لماذا تعثرت عملية "فجر اليمن" في تحقيق أهدافها؟

معارك على عدة جبهات في اليمن دون رجوح كفة أحد الطرفين- الأناضول
دخلت عملية "فجر اليمن" التي أطلقها رئيس مجلس القيادة ، رشاد العليمي، أسبوعها الثالث، دون تغيير كبير في خارطة السيطرة الميدانية، كما كان مأمولا، الأمر الذي بدا مخيبا للآمال في أوساط مختلفة بالبلاد. 

تعثر عملية "فجر اليمن" في تحقيق أهدافها، بالنظر إلى حجم الآمال التي علقت عليها، يثير أسئلة عدة حول أسباب هذا التعثر، إلا أنها تكشف تعقيدات عسكرية وسياسية تحيط بالمشهد العام في اليمن ومنها ما يجري على الأرض. 

مخيبة للآمال

وفي السياق، أعتبر الصحفي والكاتب اليمني أحمد الشلفي أن عملية "فجر اليمن" بدت مخيبة للآمال مع دخولها الأسبوع الثالث دون تحقيق كافة أهدافها، مشيراً إلى أن تصريحات وزير الدفاع اليمني أكدت أن القوات ما تزال في مرحلتها الأولى من أصل ست مراحل معلنة.

وقال الشلفي في حديث خاص لـ"عربي21" إن الميدان يكشف عن إشكاليات حقيقية تواجه القوات الحكومية، لعل أبرزها "أزمة توحيد القوات والتنسيق بينها، وربط الجبهات وغياب الالتقاء الميداني لتحويل العمليات المتفرقة إلى تقدم عسكري متماسك".

وأشار إلى أن الحوثيين لم يدخلوا دخول الحوثيين هذه المواجهة دون استعداد، بل دخلوا بتحصينات وتحشيدات كبيرة ومنذ فترة طويلة، مدعومين بقدرات صاروخية، ومسيّرات، وخبرات إيرانية، مما جعل المواجهة أكثر تعقيدا من مجرد تقدم بري باتجاه مواقعهم.

وتابع الصحفي اليمني:  "لم يكتفِ الحوثيون بالدفاع، بل شنوا هجمات وتقدموا بسرعة إلى مناطق خصوصا في أرياف تعز، مما فرض على القوات الحكومية إعادة توزيع جهودها بين الهجوم، والدفاع، وحماية المناطق المدنية".

وأوضح أن هناك تحد أيضا يتمثل في القتال على جبهات متباعدة مع الحاجة إلى حماية المدن وخطوط الإمداد والمواقع الخلفية، بينما يستهدف الحوثيون العمق العسكري بالصواريخ والمسيّرات وليس فقط خطوط التماس.

فيما لا تقل الإشكاليات السياسية أهمية عن التطورات الميدانية؛ إذ يشير الكاتب الشلفي إلى التداعيات السلبية للتصريحات الصادرة عن قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي ( المعلن حله) والتي تؤكد أولوية استقلال الجنوب وتتحفظ على مشاركة القوات الجنوبية في معارك خارج حدوده.

تأتي هذه المواقف، وفق المتحدث ذاته، في توقيت بالغ الحساسية تتطلب توحيد جهود مختلف التشكيلات العسكرية، مما ينعكس سلباً على المقاتلين ويثير تساؤلات حول أهداف المعركة، وحدود مشاركتهم، ويؤثر في مستوى التنسيق بين القوات خصوصا اذا انعكست على القرارات العسكرية.

وفي إجابته عن أسباب عدم تحرك بعض الجبهات، يرى الصحفي الشلفي أن المسألة ترتبط في المقام الأول باعتبارات عملياتية وعسكرية وليست غياباً لقرار الهجوم.

ويلفت إلى رصده لتحركات جدية في مأرب والجوف ( وسط وشمال شرقي البلاد)، خصوصاً باتجاه اليتمة، خبّ والشعف، ومديرية مجزر شمال غربي مأرب. إلا أن هذه التحركات اصطدمت بعوائق ميدانية ضخمة شملت: "حقول الألغام الكثيفة، والتحصينات، والأنفاق الهندسية التي أعدها الحوثيون مسبقاً". فضلا عن الاستخدام المكثف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لاستهداف القوات الحكومية ومواقع تجمعها.

