كتاب عربي 21

المطلوب حضرميا لوقف مخطط اختطاف المحافظة اليمنية

ياسين التميمي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
تشهد محافظة حضرموت توترا عسكريا يبدو أنه يدفع بالمحافظة إلى حافة مواجهة عسكرية وحرب أهلية؛ تشير المعطيات كافة إلى أنها إن حدثت، ستمثل الصورة الأكثر تعبيرا عن العبث الجيوسياسي الذي يتعرض له اليمن. ومن أسوأ مظاهر هذا العبث هو خلق ظروف الحرب في المناطق الأكثر استقرارا وبعدا عن الصراع، بعدما شهده اليمنيون وما يحدث في محافظة سقطرى الواقعة عمليا في أعالي البحار وبعيدة كل البعد عن مسرح الصراع التقليدي بين الأطراف.

لقد قيل الكثير عن الذي يحدث في حضرموت، المحافظة الأكثر استقرارا خلال الحرب، بعد إخراج تنظيم القاعدة المزعوم من المكلا، وسط إجماع على وصف ما يجري بأنه الظلّ الميداني الأكثر سخونة لصراع النفوذ الذي تديره كل من الرياض وأبو ظبي على الساحة اليمنية، انطلاقا من الأولويات والاعتبارات التي تحرّك طموح هاتين العاصمتين.

ويقع صراع النفوذ الإقليمي بدوره تحت التأثير المدمّر للتفويض الأمريكي الممنوح للإمارات، الدولة الأكثر حماسا وسخاء في خوض ودعم المعركة الافتراضية مع ما يسمى الإرهاب، وتثبيت السردية القائلة إن حضرموت كانت ولا تزال تحت خطر العودة المحتملة لتنظيم القاعدة، الذي نجح (ظاهريا) في تأسيس "إمارة أنصار الشريعة" في المكلا خلال الفترة من الثاني من نيسان/أبريل 2015 وحتى نيسان/أبريل من العام التالي 2016.

وقد أقيمت تلك "الدولة" بجهود ضباط من المستوى المتوسط في قوات نظام صالح وأجهزته الأمنية، وانتهى نفوذها بتأثير الضربات الأمريكية والتدخل العسكري للتحالف ورأس حربة هذه المعركة (الإمارات)؛ التي سرعان ما ضمنت موقعا لها في التحكم بالمشهد الحضرمي عبر إنشائها معتقلا ومركزا للتنسيق الأمني المشترك مع المخابرات والجيش الأمريكيين في مطار المكلا؛ لخوض معركة موازية لمعركة التحالف، هدفها المعلن محاربة الإرهاب.

إن ما جرى ويجري في محافظة حضرموت لا يعنيها وحدها، بل هيأها -إلى جانب محافظات جنوبية أخرى مثل شبوة وأبين- لتكون مسرحا لاختبار التنسيق الأمريكي الإماراتي، المؤسَّس على عقيدة مكافحة ما يسمى الإرهاب، وتحميل هذا المفهوم الفضفاض ما لا يحتمل من التأثيرات والتحديات والتهديدات المزعومة، وبما يسمح للإمارات بأن تقوم -تحت الأنظار الأمريكية- بالمهمة الأكثر فتكا بالتوازن السياسي في اليمن وبفرص البلد في تجاوز ظروف الحرب والتعافي، ولعب دور يليق بوزنه الجغرافي والديموغرافي في المنطقة.

إن أخطر ما يجب الانتباه إليه هو أن حضرموت تعاني مشكلة مزمنة تتعلق بما يمكن تسميته بـ"شلل الإرادة". ففي حين تتهددها حربٌ أهلية محتملة، لا يظهر أبناؤها القدر المطلوب من الحسم والموقف المشترك، والتصرف بثقة تنطلق من المكانة الكبيرة لمحافظتهم ودورها القائد في إعادة التوازن إلى المشهد اليمني. وذلك في تقديري ناجم عن حالة ارتهان تاريخية تهيمن على نخبها وقواها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يؤثر بقوة في شل قدرة أبناء المحافظة على اجتراح التغيير وفق إرادتهم، لا وفق ما يمليه المهيمنون الإقليميون والمتدخلون المحليون من خارج المحافظة.

ومع بروز الضابط صالح بن أبو بكر، المعروف بـ"أبو علي الحضرمي"، متوعدا بمواجهة عسكرية مع القوة العسكرية القبلية التي يقودها عمرو بن حبريش، بدأ الجميع يتحدث عن تطور عنيف محتمل. لكن ما أود لفت الانتباه إليه هنا هو أن هذا الضابط، الذي زُرع بشكل تعسفي في قلب المشهد الأمني والعسكري الحضرمي وحمل وظيفة طارئة هي "قائد قوات أمن حماية حضرموت"، ليس إلا أحد الدلائل القوية على أن أداة التغيير المهيمنة في حضرموت ليس الشعب بل القوى العسكرية، وهي قوى لا يتحكم بها أبناء حضرموت.

فالمجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات يفرض إرادته بواسطة قوات يجلبها من خارج محافظة حضرموت ومن خارج البيئة الحضرمية، ويتمسك بخيار القوة العسكرية لفرض واقع يتوافق مع المشروع الانفصالي ومع الوعد بإقامة ما يسمى دولة الجنوب العربي.

وفي الطرف الآخر، تبرز قوة عسكرية قبلية حضرمية انبثقت مع الزمن من تيار قبلي نافذ يقوده الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس تحالف قبائل حضرموت ورئيس مؤتمر حضرموت الجامع. وقد تحولت هذه القوة إلى رقم عسكري مؤثر في الترتيبات الإقليمية السعودية والإماراتية معا، قبل أن تحتويها السعودية وتحوّلها إلى معادل عسكري للمشروع الانفصالي المسلح في حضرموت.

إن الخيار العسكري يهمّش شعب محافظة حضرموت، ويسلّم المحافظة مرة أخرى إلى ضباع النفوذ الداخلي والإقليمي، ويشل قدرتها على التأثير في صياغة مستقبل اليمن، سواء كإقليم قائد في يمن موحد أو كدولة مستقلة لها إرث تاريخي يدعم مزاعمها الاستقلالية.

للأسف، لم يتفاعل الحضارم بالشكل المطلوب مع المبادرة الناضجة والطموحة التي طرحها القيادي الحضرمي البارز صلاح باتيس، عضو مجلس الشورى، والمتمثلة في تأسيس "الإقليم الشرقي" (حضرموت- شبوة- المهرة- سقطرى) استنادا إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وهي من المبادرات التي كان يمكن أن تحشد الجهد السياسي لأبناء حضرموت وتعيد توجيهه لصالح القرار المستقل للمحافظة.

وتقديري أن العامل الحاسم في التطورات الراهنة ومآلاتها في حضرموت هو حضور إرادة أبناء المحافظة المشتركة والواعية؛ بدءا من الوقوف خلف المبادرات الناضجة، ودعم القوة العسكرية الجاهزة والقادرة على مواجهة مخطط تفجير حضرموت. وإلا فإن ما يجري يمكن أن يؤسس، عبر الأدوات العسكرية، واقعا جديدا من السهولة بمكان شرعنته عبر توافقات إقليمية تُفرض على السلطة الشرعية وعلى القيادات الحضرمية. سيكون من نتائجها خروج حضرموت من المعادلة الوطنية مجددا لصالح القوى العسكرية والمناطق التي جاءت منها، ولصالح القوى الإقليمية التي تؤمن دعما سخيا ومفتوحا للقوى العسكرية الوافدة.

x.com/yaseentamimi68
التعليقات (0)

خبر عاجل