نالت
الحكومة المغربية برئاسة فاطمة الزهراء
المنصوري
ثقة مجلس النواب، الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر، بأغلبية 204 أصوات مقابل
127 صوتا معارضا، في ختام جلسة اتسمت بحدة المواجهة السياسية بين رئيسة الحكومة
وفرق المعارضة، وفتحت مبكرا باب التساؤلات بشأن طبيعة العلاقة التي ستحكم الطرفين
خلال الولاية التشريعية الجديدة.
ولم يكن التصويت، الذي شارك فيه 331 نائبا،
مجرد محطة دستورية لاستكمال تنصيب الحكومة، بل شكل أول اختبار سياسي مباشر
للمنصوري أمام المؤسسة التشريعية، بعدما واجهت انتقادات متباينة طالت تركيبة
أغلبيتها، وواقعية وعودها الاقتصادية والاجتماعية، وملفات نزاهة الانتخابات
ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.
وتصدّر السجال بين المنصوري وإدريس الأزمي
الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية، واجهة المواجهة، إلى جانب انتقادات رئيسة
الفريق الحركي ريم شباط، التي شككت في طبيعة الالتزامات الحكومية، وطالبت بتوضيحات
بشأن تدبير المال العام وحصيلة الدعم العمومي خلال الولاية السابقة.
204 أصوات تنهي معركة الثقة وتفتح معركة التنفيذ
حصل البرنامج الحكومي على 204 أصوات مؤيدة
مقابل 127 معارضة، متجاوزا بستة أصوات فقط عتبة الأغلبية المطلقة المطلوبة،
والمحددة في 198 صوتا من أصل 395 عضوا يتألف منهم مجلس النواب، وفق الفصل 88 من
الدستور.
وتستند الحكومة الجديدة إلى ائتلاف يضم
أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم
والاشتراكية، فيما اصطف التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية
وتحالف اليسار في صفوف المعارضة.
وتكشف النتيجة، من جهة، نجاح التحالف
الحكومي في تأمين التنصيب الدستوري، ومن جهة أخرى، أن الحكومة تدخل الولاية
الجديدة أمام معارضة متعددة الأطراف، وإن كانت تختلف في مرجعياتها وأولوياتها.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنظر إلى
أن المنصوري تتولى رئاسة الحكومة للمرة الأولى، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة
الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 أيلول/سبتمبر الماضي، بحصوله على 97 مقعدا.
لكن تجاوز عتبة الثقة لا يحسم الأسئلة التي
رافقت عرض البرنامج الحكومي؛ إذ ستظل قدرة الأغلبية على تحويل التزاماتها إلى
سياسات قابلة للقياس والتنفيذ، ومدى استعداد المعارضة لمراقبة هذه الالتزامات،
المحددين الرئيسيين لمسار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
الأزمي للمنصوري: تحدثت بصفتك الحزبية لا
كرئيسة للحكومة
كان إدريس الأزمي الإدريسي من أبرز الأصوات
التي واجهت البرنامج الحكومي بانتقادات سياسية ودستورية، إذ اعتبر أن الحكومة لا
تقدم قطيعة واضحة مع المرحلة السابقة، سواء من حيث تركيبتها أو بعض الخيارات التي
تعتزم مواصلة العمل بها.
وانتقد رئيس فريق العدالة والتنمية ما
اعتبره اختلالات شابت الانتخابات التشريعية، متوقفا عند ضعف المشاركة، وما قال إنه
استعمال للمال الانتخابي، إلى جانب الترحال الحزبي وملاحظات بشأن بعض مكاتب
التصويت. وهي اتهامات وملاحظات سياسية طرحها الحزب، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت
مخالفات قضائية في جميع الوقائع التي أشار إليها.
