مدخل: "مَا
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ" (المدثر:42)
حينما يرتعب المصلحون
ويختفون من الساحة، ويظنون انهم عاجزين عن المهمة، وترتجف الفرائض تحت شمس تموز/يوليو،
ستتمكن
التفاهة ويمرض الشعب فلا شفاء ولا نقاهة، لذا لا بد أن ينهض المصلحون وهم يتوقعون
مخرجات التفاهة ومعاناتهم من السن والجهل والسفاهة، وإلا سيرتدي الأدعياء جلبابهم ويحملون
صولجانهم ليقودوا القطيع إلى الضلال. فغياب الصواب يجعل الهذيان مسلكا، والعقل الجمعي
منهجا، والضياع مصيرا. مهمة الصلاح عطاء، لا يحسب فيها الجهد أو يحدد العطاء، وإلا
سيصيبك الإحباط من كم الجهد والنتائج الشحيحة فالتفاهة ليست خصما هيّنا.
معاني في
المدثّر:
الصلاة ليست الحركات
التي يقوم بها المسلمون في الإسلام، وإنما هي كناية عن تمكين العقيدة وإقامة العدل
في القول والفعل؛ "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ
عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" (الحج: 41)، أي أقاموا العدل. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ
وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". فعندما يفقد
العدل في القول والفعل تتحقق أولى موجبات سقر، أما المسكين فهو صاحب الحق لكنه ضعيف
عن طلبه، فإن لم يحظ هذا بما يسد رمقه من غبط حقوق الفقراء والمساكين فهو سيكون ضحية
الفتنة والحسد.
هذا الاستنفار الجماعي يترجمه الواقع المعاصر في أبشع صوره من خلال قوله تعالى: "وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ". الخوض في التفسير الحديث هو الارتماء الفوضوي في لُجّة الترندات التافهة بلا هدف أو وعي
أما أن نخوض مع الخائضين،
فأكثرها وضوحا اليوم في وسائل
التواصل الاجتماعي، حيث لا يفهم الناس ما يقرأون ويدخلون
في أحكام ووصف وربما شرح أي موضوع والموضوع تافه لا يليق ويصبح "
ترند" نتيجة
هذه التعليقات والتصورات التي لا دليل عليها ولا أهمية أو وجوب لإبداء الرأي فيها.
وكم نرى من أناس يتكلمون
ويسفّهون أو يؤيدون هواهم الذي يخاطبه أحد مدعي العلم وتوفرت له منصة للكلام والشهرة
نتيجة تعلق التافهين بسطحيته فيه، وإن نصحتهم انبروا إلى الدفاع بلا هدى أو تفكير عن
شخص خاطئ أو سارق أو ظالم، بل نرى في الميديا مجاميع من قطيع الزيبرا كل يظن أنه مفكر
وأن رأيه يجب أن يُحترم بل أن يُتبع، وأن الكلام في أمور الدين أمر يعد منكرا لا يتفق
عليه الجميع لكن مسموح للكلام بضده. هذا الاستنفار يشبه حركة قطيع الحُمر الوحشية،
لأنها تركض بلا تفكير إن ركض واحد منها خوفا من أحد السنوريات، فقطيع الزيبرا لا يقف
كبقية القطعان بردود فعل متعددة بل حركة بلا هدى لا تتبع حتى من استنفر الكل للهروب
وكأن كل منها هو المستنفِر للآخرين.
الخوارزميات:
"قسورة"
في عصرنا الحالي،
لم يعد "القسورة" (الأسد) كائناً يزأر في الغابة، بل تحول إلى خوارزميات
صامتة تحكم منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس، تيك توك..). كلام تافه أو قذف أو
شتم يصبح شرارة "ترند"، يستنفر المجتمع الرقمي بكامله كقطيع الزيبرا، يتحرك
القطيع في أجزاء من الثانية لإعادة النشر والتعليق؛ "الكل يتحدث عن هذا، إذن يجب
أن أركض معهم"، دون أي تمحيص أو إدراك للوجهة التي يساقون إليها.
