بعد تعذيبه في سجون الاحتلال.. أسير محرر يواجه مزيدا من الألم بفقد زوجته وأطفاله
لندن- عربي2126-Dec-2511:42 AM
يقول سالم إنه كان يحلم بلم شمله مع عائلته والاحتفال بأعياد ميلاد أطفاله فور خروجه من سجن الاحتلال - وفا
شارك الخبر
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا للصحفيين بلال شبير من غزة وإيزابيل كيرشنر من القدس، قالا فيه إن هيثم سالم، وهو كهربائي من شمال غزة، عانى، على مدى أحد عشر شهراً، من ويلات السجون لدى الاحتلال الإسرائيلي ومراكز الاحتجاز، حيث عاش ظروفاً قاسية، وتعرض لمعاملة عنيفة.
المعتقل يؤكد تعرضه للضرب المبرح مراراً، بما في ذلك في منطقة أعضائه التناسلية؛ وهاجمته كلاب مَلْجُومة الأفواه؛ وأُجبر على الاستماع إلى موسيقى صاخبة؛ وحُرم من الرعاية الطبية الكافية، لدرجة أنه قال: "تمنيت لو أنني مت قبل أن أعيش هذه المعاناة".
قاعدة سدي تيمان.. أسوأ مراكز الاحتجاز
كان سالم، البالغ من العمر 31 عاماً، واحداً من آلاف الفلسطينيين الذين احتجزتهم إسرائيل من غزة خلال حربها التي استمرت عامين على القطاع، والتي اندلعت منذ 8 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقد أمضى شهوراً في مركز احتجاز مؤقت في قاعدة سدي تيمان العسكرية جنوب الأراضي المحتلة، والتي تُعد مركزاً اشتهر بسوء معاملة السجناء.
انتُزع سالم من زوجته وأطفاله الثلاثة الصغار عند نقطة تفتيش عسكرية في غزة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أثناء فرارهم من القصف الإسرائيلي، واستمر احتجازه رغم عدم توجيه أي اتهام له، قبل أن يُطلق سراحه في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، ولكن ما حدث هو تفاقم معاناته عند عودته إلى منزله.
صحيفة نيويورك تايمز تقول إن رواية سالم تتوافق مع الانتهاكات التي وصفها معتقلون آخرون أُطلق سراحهم وأجرت معهم الصحيفة مقابلات، ومع تقارير منظمات حقوقية دولية، كما وأقر مكتب المدافعين العامين "الإسرائيلي" بأن ظروف الأسرى الفلسطينيين خلال الحرب قاسية للغاية، مع اكتظاظ شديد، وشكاوى من الجوع، وعنف متكرر، وبيئة غير صحية.
استخدم الاحتلال سالم كورقة ضغط ومساومة
لم يُعلِّق جيش الاحتلال على معظم تفاصيل قصة سالم، لكنه اتهمه بشكل عام بـ"نشر الأكاذيب"، حيث صنّفت دولة الاحتلال سالمًا، كغيره من آلاف الغزيين الذين سُجنوا خلال الحرب، على أنه "مقاتل غير شرعي"، ما يعني أنه يمكنها احتجازه دون تهمة أو محاكمة بموجب القانون الإسرائيلي، لينتهي به الأمر إلى أن يُستخدم كورقة ضغط، أو ورقة مساومة، في صفقة تبادل الرهائن مع حماس.
وقال جيش الاحتلال إنه ينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وأنه اعتُقل "بناءً على تورطه في أنشطة إرهابية، زاعماً أن سالم اعترف بذلك أثناء استجوابه". فيما رفض الجيش تقديم أي أدلة أو تفاصيل بشأن الاعتراف وأسباب الاعتقال، مُعللاً ذلك بأن المعلومات سرية، وأضاف بيان عسكري أن محكمة إسرائيلية وافقت مرتين على استمرار احتجازه، وأنه كان سيبقى رهن "احتجاز قانوني ومبرر" لولا عملية التبادل.
ينفي سالم أي صلة له بأي فصائل، وقال إنه قبل اعتقاله، مرّ عبر نقطة تفتيش عسكرية إسرائيلية دون أن يُحتجز. وتحدث سالم إلى صحيفة التايمز لعدة ساعات في مسكنه الجديد، وهو عبارة عن خيمة في مخيم مكتظ بالنازحين بسبب الحرب، يقع على جانب طريق رئيسي في دير البلح، وسط قطاع غزة.
سأل عن عائلته.. وجاء الرد "رحمهم الله"
قال سالم إنه طوال فترة سجنه كان يتخيل لم شمله مع عائلته والاحتفال بأعياد ميلاد أطفاله، كما صنع حلويات من حصص الإعاشة التي جمعها من السجن، وصنع سوارًا لابنته الرضيعة من حبات الخبز التي جفت تحت أشعة الشمس. وعندما عاد أخيرًا إلى غزة، نظر بشوق إلى الحشود المنتظرة بحثًا عن لمحة من زوجته وأطفاله. سأل أقاربه عن مكانهم، لكن لم يجبه أحد، قبل أن يرد عليه ابن عمه أخيرًا، قائلًا: "رحمهم الله".
وكان الأربعة (زوجته وأطفاله الأربعة) قد استشهدوا جميعًا في غارة جوية شنها طيران الاحتلال قبل شهر من عودته إلى غزة. ولم يكن هذا الهجوم الأول، فقد سبق وألحقت غارة جوية إسرائيلية أضرارًا بمنزلهم في أيار/ مايو 2024، ما دفعهم للانتقال والسكن مع جيرانهم. وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في ذكرى زواجهما الثامنة، اشتدت غارات الاحتلال لدرجة دفعتهم إلى المخاطرة والرحيل سيرًا على الأقدام بحثًا عن ملجأ.