كما طالب الأزمي بتوضيحات بشأن الوعود
المتعلقة بالتشغيل والقدرة الشرائية والتمويل، متسائلا عن مدى واقعية استهداف معدل
نمو سنوي في حدود خمسة في المئة، وعن مصادر تمويل الالتزامات الاجتماعية
والاقتصادية المعلنة.
وأعاد المتحدث طرح ملف نفقات دعم القدرة
الشرائية، التي قدرها بنحو 280 مليار درهم، مطالبا بتقييم أثرها الفعلي ومدى
وصولها إلى المستفيدين، كما أثار ملفات تضارب المصالح والإثراء غير المشروع
والصفقات العمومية.
ولم يقتصر اعتراض الأزمي على مضمون
البرنامج، بل امتد إلى طريقة تفاعل رئيسة الحكومة مع مداخلات المعارضة. فقد اتهمها
بالرد من موقعها الحزبي أكثر مما تحدثت بصفتها رئيسة للحكومة، معتبرا أن جوابها لم
يتناول بما يكفي الملاحظات التي قدمها فريقه.
ودعا الأزمي المنصوري إلى تجاوز ما وصفه
بـ«متلازمة العدالة والتنمية»، والتركيز على مسؤوليتها الحكومية في تقديم أجوبة عن
الانتقادات المطروحة.
وبذلك، انتقل النقاش من تفاصيل البرنامج إلى
سؤال سياسي أوسع: هل تستطيع رئيسة الحكومة الفصل بين موقعها على رأس الجهاز
التنفيذي وانتمائها إلى حزب يقود الأغلبية، أم أن المواجهة الحزبية ستظل حاضرة
بقوة في طريقة تدبيرها للعلاقة مع المعارضة؟
المنصوري ترد: "متنساش راني محامية
ومحنكة فالقانون الدستوري"
لم تكتف المنصوري بالدفاع عن برنامجها
الحكومي، بل دخلت في مواجهة مباشرة مع الأزمي، في واحدة من أكثر لحظات الجلسة
استقطابا للاهتمام.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام مغربية، خاطبت
رئيسة الحكومة رئيس فريق العدالة والتنمية قائلة: «شفتك كتحرك راسك.. متنساش راني
محامية ومحنكة فالقانون الدستوري»، في إشارة إلى اعتراضاته على سلامة بعض
الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قبل نيل ثقة مجلس النواب.
وكان الأزمي قد أثار مسألة اجتماع الحكومة
والمصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل استكمال مسطرة التنصيب
البرلماني، معتبرا أن الأمر يستدعي توضيحات بشأن الحدود الدستورية لممارسة
الصلاحيات الحكومية في هذه المرحلة.
وفي ردها، أكدت المنصوري أن تعيين أعضاء
الحكومة من طرف الملك يتيح للحكومة مباشرة مهامها، بما في ذلك استكمال الإجراءات
المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية وإيداعه داخل الآجال القانونية، مع التمييز
بين هذه الإجراءات وبين بدء المناقشة البرلمانية للمشروع.
ويظل الخلاف هنا متصلا بتفسير المقتضيات
الدستورية والقانونية المؤطرة للمرحلة الانتقالية بين تعيين الحكومة وحصول
برنامجها على الثقة، وهو ما يجعل التحقق من المسطرة القانونية ومناقشة حجج الطرفين
أمرا أساسيا، بعيدا عن حدة التبادل الكلامي.
وفي ردها السياسي الأوسع، دافعت المنصوري عن
شرعية اختياراتها، مؤكدة أن تشكيل الأغلبية استند إلى تقارب البرامج والمرجعيات،
وليس إلى مجرد جمع المقاعد. كما شددت على أن الاختلاف مع الحكومة السابقة لا يعني
التخلي عن الأوراش الاستراتيجية، وإنما تغيير منهجية التدبير وتنفيذ السياسات
العمومية.