وقال إن هذه مؤشرات على أن الحوثيين كانوا يستعدون منذ فترة طويلة لاحتمال اندلاع مواجهة واسعة، مضيفا أنهم عملوا على بناء منظومات دفاعية تهدف لإعاقة تقدم القوات الحكومية ورفع كلفة أي هجوم بري.


 خيارات لم تستنفد

ورغم ذلك، يؤكد الكاتب والصحفي اليمني أن الخيارات لم تُستنفد بعد من قبل القوات الحكومية.
وقال إن هناك قدرات عسكرية لم يتضح بعد حجم استخدامها في هذه العملية من بينها "الإسناد الجوي والمسيّرات"، إلى جانب إمكانية التنسيق بين الجبهات المختلفة. 

ونوه إلى أن الانتقال إلى مراحل لاحقة من العملية قد يتضمن تغييرا في طبيعة العمليات وأولوياتها  سواء من حيث توزيع القوات أو تكثيف الإسناد الجوي أو فتح محاور أخرى للضغط على الحوثيين. 
لكنه استدرك قائلا: كل ذلك تبقى احتمالات مرتبطة بتطرو المعركة.

وشدد الكاتب والصحفي الشلفي على أن التقدم العسكري لا يُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بعمليات تثبيت المواقع وتأمين الإمداد وإضعاف الخصم ، قبل الانتقال إلى مرحلة أوسع. 

ويختتم الشلفي حديثه بالتأكيد على أن السؤال الحقيقي ليس "لماذا لم تتحرك الجبهات حتى الآن؟"، بل هو: هل يجري التحضير لمرحلة جديدة، أم أن القوات لا تزال تحاول تجاوز عقبات المرحلة الأولى؟
ودعا في الوقت نفسه، إلى عدم الاستعجال في إطلاق الأحكام، فالجمود الظاهر على الخريطة لا يعكس بالضرورة غياب النشاط العسكري، لكنه في الوقت ذاته لا يكفي دليلاً قاطعاً على وجود خطة ناجحة أو قرب الحسم.

حسابات إقليمية ودولية

من جانبه، سلط الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أنور الخضري الضوء على تداخل الحسابات الإقليمية والدولية مع الأجندات المحلية لتشكل جداراً منيعاً يعيق مسار الشرعية اليمنية نحو استعادة الدولة وتحرير العاصمة صنعاء. 

وفي حديث خاص لـ"عربي21"، علق الخضري على الموقف الأمريكي الذي يبدو  أنه غير معني بمعركة تحرير اليمن ولا يرى مصلحة في المشاركة فيها، بل يبعث برسائل سلبية تدفع نحو تسوية مع الحوثيين دون اعتبار لحلفاء واشنطن في المنطقة.

وأشار إلى  أن الولايات المتحدة عمدت إلى تجريد المملكة العربية السعودية من وسائل الدفاع الجوي، مما تركها مكشوفة أمام هجمات طالت مطاراتها ومصالحها الاستراتيجية ومدنها الكبرى وسفنها التجارية، في جرأة غير معهودة من الجماعة ودون خشية من عواقب.

وذّكر الكاتب اليمني بأن واشنطن وبريطانيا سبق وأن أوقفتا التقدم العسكري نحو صنعاء والحديدة، وفَرضتا مسار التسوية السياسية الذي لم يتزحزح رغم محاولات التلفيق والترويج لقرب التحرير.

وأضاف أن هذا الواقع دفع الرياض لقراءة المشهد بتمعن، فتوجهت نحو تعزيز تحالفاتها وتقوية إمكاناتها وخلق منظومة دفاعية آمنة ومتقاربة تمثلت في "حلف مكة"، تفادياً لمزيد من الضربات خصوصاً مع وجود جبهة شرقية أخرى مشتعلة على ضفة الخليج تهدف لاستنزاف الإقليم.

وخلص الخضري إلى أن الهدف الخفي لواشنطن يكمن في إلجاء السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل؛ مستشهداً بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي عبر فيها عن رغبته في إشراك إسرائيل بالعمليات ضد الحوثيين، وهو ما يعني اشتراط الدعم الغربي بالقبول بإسرائيل كقوة إقليمية والدخول تحت مظلتها.

