسفرت عن مقتل أكثر من 14 ألف شخص منذ 2014، وأدخلت أوروبا في أخطر أزمة أمنية منذ الحرب الباردة.

وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي٬ أعلن البيت الأبيض مسودة خطة سلام محدثة ومنقحة عقب مباحثات بين الوفدين الأمريكي والأوكراني لمناقشة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف، دون الكشف عن تفاصيل الخطة المحدثة. في ظل استمرار تبادل القصف بين الطرفين إلى الان.



القوة العسكرية كأداة نفوذ
تكشف الحروب الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عن نمط واضح في السياسة الخارجية لموسكو٬ متمثل في استخدام القوة العسكرية لتثبيت النفوذ، ومنع خسارة مناطق تعتبرها حيوية لأمنها القومي، أو لاستعادة موقعها كقوة كبرى.

وبينما انتهت بعض هذه الحروب بتسويات شكلية أو سيطرة كاملة، كما في الشيشان وجورجيا٬ ما زالت أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، مفتوحة على احتمالات خطرة، تعيد رسم خرائط النفوذ الدولي، وتضع روسيا في مواجهة مباشرة مع الغرب، في صراع لم تتضح نهاياته بعد.
التعليقات (0)