وأثارت المواجهة كذلك قضية نزاهة
الانتخابات، بعدما تبادل الطرفان المواقف بشأن ما أثير حول واقعة مرتبطة بأحد
مكاتب التصويت في طنجة، المعروفة إعلاميا بملف «الصاك». ودافعت المنصوري عن ضرورة
عدم تعميم المسؤولية الفردية على حزب بأكمله، مشيرة إلى تجميد عضوية المسؤول
المعني إلى حين استكمال المسطرة القضائية، بحسب ما نقلته التغطيات الصحفية.
وفي المقابل، تمسك العدالة والتنمية بضرورة
توضيح ملابسات الواقعة ومساءلة المسؤولين عنها.
وتكشف هذه المواجهة أن العلاقة بين المنصوري
والأزمي مرشحة لأن تتجاوز الاختلاف بشأن السياسات العمومية إلى سجال متكرر حول
شرعية الممارسة السياسية، ونزاهة التنافس الانتخابي، وحدود المسؤولية الحزبية
والحكومية.
ريم شباط تفتح ملف 280 مليار درهم
من جهتها، صعّدت ريم شباط، رئيسة الفريق
الحركي بمجلس النواب، من انتقاداتها للبرنامج الحكومي، واصفة إياه بأنه "إعلان
نوايا"، ومطالبة بالتزامات محددة تتضمن الكلفة المالية والآجال ومؤشرات قياس
النتائج.
وتركز جانب مهم من مداخلتها على مآل الأموال
العمومية التي قالت إن الحكومة السابقة خصصتها لدعم القدرة الشرائية، مقدرة المبلغ
بنحو 280 مليار درهم، ومتسائلة عن الأثر الذي حققته هذه النفقات على حياة
المواطنين.
وطالبت شباط المنصوري بتوضيح موقفها من
إمكانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن هذه الأموال، معتبرة أن تقييم السياسات
العمومية ينبغي ألا يقتصر على حجم الإنفاق، بل يجب أن يشمل النتائج الفعلية وآليات
المحاسبة.
كما انتقدت ما اعتبرته غموضا في البرنامج
بشأن عدد من الملفات الاجتماعية والمجالية، ولا سيما أوضاع المناطق القروية
والجبلية، والخدمات الصحية، والإعاقة، والبناء في العالم القروي، إلى جانب ما
أثارته بشأن تمثيلية بعض القضايا والقطاعات في الهيكلة الحكومية.
وتعكس مداخلة شباط توجها رقابيا يركز على
مساءلة الحكومة عن مصير الأموال العمومية، ومدى قدرتها على تقديم التزامات قابلة
للمحاسبة، بدلا من الاكتفاء بالأهداف العامة.
غير أن تقدير حجم الإنفاق أو التشكيك في
مردوديته يظل مدخلا إلى المساءلة، وليس بديلا عن التدقيق في المعطيات المالية
وتحديد أوجه الصرف والنتائج التي تحققت. فالحسم في هذا الملف يقتضي بيانات رسمية
وتقييما موثقا للأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرامج المعنية.
من محاربة الفساد إلى القدرة الشرائية..
اختبارات البرنامج الحكومي
في مواجهة هذه الانتقادات، دافعت المنصوري
عن توجهات حكومتها، مؤكدة أن البرنامج الحكومي يشكل خريطة طريق للسنوات الخمس
المقبلة، وأن تقييمه ينبغي أن يأخذ في الاعتبار مسار التنفيذ، لا أن يقتصر على
الآجال القصيرة التي تلت عرض البرنامج.
ويتضمن البرنامج استهداف معدل نمو سنوي يبلغ
خمسة في المئة خلال الفترة 2027-2031، مع السعي إلى حصر عجز الميزانية في حدود
ثلاثة في المئة، إلى جانب تعهدات تتعلق بالدعم الاجتماعي والتشغيل وتحسين الخدمات
العمومية.
كما أعلنت الحكومة نيتها العمل على تجريم
الإثراء غير المشروع، وتعزيز التشريعات المرتبطة بتضارب المصالح والتصريح الإجباري
بالممتلكات، وهي ملفات تكتسب أهمية خاصة في ظل مطالبة المعارضة بتحديد المسؤوليات
وتوضيح آليات المحاسبة.