وعلى الصعيد الإقليمي والمحلي، تطرق الكاتب والمحلل السياسي اليمني إلى أدوار أطراف أخرى؛ حيث تواصل الإمارات حالة الاصطدام مع الشرعية ومع السعودية، مستدلا بالدفع بتسليم الساحل الغربي ـ بما يحمله من أسلحة وعتاد وموقع استراتيجي حيوي لتعز ـ عبر قيادات وقوات ممولة منها "المقاومة الوطنية"، في إشارة الى التشكيلات العسكرية التي كان يقودها عضو المجلس الرئاسي، طارق محمد صالح.

 ويرى الكاتب الخضري أن قدرة أبوظبي على إثارة الإشكالات أو الأزمات وتوجيه الطعنات للشرعية والجهود السعودية تتم بغطاء وضوء أخضر دولي، لا سيما من الكيان الإسرائيلي.

أما محلياً، فلا تزال القوى ذات المصالح الضيقة ـ بحسب الخضري ـ  متخندقة حول مشاريعها الخاصة وحساباتها الشخصية أو الفئوية؛ إذ يلوح المجلس الانتقالي الجنوبي بورقة الانفصال ويوجه أتباعه للتحشيد المستمر في عدن، مما ينذر بتكرار طعنات غادرة مشابهة لما شهدناه في الساحل الغربي من طارق صالح، حد قوله.

جمود الجبهات

وفي إطار تفكيك المشهد الميداني، يطرح الخضري تساؤلاً جوهرياً حول سبب جمود المعارك، وقال : "منذ انطلاق العملية العسكرية، لم تتحرك سوى ثلاث جبهات فقط (باب المندب، مأرب، والجوف)، فلماذا ظلت بقية الجبهات ـ رغم ما تتمتع به من جهوزية وعديد وعتاد مثل يافع والبيضاء، والحدود مع صعدة، وميدي في حجة ـ متوقفة؟ وأين تكمن المشكلة؟".

ويجيب الكاتب: تكمن المشكلة الحقيقية في القرار السياسي غير المعلن. فرغم الإعلان رسمياً عن عمليات "فجر اليمن"، إلا أن تفاصيل التحرك الميداني تظل بيد القيادة العليا للقوات المسلحة، وهي قرارات محكومة بحسابات دولية وإقليمية ومحلية معقدة؛ نظراً لما يترتب على تحريك أي جبهة من تبعات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية واسعة.

وشدد على أن صانعي القرار ومسؤولو الملف اليمني أوصلوا الأوضاع إلى وضع معقد يرثى له، ويصعب تفكيكه أو حله، سواء في بنية الشرعية أو في طبيعة القيادات المعنية بمفاصل الدولة ومؤسساتها. 

وحذر الكاتب والمحلل السياسي اليمني في ختام حديثه من أن "كل يوم تأخير في إصلاح مؤسسات الشرعية يضاعف فاتورة المعاناة التي يدفعها الشعب اليمني، لكون الشرعية بصيغتها الراهنة جزءاً من الأزمة وليست طريقاً لحلها".

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قد أعلن في 5 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، عن عملية عسكرية تحمل اسم "فجر اليمن". وقد تمكنت القوات الحكومية من إحراز تقدم سريع في محور باب المندب، قبل أن تتعثر القوات هناك. 

فيما حققت قوات الجيش في محافظتي مأرب والجوف، وسط وشمال شرقي البلاد، اختراقات ومكاسب ميدانية في الأطراف الجنوبية والشمالية الغربية والشمالية والشرقية  من المحافظتين، إلا أن تقدمها تباطأ.

بينما نجح الحوثيون في تثبيت سيطرتهم في مناطق الريف الجنوبي والغربي من محافظة تعز، جنوبي غربي البلاد، وواصلوا تقدمهم نحو محيط مركز المحافظة، وفرضوا حصارا خانقا عليها، في الوقت الذي تتواصل المعارك بين مسلحي الجماعة والقوات الحكومية والقبائل في جبهات محافظة لحج جنوبا.