قال سالم، متأملاً في فوضى النزوح الجماعي لمعظم سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة: "لم نكن نعرف إلى أين نذهب أو ماذا نتوقع"، واتجهوا جنوباً حاملين ما استطاعوا حمله، وكان ابنهم براء يبلغ من العمر سبع سنوات آنذاك، وشقيقته إيمان تبلغ من العمر أربع سنوات، أما الرضيعة ليان فلم تكن قد أتمت عامها الأول.
أعطى سالم ساعته لابنه قائلاً: "أنت رب أسرتنا من الآن فصاعداً"
وسرعان ما وصلوا إلى نقطة تفتيش عسكرية حيث كان الجنود يفصلون الرجال في سن القتال عن كبار السن والنساء والأطفال، وتوقعوا للاعتقال، أعطى سالم براء ساعته، قائلاً له: "من الآن فصاعداً، أنت رب أسرتنا".
وبعد اعتقاله، قال سالم إن الجنود الإسرائيليين ركلوه وأطفأوا سجائر مشتعلة في يديه، وبعد منتصف الليل، نُقل هو ومعتقلون آخرون في صندوق شاحنة إلى مناطق نائية، وهم مكبلون ومعصوبو الأعين يرتجفون، ولا يرتدون سوى ملابس رقيقة، وقال إنهم أُلقي بهم من الشاحنة على أرض ترابية، حيث مكثوا لساعات في البرد، وأضاف أنه خلال الطريق، تعرض للضرب بالهراوات من قبل جنود في منطقة الفخذ، مما تسبب له بألم ونزيف استمر لأيام.
وفي مركز الاحتجاز، نُقل سالم إلى عيادة لكنه لم يتلق أي دواء، وتم تخصيص رقم له: 090260. وفي صباح اليوم التالي، خضع للاستجواب للمرة الأولى، ورغم تحقق ضابط إسرائيلي عبر مكالمة هاتفية بأنه كان في منزله صباح يوم الهجوم في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلا أنه لم يطلق سراحه، وواصل الضابط استجوابه، قائلاً له: "أنت مجرد رقم هنا".
قبل استجوابه التالي، قال سالم إنه وُضع لمدة تسعة أيام في غرفة أطلق عليها السجناء اسم "الديسكو"، حيث كانت الموسيقى الصاخبة تُدوّي بصوت لا يُطاق، كما ومُنع من طلب الذهاب إلى الحمام، ويتعمد الحراس رمي وجبات تتكون من شريحة رقيقة من الخبز مع طماطم أو خيار على الرجال العشرين الموجودين هناك، قال سالم: "عندما تجرأت على النظر حولي، رأيت بعض المحتجزين والدماء تنزف من آذانهم بسبب الضرب أو الموسيقى الصاخبة".
ضربوه بقوة على أعضائه التناسلية
أضاف سالم مؤكداً تعرضه لانتهاكات أخرى في سجن سدي تيمان، فقد ضرب الجنود وجهه بسياج معدني، واستخدموا أجهزة الكشف عن المعادن للضغط بقوة على أعضائه التناسلية أثناء عمليات التفتيش، وفجروا قنابل صوتية بالقرب منه ومن سجناء آخرين، وأضاف أن أحد الجنود أطلق كلبين ملجومين اندفعا نحو صدره، ما أدى إلى انقطاع أنفاسه.
في نيسان/ أبريل، نُقل سالم من سجن سدي تيمان إلى سجن عوفر في الضفة الغربية المحتلة، حيث أمضى أربعة أشهر ونصف هناك، وفي آب/ أغسطس، نُقل مرة أخرى إلى سجن النقب الصحراوي، وفي أحد أيام تشرين الأول/ أكتوبر، جُمع المعتقلون في غرفة واحدة. وصل الجنود وبدأوا ينادون بالأسماء. جاء اسم سالم.
وفي صباح الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، استقل سالم حافلة عائداً إلى غزة، ضمن نحو ألفي أسير فلسطيني تمّت مبادلتهم بآخر عشرين رهينة إسرائيلية على قيد الحياة، وما ظنّه يوماً سعيداً سرعان ما تحوّل إلى ألم.
صفحة سالم على فيسبوك تمتلئ بصور أطفاله
كانت زوجته إخلاص وأطفاله الثلاثة يحتمون في خيمة بحي الشيخ رضوان، أحد أحياء مدينة غزة، وفي حوالي الساعة الواحدة صباحًا من يوم 8 أيلول/سبتمبر، استهدفت غارة جوية لطيران الاحتلال الخيمة، ما أسفر عن استشهاد إيمان وليان على الفور، كما توفي براء متأثرًا بجراحه في 12 أيلول/ سبتمبر، وإخلاص بعد ثلاثة أيام، واعترف جيش الاحتلال بتنفيذ غارة جوية في تلك الليلة على الموقع نفسه، مُدّعيا أن الهدف كان عنصرًا من حماس.
اليوم، تمتلئ صفحة سالم على فيسبوك بصور أطفاله، وقد هرّب من السجن الخرز الذي صنعه لليان، متجاهلاً قوانين الاحتلال التي تمنع السجناء من إدخال أي شيء إلى غزة، قال إنه لا يزال يحتفظ بالسوار، لكن "بدون الشخص الذي كان مخصصًا له". كان من المفترض أن تبلغ ليان عامين في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد أربعة أيام من عودته.