كشف تحقيق مشترك لشبكة "
سي أن أن" ومركز "
Lighthouse Reports"، عن أدلة لاستهداف الجيش
السوداني الممنهج للمدنيين في ولاية الجزيرة على أساس عرقي، ويحتوي التحقيق على ما يقارب 600 مادة بصرية، مع ربط الأدلة المرئية بالمواقع الجغرافية وشهادات الشهود، ويشمل ذلك مراجع إضافية مثل صور الأقمار الصناعية، وبيانات الحرائق، وتحليل الظلال، بالإضافة إلى وسائل الإعلام المحلية، وتقارير المجتمع المدني، وبيانات النزاعات من مراكز حقوقية.
وقالت شبكة "
سي أن أن" الأمريكية، إن الحرب في السودان خلفت "خسائر بشرية فادحة"، حيث يعتقد أن أكثر من 150 ألف مدني قد لقوا حتفهم، إلى جانب نزوح ما يقارب 12 مليون شخص قسرًا، فيما تعاني مناطق عديدة من المجاعة، وأضافت أن تحقيقها، يكشف عن "الفظائع ذات الدوافع العرقية التي يرتكبها
الجيش السوداني وحلفاؤه"، مشيرة إلى أن هناك أيضًا "فظائع ترتكبها قوات
الدعم السريع، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة في الأسابيع الأخيرة".
إلقاء الجثث في القنوات والمقابر الجماعية
وفيما يخص الجيش السوداني، أوضح المصدر: "أجرى فريق تحقيق مشترك، بالتعاون بين شبكة "سي أن أن" ومؤسسة Lighthouse Reports الإخبارية الاستقصائية، دراسة معمقة استمرت عدة أشهر لعمليات القوات المسلحة السودانية، وتتبع ما جرى خلال استعادة قواتها لمدينة ود مدني الاستراتيجية، والمناطق المحيطة بها في ولاية الجزيرة مطلع العام الجاري".
وأبرزت أنه من خلال مراجعة مئات مقاطع الفيديو، وتحليل صور الأقمار الاصطناعية، وتتبع المبلغين عن المخالفات، ومقابلة الناجين على أرض الواقع في السودان، كشفنا أدلة على أن العملية التي نفذتها القوات المسلحة السودانية والجماعات شبه العسكرية التابعة لها اتسمت بالعنف العرقي، والقتل الجماعي للمدنيين، وإلقاء الجثث في القنوات والمقابر الجماعية".
كما تواصلت الشبكة الأمريكية و"Lighthouse Reports"، مع مصادر متعددة زعمت أن "أوامر هذه الحملة صدرت عن قيادة القوات المسلحة السودانية"، وأكدت الشبكة أنها تواصلت مع الجيش السوداني للتعليق على هذه الادعاءات، لكنها لم تتلقَّ ردًا، ومن جهته، وصف أحد أعضاء بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، أعمال القوات المسلحة السودانية في هذه المنطقة بأنها "إبادة جماعية ممنهجة"، قد ترقى إلى "تطهير عرقي"، وهي جريمة حرب محتملة.
ففي منطقة بيكة، قتل المقاتلون أشخاصًا اتهموهم بالتعاون مع "الدعم السريع"، وألقوا بجثثهم في الماء، بينما أُلقي آخرون أحياء، وفقًا لضابط من جهاز المخابرات العامة السوداني كان متواجدًا في المنطقة آنذاك، وأكد ضابط آخر من الجهاز نفسه، كان يقود قوات في المنطقة خلال الفترة ذاتها، هذه الممارسة.
جثث ملفوفة
وأشارت شبكة "سي أن أن"، أن قائد القوات المسلحة السودانية، عبد الفتاح البرهان، ألقى خطاب "النصر" أمام مجموعة من الجنود الذين كانوا يهتفون تحت جسر بجوار الممر المائي في بيكة، وتفاخر البرهان بأن جيشه شنّ هجومًا على مقاتلي قوات الدعم السريع في الموقع نفسه؛ وهو هجوم تم توثيقه في مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي في اليوم نفسه.
وفي الأيام والأسابيع التي تلت تقدم القوات السودانية نحو ود مدني، بدأت الجثث تطفو على سطح الماء في نظام القنوات نفسه، وقال لورانس أوينز، عالم الأنثروبولوجيا الشرعية الذي راجع اللقطات لصالح "سي أن أن"، إن الضحايا يبدو أنهم توفوا منذ حوالي أسبوع، وهي فترة زمنية تتوافق مع حملة القوات المسلحة السودانية للسيطرة على المنطقة.