هذا الاستنفار الجماعي
يترجمه الواقع المعاصر في أبشع صوره من خلال قوله تعالى: "وَكُنَّا
نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ". الخوض في التفسير الحديث هو الارتماء الفوضوي في
لُجّة الترندات التافهة بلا هدف أو وعي.
عندما يعتلي "ترند
التفاهة" الصدارة، يمارس القطيع الرقمي عملية "تشويه بصري وفكري" تُدْفَنُ
على إثرها الأفكار الرصينة، ويُقبر الإثراء العلمي والفلسفي الجاد بكثافة التفاهة.
العقل الجمعي هنا يعامل المحتوى الفكري العميق كـ"جسم غريب" يهدد انسجام
القطيع، فينبذه؛ لأن المحتوى الجاد يتطلب مجهوداً للتدبر، بينما "الخوض الرقمي"
يتطلب بلادة جماعية مريحة، تعلو فيها التفاهة وتتحول إلى معيار وحيد للوجود.
انفصام
التبعية
الخلل البنيوي في
هذه المنظومة يتجلى في مفهوم "المُصَلِّين". في أصل لغة العرب، يُطلق "المُصلِّي"
على الفرس الذي يأتي في السباق خلف الفرس "السابق" مباشرة، ويلتصق به خطوة
بخطوة تتبعاً لقيادته وأثره.
عندما يعتلي "ترند التفاهة" الصدارة، يمارس القطيع الرقمي عملية "تشويه بصري وفكري" تُدْفَنُ على إثرها الأفكار الرصينة، ويُقبر الإثراء العلمي والفلسفي الجاد بكثافة التفاهة. العقل الجمعي هنا يعامل المحتوى الفكري العميق كـ"جسم غريب" يهدد انسجام القطيع، فينبذه
المفارقة الصادمة
في الإنسان المعاصر أنه يمارس "انفصاماً حاداً في التبعية"؛ فهو يفر من أن
يكون "مُصلِّياً" سالكا للمنهج العلمي، وللقيم الأخلاقية؛ زاعماً التحرر
والفردية، ويهرب من هدايتها كما تفر الحمر الوحشية من الأسد، ساقطا في التبعية العمياء
لـ"قادة القطيع الرقمي" (المؤثرين وصنّاع الوهم)، يرفض صلة الحق وصلاح العقل،
ليقبل الانقياد الأعمى وراء قطيع لاهث خلف الشهرة الافتراضية.
عزل الفرد
وحتمية السقوط
تاريخ الفكر البشري
يخبرنا أن كل قفزة معرفية أو إصلاحية في تاريخ الإنسانية قادها أفراد امتلكوا شجاعة
"الخروج من القطيع" ودفعوا ثمن ذلك عزلةً ومحاربة من مجتمعاتهم المستنفرة،
من سقراط الذي شرب السم رفضاً للجهل الجمعي، وصولاً إلى الأنبياء والمصلحين الذين واجهوا
تكتلات قبائلهم المنظمة بصيحة الفردية العاقلة: "قُلْ إِنَّمَا
أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا". وعندما تنقشع السكرة وتنكشف الحقيقة (سواء بصدمات
الواقع في الدنيا أو بالحساب الفردي في الآخرة)، يجد نفسه معزولاً وحيداً، وتتلاشى
أوهام العمي الداعمين: "فَمَا تَنفَعُهُمْ
شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ".
خاتمة
إن التشبيه القرآني
بالحُمر المستنفِر دقيق، فهي من يستنفر ذاته بالهرب والخوف، وهذا يضع الإنسان المعاصر
أمام خيارين أراهما: إما أن يحكم عقله الفردي، ويكون "مُصلِّياً" أي مرتبطاً
بصلة الحق متبعاً للوعي والتفكير قبل الفعل أو رد الفعل، وإما أن يستسلم لغريزة الركض
خلف "الترند" مستنفِراً مع الخائضين، وسيمر الزمن المر هناك حيث يكتب التاريخ
صفحات الزمن المر الذي نعيشه ومن يقود الإنقاذ حقا.. "وَلَا تَهِنُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران 139).
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.