لكن هذه الالتزامات لا تزال في حاجة إلى
ترجمة تشريعية ومالية واضحة؛ فالإعلان عن نية تجريم الإثراء غير المشروع لا يعني
أن الإطار القانوني أصبح نافذا، كما أن تحديد أهداف اقتصادية لا يثبت وحده توافر
شروط تحقيقها.
ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار مزدوج: إقناع
البرلمان بواقعية برنامجها، ثم إثبات قدرتها على تنفيذ ما تعهدت به في ملفات تمس
الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم
وتقليص الفوارق المجالية.
وفي المقابل، سيكون على المعارضة الانتقال
من تسجيل الاعتراضات إلى استعمال أدوات الرقابة البرلمانية، من الأسئلة ومقترحات
القوانين إلى لجان تقصي الحقائق، حيثما توافرت شروطها القانونية، بما يسمح بتحويل
الخلاف السياسي إلى مساءلة مؤسساتية قابلة للتقييم.
برلمان ساخن منذ البداية
أظهرت جلسة منح الثقة أن الحكومة الجديدة لن
تبدأ ولايتها في مناخ من التوافق الواسع، رغم نجاحها في الحصول على الأغلبية
الدستورية اللازمة. فقد تداخلت في النقاش خلافات حول البرنامج الاقتصادي
والاجتماعي مع اتهامات متبادلة بشأن الانتخابات، وأسئلة حول دستورية الإجراءات
الحكومية، وسجال بشأن حدود الخطاب الحزبي داخل المؤسسة التشريعية.
ولا تعني حدة الجلسة بالضرورة أن كل الملفات
ستتحول إلى مواجهة دائمة، لكنها تكشف عن تعدد بؤر التوتر التي يمكن أن تطبع
العلاقة بين الحكومة والمعارضة، خصوصا إذا تأخرت الإجابات عن الأسئلة المتعلقة
بالتمويل والنتائج والمحاسبة.
كما أن اصطفاف أحزاب مختلفة المرجعيات في
المعارضة يضع أمامها تحديا يتعلق بتنسيق المواقف حول القضايا المشتركة، من دون أن
يلغي اختلاف حساباتها السياسية وأولوياتها.
وبالنسبة إلى المنصوري، فإن نيل الثقة يطوي
مرحلة عرض البرنامج والدفاع عنه، لكنه يفتح مرحلة أكثر ارتباطا بالنتائج.
فالأغلبية التي منحتها 204 أصوات ستكون مطالبة بمواكبة التنفيذ، فيما ستسعى
المعارضة إلى اختبار مدى التزامها بالوعود التي قدمتها أمام البرلمان.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى مشروع
قانون المالية لسنة 2027، باعتباره إحدى المحطات الأساسية لترجمة التوجهات
الحكومية إلى اعتمادات وإجراءات عملية، وإلى مسار التشريعات المرتبطة بمحاربة
الفساد وتضارب المصالح.
وهكذا، لم تكن جلسة الثقة مجرد إعلان عن
تنصيب حكومة جديدة، بل كشفت عن الخطوط الأولى لمعركة سياسية سيكون محورها مدى
التزام الحكومة ببرنامجها، وقدرة البرلمان على مراقبة التنفيذ، وحدود التوازن بين
الدفاع عن الخيارات الحكومية ومساءلة السلطة التنفيذية.
فبين 204 أصوات منحت الحكومة شرعيتها
البرلمانية، و127 صوتا عارضت برنامجها، يبدأ الاختبار الفعلي لحكومة المنصوري: ليس
في قدرتها على اجتياز جلسة الثقة فحسب، بل في قدرتها على تحويل وعودها إلى نتائج
يمكن للمواطنين والبرلمان قياسها ومحاسبتها على أساسها.