وكشفت صور الأقمار الاصطناعية التي التقطت في أيار/مايو الماضي، عما يبدو أنها عشرات الجثث الأخرى التي تم التخلص منها في القناة في منطقة بيكة، على بعد أقدام قليلة من المكان الذي ألقى فيه البرهان خطاب النصر، وأظهرت الصور التي حللها مختبر الأبحاث الإنسانية، التابع لكلية الصحة العامة بجامعة ييل وشبكة "سي أن أن"، وجود العديد من الأجسام البيضاء في قاع القناة، تتطابق أبعادها ومظهرها مع جثث ملفوفة.
قتل مدنيون على الشبهات
ونقلت الشبكة الأمريكية عن ما وصفته بـ"ُمبّلغ" من داخل الرتب العليا لجهاز المخابرات العامة في بورتسودان، والذي تحّدث دون الكشف عن اسمه "خوفًا من الانتقام"، مشيرًا إلى أن الضحايا المقتولين عند جسر الشرطة "ُدفنوا في مقابر جماعية"، واللافت أن المصدر "المخابراتي" أقّر بأن القتلى ليسوا فقط من قوات الدعم السريع، بل كان هناك مدنيون تم إعدامهم "بناءًا على الشبهات"، تحقيق الـ"سي أن أن"، نقل عن "مبّلغ" ثان من المخابرات قال إن بعض المدنيين الذي اُتهموا بالتعاون مع قوات الدعم السريع قد ُأطلق عليهم النيران ثم ألقي بهم في قناة مياه.
قتل بدوافع عرقية
وخلال حملة القوات السودانية لاستعادة ود مدني، اتضحت طبيعة العنف ذي الدوافع العرقية، وفقًا للتحقيق، وأفاد خبراء بأن "الهجمات استهدفت في معظمها أشخاصًا من أصول غير عربية، بمن فيهم سكان منطقة دارفور الغربية، وما يُعرف اليوم بدولة جنوب السودان، وفي يوم 12 كانون الثاني/يناير الماضي، اندلع قتال عنيف عند جسر الشرطة، وخلاله بدا أن الجنود قد ألقوا القبض على أعضاء قوات الدعم السريع الفارين.
وأظهرت مقاطع الفيديو التي تم تصويرها بعد الاشتباكات جثثًا متناثرة، يرتدي أفرادها مزيجًا من الزي العسكري الخفيف الذي ترتديه قوات الدعم السريع والملابس المدنية، محاطة بمركبات محترقة ومقلوبة، وفي قرية طيبة، أطلقت قوات درع السودان، وهي مليشيا موالية للقوات المسلحة السودانية يقودها أبو عاقلة كيكيل، الذي فرض عليه الاتحاد الأوروبي لاحقًا عقوبات في تموز/يوليو الماضي بتهمة استهداف الكنابي، النار على المدنيين وأضرمت النيران في المنازل، وفقًا لمصدر مطلع وسكان محليين.
مجتمع الكنابي
يُعرف المزارعون السودانيون في ولاية الجزيرة باسم الكنابي، وهم مجتمع زراعي ينحدر معظمه من أصول سودانية سوداء غير عربية من دارفور وكردفان، وقد انتقلوا إلى ولاية الجزيرة في خمسينيات القرن الماضي كعمال، لطالما عانى الكنابي من التهميش من قبل الدولة بسبب أصولهم العرقية، ويعيشون في قرى تُسمى كامبوس. وقد ساهمت الانقسامات العرقية نفسها التي ابتلي بها السودان منذ الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة في دارفور مطلع الألفية الثانية في تهميش الكنابي لعقود، فيما استغلت القوات المسلحة السودانية هذه الانقسامات جزئيًا لاستهداف الكنابي وطردهم من أراضيهم في حملتها الشرسة مطلع عام 2025.
كما نقل التحقيق شهادات عن عنف جنسي و"اغتصاب منهجي" اسُتخدم كأداة حرب، مع تركيز على النساء والفتيات في القرى المستهدفة، إضافة إلى سياسة "التطهير العرقي"، إذ كشفت حرق قرى بأكملها وتدمير بنى تحتية حيوية مثل الأسواق والمستشفيات، بهدف إجبار السكان على النزوح.
ومن سياسات العقاب الجماعي في والية الجزيرة تحديدًا، كان القصف العشوائي، من غارات جوية كثيفة على مناطق مدنية، أسفرت عن مئات الضحايا المدنيين، بما في ذلك أطفال ونساء، وأشارت الـ "سي أن أن" إلى أن تلك الانتهاكات جرت بتوجيه من أعلى مستوى في قيادة الجيش السوداني.